القائمة إغلاق

على هامش شهادة الشيخ حسان: أين المحامون؟

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد

لا علم لي بتفاصيل القضية التي استُدعي الشيخ محمد حسان ومن قبله الشيخ محمد حسين يعقوب للشهادة فيها. ولا أريد الخوض في مضمون الشهادتين، ولا التعليق عليهما. فيكفي ما امتلأت به أجهزة الإعلام ووسائل التواصل من تعليقاتٍ فيها المنصف وفيها الجائر، وفيها ما بين ذلك. لكني أريد أن أحوِّل دفة الحديث إلى منحىً آخر فأتساءل: إذا كان الشيخان قد استُدعيا للمحكمة كشاهدي نفي بناءً على طلب الدفاع (أي المحامين)، فلماذا لم يقم أولئك المحامون باستجواب الشاهدين لمحاولة تحقيق أي مصلحة لموكليهم من خلال إجابة الشاهدين؟. بل إنه، حتى لو كان الشاهدان قد استُدعيا باعتبارهما شاهدي إثبات، فإنه كان من حق الدفاع أن يوجه لهما من الأسئلة ما يحاول به استخلاص ما يفيد موكليه، ويُحسِّن موقفهم في القضية. أوَ ليست مهمة المحامي في كل محاكم الدنيا أن يحاول دفع التهمة عن موكله أو على الأقل تخفيفها؟.

ولذا فإنه حين استدعي الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله للشهادة فيما سمي بقضية الجهاد عام 1981م، بناءً على طلب الدفاع أيضاً، فإن المحامين قاموا بتوجيه حوالي خمسين سؤالاً للشاهد، وكلها تقريباً أسئلة لا علاقة لها بالوقائع الواردة في القضية، وإنما تتعلق بالشأن العام وأوضاع البلاد، وذلك بغية تحقيق قناعات معينة لدى المحكمة تؤدي للتخفيف عن المتهمين. ونفس الشيء حدث في شهادة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في قضية مقتل فرج فودة سنة 1993م. بل إن المحكمة لم توجه للشيخ الغزالي إلا السؤال التقليدي في أول شهادته عن اسمه وسنه وعمله وعنوانه، وكذا السؤال التقليدي في آخر شهادته: هل لديك أقوال أخرى؟. أما بقية الأسئلة فقد كانت من الدفاع. ونفس الشيء حدث في شهادة الدكتور محمود مزروعة في القضية نفسها. [وذلك طبقاً لنص محضري جلستي المحكمة المنشورين في كتاب محاكمة المرتدين لأحمد السيوفي].

ومن طريف ما حدث في قضية عام 1981م أنه بعد أن انتهى المحامون من مناقشة الشيخ “صلاح أبو إسماعيل” رغِب المتهمون في القضية في مناقشة الشاهد أيضاً، فنادوا من داخل الأقفاص أنهم يريدون أن يتقدموا للشاهد ببعض الأسئلة الفقهية التي تمس قضيتهم. ووافق القاضي المستشار “عبد الغفار محمد” رحمه الله على طلبهم، على أن يكتبوا أسئلتهم، ويقوم هو بتوجيهها باسمهم للشاهد. لكنَّ المتهمين سكتوا، وفُسِّر ذلك بعدم رغبتهم في أن يقوم القاضي بتوجيه الأسئلة نيابةً عنهم. فما كان من القاضي إلا أن قال وهو يضحك: (بلاش أنا، يمكن اختيار أحد المحامين لقراءة الأسئلة، والاطمئنان على أنها لا تضر أحداً منكم). فرضي المتهمون بذلك. وأشاروا إلى المحامي مختار نوح ليوجه الأسئلة للشاهد نيابة عنهم.

وقد أسهمت تلك الشهادات، ليس فقط فيما ِأشرنا إليه من تحقيق مصالح لبعض المتهمين، ولكن أيضاً في إثارة بعض القضايا المهمة وطرحها على الرأي العام من خلال الشهادة؛ وذلك مثل قضية تطبيق الشريعة الإسلامية التي أفاض في الحديث عنها الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله. فأين هذا مما نراه الآن من اكتفاء الدفاع بترك الشاهد للمحكمة تحاول حصره طوال الوقت في خانة المدافع عن نفسه، وكأنه متهم وليس شاهداً. أنا أعلم أن الواقع قد اختلف، وأن الظروف قد صارت غيرَ الظروف، ولكني أرى أن المحامي ما دام قد قبل الدفاع عن متهمٍ ما فمن المفترض أن يكون مقتنعاً بأنه يستحق أن يدافع عنه. وبالتالي فعليه تحت كل الظروف أن يسلك كلَّ سبيل يُمكِّنه من تحسين موقف موكِّلِه في القضية، ومن ذلك هذا السبيل الذي ذكرناه. فلا أدري ما الذي أقعد الأساتذة المحامين عن ذلك؟.

وأخيراً: فإن من نافلة القول إن أقول: إنَّ كلامي هذا لا يعني تبرئة أولئك المتهمين أو دفع التهم المنسوبة إليهم، فأنا لا أعرفهم، ولا أعرف ما هو منسوب إليهم، ولا أدري هل قاموا فعلاً بما هو منسوب إليهم أم لا؟. ولكني أدري أن الأصل الذي يجب أن نرجع إليه جميعاً هو “أن المتهم برئٌ حتى تثبت إدانته”. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

عبد الآخر حماد

3/ 1/ 1443هـ – 11/ 8/ 2021م

موضوعات ذات صلة