محمد صلي الله عليه وسلم أطول عمراً.. وأعظم أثراً

img

بقلم: أ. عصمت الصاوي

في ذكري الهجرة النبوية الشريفة

محمد صلي الله عليه وسلم أطول عمراً.. وأعظم أثراً

وتنتهي ثلاث وعشرون عام من الإعجاز، هي عمر دعوته صلي الله عليه وسلم، ويموت النبي ويفارق الدنيا، ولكن لا كما جاءها، ولا كما بدأ دعوته فيها.

فقد تبدل وجهها وتغيرت ملامحها، فهي أرض غير الأرض، وكون غير الكون.

فلقد كان محمد صلي الله عليه وسلم نقطة تحول في عمر الزمان، ومسيرة الأيام، وكان فرقانا في تاريخ بني الإنسان، لا في تاريخ أمة من الأمم، ولا جيل من الأجيال، بل في تاريخ الإنسانية كلها.

فمنذ أن حدد الوجهة التي يتطلع إليها بني الإنسان، ويتلقى عنها تصوراته وقيمة ومفاهيمه، ومنذ أن وجه القلوب إلي الله العظيم، منذ ذلك الحين تحررت الإنسانية من ربق العبودية للأصنام والإنسان وطواغيت الأرض، وتحررت العقول من الجهل والخرافات والترهات والأوهام.

نعم، إنها النقلة العظيمة الهائلة التي أحدثها محمد (صلي الله عليه وسلم) في ضمير الوجود، فبدلت النظر إلي الكون والحياة.

لقد ولد الإنسان من جديد منذ أن تحول خط التاريخ كما لم يتحول من قبل ولن يتحول من بعد، ولد الإنسان من جديد منذ أن قامت التقاليد المحمدية تضرب بجذورها في عمر الزمان، فلا تطمسها الأحداث ولا يغيرها التقادم، ولد الإنسان من جديد منذ أن قام في الضمير الإنساني تصوراً وهدفا للحياة والوجود

نعم، تبدل وجه الأرض فتغيرت العقائد والتصورات والقيم والمفاهيم والموازين والعادات والتقاليد والأخلاق والمشاعر والأنظمة والأوضاع والشرائع والقوانين والأذواق والضمائر.

ورحل محمد (صلي الله عليه وسلم)

رحل النبي بعد الوثبة الهائلة التي غيرت وجه الأرض، رحل بعد ثلاث وعشرين سنة هي العمر الضئيل في تاريخ الدعوات والأمم، ولكنها الأثر العظيم في تاريخ الأرض، وتاريخ بني الإنسان.

رحل النبي وبقيت التعاليم المحمدية تفرض نفسها علي واقع الحياة قرابة الألف عام، ألف عام من الرقي والسمو والتألق، لا علي القمة السامقة التي صنعها وأرساها محمد (صلي الله عليه وسلم) فحسب، ولكن علي مستويات متفاوتة كلها أرفع وأنضج من مستويات المجتمعات الأخرى في أرجاء الأرض آنذاك.

ومع تراجع الإسلام وانحصاره في دياره، فإن هذه الألف عام لم تذهب سدي ولم تتبدد تعاليم النبي من عالم الحياة والوجود، وإنما استعصت تلك التعاليم علي الانحصار وكانت أقوي من التراجع والانهيار فقد كانت أطول عمراً وأعظم أثراً في حياة بني الإنسان.

إذ أن البشرية وحدة متماسكة وجسد حي ينتفع بزاد التجربة ويدخر رصيد المعرفة ولاسيما تلك التجارب والمعارف التي أثرت فيه زمناً طويلاً.

وهذا الرصيد وذلك المخزون تحفظه البشرية، وتصونه في ذاكرتها الواعية حتى لو تخلي أصحابه عنه، ولم يكونوا علي المستوي الأمثل من التمسك به والحفاظ عليه.

