مسجد آيا صوفيا.. إطلالة تاريخية ونظرة فقهية

img

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد

تابعت ما أثير في الأيام الماضية حول اعتزام السلطات التركية إعادة فتح مسجد آيا صوفيا في مدينة استانبول، وإتاحة الصلاة فيه، وذلك بعد مرور ما يقرب من تسعين عاماً على تحويله إلى متحف على يدي كمال أتاتورك. وبعيداً عن الجدل والمناكفات السياسية التي أحاطت بهذا الموضوع والتي شارك فيها للأسف جهاتٌ دينية رسمية في بلادنا، كان الأحرى بها أن تنأى بنفسها عن الخلافات والمكايدات السياسية بين الحكومات والأنظمة، أقول بعيداً عن ذلك كله فإنه لا بد من نظرة تأصيلية يتبين لنا من خلالها الحكم الشرعي في هذا الذي تنتويه الحكومة التركية، فأقول وبالله التوفيق:

إن الحقيقة التي لا يمكن لأحد إنكارها أن ذلك المكان قد ظل مسجداً يُعبد فيه الله عز وجل قرابة خمسة قرون، وذلك منذ أن فتح المسلمون مدينة القسطنطينية سنة (857هـ – 1453م)، وإلى أن قام مصطفى كمال أتاتورك بتحويله إلى متحف سنة 1935م. ومعنى هذا أن ذلك الموضع قد وُقف منذ عهد محمد الفاتح ليكون مسجداً، فلا يجوز لأحد أن يغيره عن تلك الصفة. وبذلك يكون قرار تحويله إلى متحف قراراً باطلاً، صدر من شخص ضالٍ، معروف بعدائه للإسلام وشريعته الغراء. وإذن فقرار إعادته مسجداً قرار صائب بلا شك، وإن كان تحديد الوقت المناسب لذلك متروكاً لأهل العلم والخبرة القادرين على قياس المصالح والمفاسد والموازنة بينها.

ولا يقدح في هذا الذي قلناه أن ذلك المسجد كان في الأصل كنيسة؛ وذلك لأن فتحَ القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح رحمه الله قد وقع عَنوةً، لا صلحاً. وكان محمد الفاتح قد عرض على إمبراطور بيزنطة تسليم المدينة صلحاً مع التعهد بالأمان لأهلها، والسماح لهم بإقامة شعائر دينهم، لكن الإمبراطور رفض ذلك العرض، فاضطر السلطان لفتحها عَنوةً.

والبلدان التي فتحها المسلمون عَنوة – أي بالسيف والقتال- تختلف أحكامها عن البلدان التي فُتحت صلحاً، أي التي سلَّمها أهلها بموجب صلح واتفاق مع المسلمين. فما فُتح صلحاً يلتزم فيه المسلمون بشروط الصلح، وأما الأرض التي فتحت عَنوةً فقد استقر أمر المسلمين منذ عصر الصحابة كما نقل ابن القيم في أحكام أهل الذمة (2/ 677) على أن تلك الأرض قد صارت مِلكاً خالصاً لأهل الإسلام، وإن اختلف العلماء في بعض التفاصيل الخاصة بذلك الأمر، ومن ذلك اختلافهم في شأن كنائس تلك البلاد التي فُتحت عَنوةً، هل يجوز إبقاؤها أم يجب هدمها؟ فقد اختلفوا في ذلك على قولين ذكرهما ابن القيم في أحكام أهل الذمة ( 2/ 689 وما بعدها ) ثم قال رحمه الله : ( وفصل الخطاب أن يقال: إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخْذُها منهم أو إزالتها هو المصلحة ، لكثرة الكنائس ، أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقلة أهل الذمة، فله أخْذها أو إزالتها بحسب المصلحة، وإنْ كان تركها أصلح لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها تركها … فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخنا – أي شيخ الإسلام ابن تيمية- وعليه يدل فعل الخلفاء الراشدين ،ومن بعدهم من أئمة الهدى ،وعمر بن عبد العزيز هدم منها ما رأى المصلحة في هدمه ،وأقر ما رأى المصلحة في إقراره …. ) . فالسلطان محمد الفاتح حين أخذ تلك الكنيسة منهم لم يخالف بذلك حكماً شرعياً إسلامياً، بل فعل ما رأى فيه المصلحة. كما أنه -وإن أخذ منهم تلك الكنيسة – إلا أنه لم يمنعهم من إقامة شعائرهم، بل ترك لهم نصف كنائسهم، وأقام فيهم العدل، وأمَّنهم على أنفسهم، حتى عاد من كان منهم قرَّر الفرار إلى بلاد النصرانية، كما ذكر ذلك الأستاذ محمود شاكر في كتابه التاريخ الإسلامي (8/ 88).

