مريض الكورونا والصلاة.. شذرات فقهية

img

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد الغنيمي

الحمد لله وبعد فهذه مسائل فقهية حول أحكام صلاة المريض، وما يتعلق بها من أحكام الطهارة وغيرها.

وقد كان الحامل على جمعها وكتابتها ما نعاني منه جميعاً من انتشار وباء “كورونا” – عافانا الله وإياكم منه ومن كل داء – وما لمسناه من تساهل كثير من المرضى في أداء الصلاة، لظنهم أنها تسقط عنهم ما داموا في هذه الحالة من المرض. فكانت هذه السطور التي أبين فيها شيئاً من تلك الأحكام، مع التركيز على بيان يسر الإسلام وما شرعه الله تعالى لعباده من الرخص في حالات المرض ونحوها..

فأقول وبالله التوفيق:

1- أول ما نبدأ به أن نشير إلى أهمية الصلاة بالنسبة للمسلم، وأنها أعظم أركان الدين بعد النطق بالشهادتين. وأنها لأهميتها لا تسقط عن المسلم بحال ما دام عقله ثابتاً فيه، كما ذكره الإمام ابن قدامة في المغني (1/817) ونحوه في المجموع للإمام النووي (4/317). وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل).[أخرجه أحمد والترمذي، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، والألباني في صحيح سنن الترمذي].

وعلى هذا فما دام الشخص عاقلاً فإنه يلزمه الإتيان بالصلاة وعدم التهاون فيها. وله إن كان مريضاً أن يترخص بالرخص الشرعية الواردة في في الكتاب والسنة.

2- فمن تلك الرخص، مشروعية التيمم عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، كما قال تعال : (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً) [النساء : 43]. فالمريض الذي لا يقدر على الوصول إلى الماء، وليس معه من يساعده على الوضوء فإنه يتيمم بالصعيد الطاهر من تراب ونحوه، وذلك بأن يضرب التراب بيده ضربة واحدة ثم يمسح بهما وجهه ويديه. وعلى هذا ينبغي لأهل المريض أن يضعوا بجانبه إناء أو كيسا فيه كمية من التراب بحيث يمكنه التيمم عند الحاجة.

3- لكن عليه قبل اللجوء للتيمم أن يجتهد في الوضوء، ولو بالاقتصار على فرائضه دون سننه ومستحباته، فيمكنه مثلا ًأن يغسل كل عضو مرة واحدة. فإن هذا هو القدر الواجب في الوضوء، وأما التثليث فهو سنة بإجماع المسلمين، كما ذكره الإمام النووي في شرح مسلم، وذلك لما ثبت في صحيح البخاري (157) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة).

4- فإن عجز عن الوضوء، وعن التيمم أيضاً، وخشي خروج الوقت، فهو فاقد للطهورين، وحكمه أنه يصلي بلا وضوء ولا تيمم. وذلك لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة للقادر عليها، فمن لم يقدر عليها تسقط عنه، لقول الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم). [التغابن :16]. ولحديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتُم….). وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، لكن قال الحنفية والشافعية بوجوب إعادتها بعد ذلك. وعند الحنابلة لا تجب إعادتها. وأما المالكية فإن الصلاة تسقط عن فاقد الطهورين في المشهور من مذهبهم، لكنه في الحقيقة قول غريب، وقد أنكره بعض المالكية أنفسهم، حتى قال عنه ابن عبد البر في الاستذكار (1/ 305) إنه: (قول ضعيف مهجور شاذ مرغوب عنه). وعلى ذلك فالصحيح أن فاقد الطهورين يصلي بغير طهارة، ولا إعادة عليه على الراجح والله أعلم.

5- ومن صور التخفيف أيضاً أنه يمكن للمريض أن يجمع بين الظهر والعصر، وكذا له أن يجمع بين المغرب والعشاء، وهو مذهب المالكية والحنابلة، إلا أن المالكية يرون جمع التقديم فقط على تفصيل عندهم. أما الحنابلة فيرون جواز جمع التقديم وجمع التأخير، واستدلّوا بحديث ابن عباس الذي في الصحيحين: (جمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين الظّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر). وفي رواية لمسلم أن ابن عباس لما سُئل: ما حمله على ذلك؟ قال: (أراد ألا يحرج أمته)، ولا شك أن المريض قد يلحقه حرج إن صلى كل صلاة في وقتها، فيباح له الجمع دفعاً للحرج. ولكن بلغنا عن بعض المرضى أنهم فهموا من جواز الجمع أنه يباح لهم القصر أيضاً، فصاروا يصلون الصلاة الرباعية ركعتين، وهؤلاء يجب تنبيههم إلى أنه لا يجوز لهم ذلك، بل صلاتهم تبطل بذلك، إلا إذا كانوا مسافرين؛ لأن القصر رخصة للمسافر فقط، فلا يجوز لهم القصر بسبب المرض.

6- وكذلك يسقط عن المريض استقبال القبلة إذا كان غير قادر على استقبالها، ولا يوجد معه من يساعده في التوجه إليها، وذلك لما سبق من قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وغير ذلك من أدلة التيسير ورفع الحرج.