وتعاليم النبي صلي الله عليه وسلم وتصوراته قد ظلت في صورتها الكاملة فترة من الزمان هي الأزهى والأنصع في حياة البشرية، ثم استقرت في حياة العالم الإسلامي فترة طويلة أخري، ولكنها في مستويات متفاوتة من المد والجزر.

ثم انتشرت هذه التعاليم في حياة البشرية خلال ألف وأربعمائة عام، ليست مزاولة وعملاً واعتقاداً وتجربة بالطبع، وإنما علي أقل تقدير دراسة ورؤية وتحليلاً وإعجابا ونقلاً.

ومن ثم فإن التعاليم لم تعد غريبة علي بني الإنسان، كما كانت أول مرة وإنما تشعبت في المجتمعات والأمم، ولم تجد مجالا ً ولا جانبا ً إلا وأثرت فيه بدرجة أو بأخرى، الأمر الذي حداً بأصحاب الحركات الإصلاحية الكبرى، أن يستمدوا منه بصورة أو بأخرى مباشرة كانت أو غير مباشرة.

فيقول صاحب كتاب” هذا الدين” بتصرف، إن حركة الإصلاح الديني التي قام بها مارتن لوثر وكالفن في أوروبا، وحركة الإحياء التي تقتات منها أوروبا حتى اليوم، وحركة تحطيم النظام الإقطاعي والانطلاق من حكم الإشراف، وحركة المساواة وإعلان حقوق الإنسان التي تجلت في “ألماجنا كارتا” في إنجلترا، والثورة الفرنسية في فرنسا، وحركة المذهب التجريبي التي قام عليها مجد أوروبا العلمي وانبعثت منها الفتوحات العلمية الهائلة في العصر الحديث، وأمثالها من الحركات الكبرى التي يحسبها الناس أصولا ً في التطور التاريخي كلها قد استمدت من ذلك المد الإسلامي الكبير وتأثرت به تأثيراً عميقاً .

ويقول الدكتور أحمد أمين، صاحب كتاب “ضحي الإسلام” وظهرت نزعات بين النصارى ظهر أثر الإسلام فيها، مثل الحركة التي ظهرت في “سبتمانيا ” في القرن الثامن الميلادي أي في القرنين الثاني والثالث الهجري، وتدعو إلي إنكار الاعتراف أمام القسيس وأن يضرع الإنسان إلي الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم، وفي القرن الثامن والتاسع من الميلاد أي في القرنين الثاني والثالث الهجري أيضا ظهر مذهب نصراني يرفض تقديس الصور والتماثيل، وذكر كثير من المؤرخين أن هذه الدعوات كانت متأثرة بالإسلام.

وأن “كلود يوسي” أسقف تورين الذي ُعين سنة 828 ميلادي أي 113 هجري، والذي كان يحرق الصور والصلبان وينهي عن عبادتها قد ولد وتربي في الأندلس الإسلامية، وكذلك وجدت طائفة من النصارى شرحت عقيدة التثليث بما يقرب من الوحدانية وأنكرت ألوهية المسيح، وفي جامعة الأندلس الإسلامية انبثقت حركة الإحياء الأوروبية في القرن الرابع عشر وما تلاه، وانبثقت كذلك الحركة العلمية الحديثة وبخاصة الطريقة التجريبية.

ويقول “بريفولت” مؤلف كتاب” بناء الإنسانية” ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلي أوروبا الحياة، بل أن مؤثرات أخري كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية، بعثت باكورة أشعتها إلي الحياة الأوروبية، فإنه علي الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوروبي، إلا ويمكن إرجاع أصلها إلي مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة.

ويقول أيضا إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوفات مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين هذا العلم إلي الثقافة العربية بأكثر من هذا، إنه يدين لها بوجوده نفسه.

فالعالم القديم كما رأينا لم يكن للعلم فيه وجود، وهكذا أثرت التعاليم المحمدية في العالم كله وضربت بجذورها في أعماق الإنسانية.

وصدق الله العظيم إذا يقول ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ “

Please follow and like us:

Author : الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

RELATED POSTS

قم بالتعليق