طرائف المعتقلين الإسلاميين في السجون المصرية

img

بقلم: د. أحمد زكريا عبد اللطيف

هناك من الناس من تكونت لديه فكرة أن الدين يحرم على الإنسان الضحك والمزاح والتنكيت والمداعبة.. ويفرض عليه الجد والصرامة في كل أحواله.

ويؤيدون هذا الاعتقاد بموقف كثير من المتدينين.. أو المتحمسين للدين.. حيث لا يرى أحدهم إلا مقطب الجبين.. عبوس الوجه.. متجهمًا عند اللقاء.. خشنًا في الكلام.. فظًا في المعاملة مع الناس.. وخصوصًا غير المتدينين.

بجانب بعض النصوص التي قرأوها أو سمعوها من بعض الوعاظ والخطباء.. ففهموا منها أن الإسلام لا يرحب بالضحك والفرح والمزاح.. مثل حديث

“لا تكثر من الضحك.. فإن كثرة الضحك تميت القلب”

وحديث:

“ويل للذي يحدث الحديث ليضحك به القوم.. فيكذب.. ويل له، ويل له”

وحديث وصف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه كان: “متواصل الأحزان”

وقوله تعالى على لسان قوم قارون :

“لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ” (القصص: من الآية 76)

ويعد هذا ظلماً للإسلام الذي جاء بالاعتدال في كل شيء.

والإسلام ـ بوصفه دين الفطرة ـ لا يتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلى الضحك والمرح والانبساط.. بل هو على العكس يرحب بكل ما يجعل الحياة باسمة طيبة.. ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشّة.

ويكره الشخصية المكتئبة المتطيرة.. التي لا تنظر إلى الحياة والناس إلا من خلال منظار قاتم أسود.

وهناك من يزعم أن اللهو حرام أيا كان هو.

فنقول وأي لهو يزيد على لهو الحبشة والزنوج في لعبهم.. فقد ثبت بالنص إباحته.

فإن اللهو مروح للقلب.. ومخفف عنه أعباء الفكر.. والقلوب إذا أكرهت عميت، وترويحها إعانة لها على الجد.

فالمواظب على التفكر مثلاً ينبغي أن يتعطل يوم الجمعة.. لأن عطلة يوم تساعد على النشاط في سائر الأيام.

والمواظب على نوافل الصلوات في سائر الأوقات.. ينبغي أن يتعطل في بعض الأوقات.. ولأجله كرهت الصلاة في بعض الأوقات.

فالعطلة معونة على العمل.. اللهو معين على الجد.. ولا يصبر على الجد المحض.. والحق المر.. إلا نفوس الأنبياء عليهم السلام.. فاللهو دواء القلب من داء الإعياء.. فينبغي أن يكون مباحًا.

ولكن لا ينبغي أن يستكثر منه.. كما لا يستكثر من الدواء.

فإذًا اللهو على هذه النية يصير قربة.. هذا في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها.. بل ليس له إلا اللذة والاستراحة المحضة.. فينبغي أن يستحب له ذلك، ليتوصل به إلى المقصود الذي ذكرناه.

نعم هذا يدل على نقصان عن ذروة الكمال.. فإن الكامل هو الذي لا يحتاج أن يروح نفسه بغير الحق.. ولكن حسنات الأبرار سيئات المقربين.. ومن أحاط بعلم علاج القلوب.. ووجوه التلطف بها.. وسياقتها إلى الحق.. علم قطعًا أن ترويحها بأمثال هذه الأمور دواء نافع لا غنى عنه

وأسوتنا في ذلك هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. فقد كان برغم همومه الكثيرة والمتنوعة.. يمزح ولا يقول إلا حقًا.. ويحيا مع أصحابه حياة فطرية عادية.. يشاركهم في ضحكهم ولعبهم ومزاحهم، كما يشاركهم آلامهم وأحزانهم ومصائبهم.

يقول زيد بن ثابت.. وقد طلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال:

” كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له.. فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، وقال: فكل هذا أحدثكم عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. وقد روي وصفه من بعض أصحابه بأنه كان (صلى الله عليه وسلم) من أفكه الناس

وقد رأيناه في بيته (صلى الله عليه وسلم) يمازح زوجاته ويداعبهن،.. ويستمع إلى أقاصيصهن، كما في حديث أم زرع الشهير في صحيح البخاري.