على أنه مما ينبغي ذكره هنا أن هذا الذي ذكرناه من أحكامٍ تخص البلاد التي فتحت عنوةً، ليس شيئاً خاصاً بالمسلمين. بل إننا حين نقارن ذلك بما هو معروف في تاريخ غيرنا من الأمم، فسنشعر بمدى الرحمة والعدل اللذين ينطوي عليهما تاريخ الفتوحات الإسلامية العظيمة. فإنَّ من يراجع تاريخ الحروب والفتوحات البشرية من قديم سيجد أن الفاتحين الغالبين كانوا يعتبرون البلاد التي يفتحونها كلأً مباحاً لهم يفعلون بها وبأهلها ما يشاؤون من حرق وقتل واستعباد وغير ذلك. بل إننا لسنا بحاجة إلى مراجعة تواريخ الأقدمين، وإنما يكفي أن نقرأ هذا النص من أحد أسفار العهد القديم الموجودة بيننا والتي يؤمن به اليهود والنصارى على حد سواء، وأعني بذلك ما جاء في سفر التثنية، الإصحاح العشرون (العدد: 11 -14) ما نصه: (حينَ تَقْرَبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِتُحَارِبَهَا ٱسْتَدْعِهَا لِلصُّلْحِ. فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلَى ٱلصُّلْحِ وَفَتَحَتْ لَكَ، فَكُلُّ ٱلشَّعْبِ ٱلْمَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لَكَ. وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْباً، فَحَاصِرْهَا. وَإِذَا دَفَعَهَا ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ إِلَى يَدِكَ فَٱضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ ٱلسَّيْفِ. وَأَمَّا ٱلنِّسَاءُ وَٱلأَطْفَالُ وَٱلْبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي ٱلْمَدِينَةِ، كُلُّ غَنِيمَتِهَا، فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ، وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ ٱلَّتِي أَعْطَاكَ ٱلرَّبُّ إِلٰهُكَ).

وفرقٌ كبير بين ما تنطوي عليه هذه السطور من الشدة والغلظة؛ حتى إنها تأمر باستعباد أهل الأرض التي تفتح صلحاً، وبين ما كان يمارسه الفاتحون المسلمون من العدل والرحمة والشفقة على الخلق. ويكفي أن أذكِّر هنا بموقف الصحابة حين فتحوا مدينة دمشق، وذلك أنهم حين فتحوها دخلها خالد بن الوليد رضي الله عنه من جانبها الشرقي بالسيف، وفي نفس الوقت كان أبو عبيدة رضي الله عنه قد دخلها من جهة باب الجابية بالأمان مع أهلها، فلذلك اختلفوا في شأن توصيف فتحها، ثم اتفقوا كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (9/ 151) على أن جعلوا نصف البلدة فتح صلحاً، ونصفها فتح عنوة. وعلى أساس هذا التقسيم أخذ المسلمون نصف كنيسة القديس يوحنا (أو مريحنا كما يسميها ابن كثير، وهي موضع المسجد الأموي الآن) وجعلوه مسجداً، وتركوا النصف الآخر للنصارى، وكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد، في الجهة الجنوبية جهة القبلة، فينصرف النصارى إلى كنيستهم في جهة الغرب، ويأخذ المسلمون يَمنةً إلى مسجدهم في جهة الشرق. وظل المسلمون والنصارى على ذلك أكثر من سبعين عاماً، إلى أن كانت خلافة الوليد بن عبد الملك، فأراد توسعة المسجد، فأخذ الجزء الخاص بالنصارى وضمه للمسجد، لكنه عوَّضهم عن هذا الذي أخذه منهم، فأطلق أيديهم كما يذكر ابن كثير وغيره في كنائس أخرى، لم تكن قد دخلت في العهد فتركها لهم. وكان الخليفة قادراً على أخذها منهم بلا مقابل، لكن شريعة الإسلام العادلة منعته من ذلك.

