القائمة إغلاق

هكذا نطق التاريخ.. فأقِلُّوا لومكم أيها اللائمون..

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد

لما وقع ما وقع يوم السابع من أكتوبر الماضي، ثم ما كان من رد الفعل العنيف من قِبل الكيان الصهيوني رأيْنا بعض مدعي الغَيْرة على أهلنا في غزة الباسلة يُلقون باللائمة على المقاومِين فيما أقدموا عليه، مما يسمونه استفزازاً للعدو أدى إلى هذه الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات.

وتعليقاً على ذلك أُذكِّر نفسي وإخواني بما حدَّثَنا به التاريخ الصادق من أن بدء غزو التتار لبلاد المسلمين في عام 616هـ، كان بسبب خطأ وقع فيه أحد ملوك المسلمين، وهو السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد.. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (13/ 90) في حوادث سنة 616هـ: (فيها: عبرت التتار نهر جيحون صحبةَ ملكهم جنكيز خان من بلادهم.. وسبب دخولهم نهر جيحون أن جنكيزخان بعث تجاراً له، ومعهم أموال كثيرة إلى بلاد خوارزم شاه، يبتضعون له ثياباً للكسوة.. فكتب نائبها إلى خوارزم شاه يذكر له ما معهم من كثرة الأموال.. فأرسل إليه بأن يقتلهم ويأخذ ما معهم، ففعل ذلك، فلما بلغ جنكيزخان خبرَهم أرسل يتهدد خوارزم شاه، ولم يكن ما فعله خوارزم شاه فعلا جيداً..).

ثم ذكر ابن كثير رحمه الله تفاصيل ما وقع بين المسلمين والتتار من الوقائع والحروب، التي كان سببها المباشر ذلك الخطأ الذي وقع فيه السلطان خوارزم شاه، وأورد ما أحدثه التتار خلال استيلائهم على بلاد المسلمين من الفظائع والأمور الشنيعة، وأنه ما مرَّتْ سنة على بدء غزو التتار لبلاد المسلمين حتى كانوا قد ملكوا سائر الممالك الإسلامية إلا العراق، والجزيرة، والشام، ومصر.

ثم استمر اجتياح التتار لبلاد المسلمين حتى تمكنوا من إسقاط الخلافة العباسية في بغداد سنة 656هـ على يدي هولاكو حفيد جنكيزخان، حيث قُتل الخليفة المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس، كما استحر القتل في أهل بغداد حتى قيل إن عدد القتلى كان ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل ألفي ألف نفس [البداية والنهاية: 13/ 215]. ثم تبع ذلك سقوط جميع بلاد الشام، وبات الطريق مفتوحاً أمامهم إلى مصر لولا أن استطاع ملكها السلطان سيف الدين قطز جمعَ كلمة المماليك، والخروج بجيش كبير التقى مع التتار في موقعة عين جالوت في رمضان سنة 658هـ، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، (فكانت النصرة ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمةً هائلة، وقتل أمير المغول كتبغا نوين وجماعة من أهل بيته.. واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع). [البداية والنهاية 13/234]. وكانت تلك الوقعة هي بداية انكسار التتار، وضعف قوتهم.

ولقد أجمع المؤرخون على فظاعة ما أحدثه التتار في بلاد المسلمين من القتل والتخريب والتدمير، حتى إن ابن الأثير رحمه الله يقول في كتابه الكامل في التاريخ (12/ 358): (فلو قال قائل إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.. ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يُبقي على من اتبعه، ويُهلك من خالفه، وهؤلاء لم يُبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

وذكر ابن كثير في البداية والنهاية عند حديثه عن دخول التتار بغداد أن القتل قد استحر في أهلها أربعين يوماً، ثم قال رحمه الله ( 13/ 216): (ولما انقضى الأمر المقدر، وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نُبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضاً، فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانَوْا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى…).

وبعد: فإنه رغم اعتراف أهل الدين والإيمان بخطأ ما أقدم عليه خوارزم شاه من قتل تجار التتار، وأن فِعْلَه هذا قد ترتب عليه ما أشرنا إليه من القتل والنهب وسفك الدماء، إلا أنه حين وقعت الواقعة وغزا التتار بلاد المسلمين أجمع ذوو الرأي والسلطان على وجوب مجاهدتهم والتصدي لبغيهم وعدوانهم، ولم يُعد هناك من وقت يُضيَّع في اللوم والتقريع، وما علمنا عن أحد من علماء المسلمين في تلك الحقبة وما تلاها انشغالاً باللوم والتوبيخ. بل إن أهل التاريخ المنصفين حين أرَّخوا لهذه الفترة حرصوا على بيان فضل الملك خوارزم شاه وعلمه كما فعل ابن كثير رحمه الله، فإنه مع حرصه على بيان خطأ خوارزم شاه فيما أقدم عليه، إلا أنه ذكر عنه أنه كان (فقيهاً حنفياً فاضلاً له مشاركات في فنون من العلم، يفهم جيداً). [البداية: 13/96]. وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله.. فليت أقواماً ممن صدَّعونا في الفترة الماضية بتخطئة أهلنا المرابطين في فلسطين فيما فعلوه، ليتهم يتعلمون هذا الأدب الإسلامي العظيم.

هذا مع الفارق الكبير والبون الشاسع بين ما أقدم عليه خوارزم شاه وما فعله أولئك الأبطال، فإنَّ ما فعله خوارزم شاه أمرٌ مخالف لما مضت عليه سنة المسلمين، واستقر عليه الفقه الإسلامي من عدم قتل المستأمِنين، ويدخل فيهم التجار. أما ما فعله إخواننا فما هو إلا دفاع عن الأقصى وحرمات المسلمين، واستباق لما كان يدبر للقضية الفلسطينية في الخفاء من إنهاء وتصفية، ولن تكون عاقبة جهادهم إلا خيراً ونصراً للإسلام وأهله، بإذن من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

هذا إضافةً إلى ما نراه من صمود أهل غزة شباباً وشِيباً، ونساءً وأطفالاً، ورضاهم بقضاء الله، واستعدادهم جميعاً للشهادة، وهو من أدل دليل على بطلان ما يزعمه أولئك اللائمون من حرصهم على غزة وأهلها، فهل أنتم أحرص منهم على أنفسهم؟!

عبد الآخر حماد

عضو رابطة علماء المسلمين

6/ 6/ 1445هـ – 20/ 11/ 2023م

التعليقات

موضوعات ذات صلة