وكما رأينا في تسابقه مع عائشة رضي الله عنها.. حيث سبقته مرة.. وبعد مدة تسابقا فسبقها.. فقال لها : “هذه بتلك”.

ورأيناه يمزح مع تلك المرأة العجوز التي جاءت تقول له:

” ادع الله أن يدخلني الجنة

فقال لها: “يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز”!

فبكت المرأة حيث أخذت الكلام على ظاهره

فأفهمها: أنها حين تدخل الجنة لن تدخلها عجوزًا، بل شابة حسناء.

وتلا عليها قول الله تعالى في نساء الجنة:

(إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً) (الواقعة: من 35-37)

وجاء رجل يسأله أن يحمله على بعير.. فقال له عليه الصلاة والسلام:

” إنا حاملوك على ولد الناقة!”

فقال: يا رسول الله.. وماذا أصنع بولد الناقة؟!

انصرف ذهنه إلى الحوار الصغير-

فقال: ” وهل تلد الإبل إلا النوق”؟

وقال زيد بن أسلم: إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)

فقالت: إن زوجي يدعوك

قال: ومن هو؟.. أهو الذي بعينه بياض؟

قالت: والله ما بعينه بياض

فقال: “بلى إن بعينه بياضا “

فقالت: لا والله

فقال (صلى الله عليه وسلم): “ما من أحد إلا بعينه بياض” وأراد به البياض المحيط بالحدقة.

منقول بتصرف عن كتاب فقه اللهو والترويح لفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي.

وهذه مجموعة من المواقف الطريفة.. منها ما قد حدثت داخل سجننا ومحبسنا.. ومنها ما قد حدثت في الخارج وكنا نقصها ونحن في محنتنا.

اسأل الله تعالى أن يفرج بها كربات المكروبين.. ويزيل بها هموم المهمومين.. وأن يشرح بها صدور المؤمنين

والآن مع الحلقة الأولى من هذه الطرائف

كنا في سجن الفيوم وحدث عطل في المياه وفي مواسير المياه.. وجاء عم حنفي السباك بعد أن قام بتصليح المواسير يسأل عنبر عنبر.. ما إذا كانت المياه بها مشكلة عندهم.

وكانت الزنازين مغلقة حتى جاء إلى عنبر رقم 3.. وآخذ ينادي:

عنبر 3.. عنبر 3.. فيه حد عنده مشاكل في المية.

وكان معي في الغرفة أخ من البداري.. فخرج على الباب وقال:

أيوه عندي حرقان في البول.. وظن أنها عيادة.

في سجن الوادي الجديد الكهرباء كانت غير موجودة في الغرف ومرت طائرة أعلى السجن.

أخ سأل أخ: إيه الصوت ده.

فرد الآخر قال: طائرة.

فقال الأول: الطيار شايف أزاي في الضلمة

أخ أهله أحضروا له في الزيارة زجاجة ماء مثلجة ومجمدة.. فإذا بأخ آخر ينظر لها بتعجب.. فقالوا له:

بتبص كده ليه.

فقال الآخر: التلج دخل إزاي جوه الزجاجة

كان لي أخ صديقي من أسيوط من البداري.. وكان أهله تأخروا عليه في الزيارة.. وكنا في سجن الفيوم

فقال لي: أهلي أتأخروا عليه في الزيارة.

قلت له: أرسل لهم خطاباً.

فقال لي: سوف أرسل خطابين.. فإذا لم يصل الأول وصل الآخر

فإذا به يضع الخطابين في ظرف واحد.

أخ قال لأهله في الزيارة: عايز أشوف صور العيال.

فأحضروا له الصور.. فوجد العيال كلهم يلبسون اللبس الأبيض فقط في جميع الصور.

فقال لأهله: العيال لابسين أبيض كلهم.. هو انتوا عملتم عمرة ولا أيه

قالوا: لا.. لكن قالوا لنا أن الملابس الملونة لا تدخل السجن

أخ كان بيفكر في الهروب من السجن دائماً.. كل يوم يقول لنفسه:

مقدروش على الحمار وقدروا على البردعة.