7- ومن صور التيسير والتخفيف عن المرضى ما أجمع عليه أهل العلم من أن المريض إذا لم يستطع أن يصلي قائماً فإن له أن يصلي قاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنبه؛ لقوله صل الله عليه وسلم لعمران بن حصين: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب). [أخرجه البخاري وغيره]. وضابط عدم القدرة على القيام كما ذكر ابن قدامة في المغني: (1/813) أن يخشى من زيادة مرضه، أو تباطؤ بُرئه، أو يشق عليه القيام مشقة شديدة، وذلك لقول الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: 78]، فمن كان يمكنه القيام، ولكن تلحقه مشقة شديدة، سقط عنه القيام. وكذلك إن كان لا يمكنه الركوع ولا السجود فإنه يومئ للركوع والسجود، أي يحني رأسه نحو صدره حسب إمكانه، ويكون إيماؤه للسجود أكبر من إيمائه للركوع.

8- ومن استطاع القيام لكنه عجز عن الركوع والسجود، فإنه لا يسقط عنه القيام في قول المالكية والشافعية والحنابلة، وخالف في ذلك الحنفية فقالوا: يصلي قاعداً بالإيماء ولا يلزمه القيام، والراجح والله أعلم هو قول الجمهور، لما تقرر في القواعد الفقهية من أن: (الميسور لا يسقط بالمعسور). فمن قدر على شيء من الواجب، وعجز عن شيء، فإنه يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه. قال ابن قدامة في المغني (1/ 814): (ومن قدر على القيام، وعجز عن الركوع أوالسجود، لم يسقط عنه القيام، ويصلي قائماً، فيومئ بالركوع، ثم يجلس فيومئ بالسجود). ومثله من قدر على الركوع وعجز عن السجود، فقد قال في المغني (1/ 817): (وإن عجز عن السجود وحده ركع، وأومأ بالسجود). وبالجملة: فكل من عجز عن ركن من أركان الصلاة، وقدر على غيره، فإنه يلزمه أن يأتي بما قدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه والله أعلم.

9- فإن عجز عن الصلاة جالساً فإنه يصلي على جنب، والأفضل أن يكون على جنبه الأيمن متوجهاً بوجهه جهة القبلة، وإلا فعلى جنبه الأيسر، فإن عجز عن الصلاة على جنبه صلى على ظهره كما في الكافي لابن قدامة (1/ 315). ويومئ للركوع والسجود برأسه، فإن عجز عن الإيماء برأسه فإنه يومئ بطرفه أي بعينه، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، أما الحنفية فقالوا إنه تسقط عنه الصلاة في هذه الحالة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع فتاواه (23/ 72). والصحيح والله أعلم أنها لا تسقط عنه، وأنه كما ذكر الإمام النووي في المجموع (4/ 317): (ما دام عاقلاً لا يسقط عنه فرض الصلاة، ولو انتهى ما انتهى). وأما كيفية الإيماء بالعين فهي كما ذكر الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (4/ 331) أنه يغمض عينيه عند الركوع يسيراً، ثم إذا قال: سَمِعَ الله لمَن حمده، فتح عينيه، فإذا سجدَ أغمضهما أكثر.

10- فإن عجز عن الإيماء بالطرف وصار غير قادر على شيء من الأفعال فإنه تسقط عنه الأفعال وتبقى الأقوال، فيجرى أفعال الصلاة على قلبه، ويأتي بالأقوال بلسانه، فيكبر ويقرأ كأنه قائم، ثم يكبر وينوي الركوع فيسبح تسبيح الركوع، ثم ينوي القيام قائلا سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يكبر ناوياً السجود ويسبح تسبيح السجود، وهكذا بقية صلاته كما ذكر الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (4/ 332).

11- فإن عجز عن الأقوال أيضاً فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يصلي بالنية: قال الإمام النووي في المجموع (4/ 317): (فإن اعتقل لسانه وجب أن يجري القرآن والأذكار الواجبة على قلبه كما يجب أن يجري الأفعال). وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (4/ 332)، فيمن عجز عن القول والفعل: (تسقط عنه الأقوال والأفعال، وتبقى النية، فينوي أنه في صلاة، وينوي القراءة، وينوي الركوعَ والسجودَ والقيامَ والقعودَ. هذا هو الراجح؛ لأن الصلاةَ أقوالٌ وأفعالٌ بنية، فإذا سقطت أقوالُها وأفعالُها بالعجزِ عنها بقيت النِّيةُ….).

12- ومما يُسأل عنه كثيراً في هذه الأيام حكم الصلاة مع التلثم أو ستر الأنف وما دونه بما يسمونه “الكمامة”، والجواب أنها صحيحة إن شاء الله، ولا حرمة فيها ولا كراهة بالنظر لواقعنا الآن. نعم جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة.) [أخرجه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني]. لكن اتفق الفقهاء على أن النهي محمول على الكراهة فقط، والكراهة تزول عند الحاجة كما هو حالنا الآن.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم

عبد الآخر حماد

6/ 11/ 1441هـ – 27/ 6/ 2020م

776مشاهدة

Author : الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

قم بالتعليق