فأين من هذه القمة السامقة في العدل والإحسان ما قرأناه في صفحات التاريخ من ظلم عٌبَّادِ الصليب للمسلمين وبطشهم بهم حين كان يُقدَّر لهم أن يحققوا انتصاراً عليهم. ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على ما وقع في بلاد الأندلس بعد استيلاء النصارى عليها من تحويل مساجدها إلى كنائس، فضلاً عما وقع على المسلمين من ظلم وتعذيب وحشي، من أجل إجبارهم على ترك عقيدة التوحيد والدخول في الكاثوليكية. ونخص بالذكر هنا ما وقع بعد سقوط غرناطة -آخر معاقل المسلمين في الأندلس – رغم أن الإسبان لم يأخذوها بالسيف والقتال، وإنما سلَّمها لهم المسلمون صلحاً، بمقتضى معاهدة تمت بين الملك أبي عبد الله الصغير، وبين مَلِكيْ قشتالة: فرديناندو وإيزابيلا. وكانت تلك المعاهدة تنص صراحةً على تأمين المسلمين على أنفسهم وأموالهم وإقامة شريعتهم على ما كانت عليه، وأن تبقى المساجد كما كانت، فقد جاء في البند الرابع من بنود تلك المعاهدة بحسب ترجمة المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان رحمه الله في موسوعته دولة الإسلام في الأندلس (الكتاب الرابع نهاية الأندلس ص: 230 وما بعدها) على أن: (يَسمح صاحبا السمو، وسلالتهما، للملك أبي عبد الله الصغير، وشعبه أن يعيشوا دائماً ضمن قانونهم – أي وفق أحكام الشريعة الإسلامية – دون المساس بسكناهم وجوامعهم ومناراتهم. وسيأمران بالحفاظ على مواردهم، وسيُحاكَمون بموجب قوانينهم وقضاتهم، حسبما جرت عليه العادة، وسيكونون موضع احترام من قبل النصارى. كما تحترم عاداتهم وتقاليدهم إلى غير حين). كما تنص المعاهدة في مادتها العشرين على أنه: (يتولى الفقهاء إدارة إيراد الجوامع، والحلقات الدراسية فيها، وما يرصد من أجل الصدقة، أو عمل الخير، بما في ذلك إيرادات المدارس التي تنفق في تعليم الصبيان. ولا يحق لصاحبي السمو التدخل بأي حال من الأحوال في شأن هذه الصدقات، أو الأمر بمصادرتها، في أي وقت في الحاضر أو فيما بعد).

لكن ما إن استتب الأمر للإسبان، وزال ما كانوا يخشونه من انتقام المسلمين وثورتهم، حتى بدؤوا في نقض بنود المعاهدة الواحد تلو الآخر. وكان أول الغدر على ما ذكر أهل التواريخ تحويل مسجد الطيبين إلى كنيسة، وكذا مسجد الحمراء، ثم تحويل مسجد غرناطة الأكبر إلى كاتدرائية. ثم توالت حلقات الغدر والاضطهاد ومحاكم التفتيش. وهكذا يكون الفارق بين أهل الدين والإيمان، وأهل الكفر والطغيان:

ملكنا فكان العفوُ منا سجيةً *** فلما ملكتم سال بالدم أبطَحُ

فحسبكم هذا التفاوتُ بيننا *** وكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ

د. عبد الآخر حماد

عضو رابطة علماء المسلمين

24/ 10/ 1441هـ – 16/ 6/ 2020م

Author : الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

RELATED POSTS

قم بالتعليق