فقال له أخ في غاية البراءة: مين قالك أنهم مصنفينك بردعة.. يمكن مصنفينك حمار

أخ أراد أن يحث إخوانه في الغرفة على العمل والنشاط فقال:

ينبغي أن يكون كل منا نشيط وله قيمة وفائدة.. مثل أنثى النحل.. ولا يكون ليس له فائدة كذكر النحل.

فقال له أخ: أنت ذكر ولا أنثى.. فلم يستطع الإجابة.

أخ رأى رؤيا في السجن إن 500 حمار خارجين من باب السجن.. وقام من نومه وقصها لإخوانه فقال له أخ أسمر:

ماكانش فيهم حمار أسود.

كان هناك أخ سمين ولكن قدمه رفيعة في سجن الوادي الجديد.

فقال له أخ: أنت ليه ضخم من فوق ورجلك رفيعة.

فقال: هكذا الخيل العربي ضخم من أعلى ورجله رفيعة من أسفل.

فقال له السائل: كلامك صح.. كان عندنا حمار زيك كده في البيت ضخم من فوق ورجله رفيعة من تحت.

أخ في سجن أبو زعبل بيقول للإخوة بعد ما الضابط رفع صوته على الإخوة: الضابط ده كان كويس جداً كان بيصلي الجمعة كل يوم

في سجن دمنهور جاء تفتيش فخرج الإخوة من الزنزانة إلى الملعب وكانوا في غرفة 18.. والصف الذي فيه هذه الغرفة له شبابيك عالية.. والصف الذي أمامه شبابيك منخفضة.. فحدث لبس فأدخلوا الإخوة في الصف الآخر الذي فيه الشبابيك منخفضة.

فقال أخ: ياه بسرعة نزلو الشبابيك.

أخ في الزيارة كان بيداعب زوجته.. وبيقولها وهي خارجة من الزيارة مودعاً “خلي بالك من العيال يا باتعة”.

أخ آخر قال له: عرفت اسم زوجتك.

قاله إيه هو.

فقال: باتعه.

الملابس الملونة كانت ممنوعة في السجن فجاء تفتيش وكان أخ يرتدي شراباً ملوناً.. فقالوا له :

هات هذا الشراب.

فقال: أنا مريض.. ولا أستطيع أن استغني عنه.

قالوا: ما نوع المرض.

قال: تعب في المسالك البولية.

عند بداية افتتاح سجن الفيوم أخ بيسألوه:

أنت منين

قال: من الصف

قالوا: الصف جابت رجاله ولا نسوان.

قال: أنا بصراحة لسه ساكن جديد.

أخ كان معي في السجن من المنيا حكي لي عندما كان صغيراً أن أباه كان دائم السفر للخارج.. وذات مرة كان أبوه مسافراً فذهب إليه.

وقال: يابا يابا هات ربع جنيه.

قال أبوه: معيش فكه.

قال: لا مليش دعوة.. عايز ربع جنيه

فقال له: مش فاضيلك.

وخرج الوالد للسفر فقال له الابن: روح يا رب ترجع.

فإذا به يعود.. ولم يسافر.

وبعدها بفترة حدث ما حدث.. وقال له الابن: روح يا رب ترجع.

فإذا بالوالد يعود لنقص في الأوراق.. بعدها بفترة كان مسافراً.

فقال له الابن: يابا هات ربع جنيه.

فقال أبوه: أنت عيل فقري بدل ما تدعي أرجع.

فقال له الابن: روح يا رب ما ترجع.

فذهب الوالد ومات في سفره.

في سجن النطرون الشاويش دخل على الأخوة في الزنزانة.

قال لأخ: اسمك إيه؟

رد الأخ قال: اسمي فلان

فقال الشاويش: أمنع الصوت وأنت بتتكلم

أخ بيقول لأخ: الصاروخ إلى رماه صدام حسين على إسرائيل ثمنه كام؟

رد الأخ قال: حوالي 10 مليون جنيه.

فقال الأخ السائل: يا بخت اللي هيقع في بيته

وحتى نلتقي في الحلقة القادمة لكم كل التحيات

Please follow and like us:

Author : الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

RELATED POSTS

قم بالتعليق