القائمة إغلاق

فيلم صامت!! – قصة قصيرة

فيلم صامت.. يحكي قصة شعب صامد

     كانت آلة التصوير (الكاميرا) تقترب شيئًا فشيئًا نحو جيش ضخم مدجج بأحدث أنواع الأسلحة، وأكثرها فتكًا، وقد أخفى وجهه بالأقنعة، التي تحمل خلفها ما تحمله ….

     جنود أثقلتهم الأسلحة والأقنعة عن الحركة، فهم أقرب إلى السلحفاة، أو المرأة الحامل التي أثقلها الحمل، يتحصنون خلف الجدران والعتاد، يمشون دائمًا بجوار عرباتهم ومدرعاتهم إذا لزم الأمر، ثم يتحصنون بها سريعًا، كالطفل المذعور الذي يسير بجوار أمه فإذا سمع همسًا أو حركة هرع إليها يُمسك بذيلها.

     ـ لا لا، لا تَقُلْ ذلك يا صديقي، لعلك لم تسمعْ ما يقول الإعلام عنه: إنه من أقوى جيوش العالم.. يسمع دبيب النملة العرجاء في الليلة الظلماء فيفجرها بلا حياء.. ألا ترى ما يقوم به.

     وفجأة تتحول (الكاميرا) إلى جانب آخر مدني.. قرى آمنة.. بنايات.. مستشفيات.. مدارس.. أسواق تعجّ بالحركة والرجال والشباب والنساء والأطفال، وأغصان الزيتون هنا وهناك.

     بدأ الجيش يتحرك يقصف ويدمر، يقتل لا يرحم، يدخل من شارع إلى شارع، ومن حارة إلى حارة، يقتل، بل يذبح، لا يخشى من فرد، أو دولة، أو عصبة، أو هيئة، لا يرحم طفلا أو شيخا، لا يترك شابا أو رجلا.

     والمشاهدون من كل أنحاء العالم، يزداد استنكارهم من لحظة لأخرى، على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم وأديانهم، لأنه إنسان ـ لا حجر ـ روح تتنفس، وقلب ينبض. 

     وتحوَّل الجيش من القتل الفردي إلى المذابح الجماعية، والرعب القاني يغشى قريتنا، والجماهير تزداد استياء لحظة بعد لحظة، منهم من طالب بإيقاف الفيلم أو الرحيل من فظاعة المشاهد، وكلما ازدادت المناظر قسوة ازداد حماس الجماهير بين من يريد الانسحاب، ومن يطالب أهل القرية بالدفاع عن أنفسهم مهما كلفهم ذلك.

  صديقي، ألا تشاهد هذه الأسلاك الشائكة والجدر العازلة والصحاري الشاسعة، أليس هذا مستحيلاً!

      نعم، ولكن لا ينبغي أن يستمر الأمر على هذا الحال. أين المجتمع الدولي؟ أين الأمم المتحدة؟ أين ….. وأين ……؟

     لقد ضحكوا ضحكوا، بل قهقهوا بملء فيهم، ألا تعلمون يا أيها السادة: أن هؤلاء الذين تستنجدون بهم. هم الذين أتوا بهذا الجيش إلى هنا. كم ضحكوا من سذاجتنا!! ما أشد غباء الشعوب التي لا تقرأ ولا تتعلم ولا تحاول أن تفهم! ما أحمق الأمم التي تستقي معلوماتها من عدوها!!! فيسوقها إلى حيث يريد.

     وإذا قصف الجيش حيًّا، هجره أهله، فإذا احتشدوا في حافلة كي ينجو إلى حي آخر، لاحقتهم واستهدفتهم صواريخ الجيش الجبار، وهذه سيارات الإسعاف تسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن الجيش الذي لا يرحم، لا يترك المُنقِذ، ولا المُنقَذ، ولا المُسعِف، ولا المُسعَف، فالكل عنده لا يستحق الحياة.

 وما زالت الجماهير تشاهد، هذا يقول: ما لهم إلا الله، وذلك يقول: ولكن لابد أن نفعل شيئًا، وآخر: هم يفعلون أما نحن فلا نملك شيئًا، نحن المشجعون وهم اللاعبون.

     ولا زال المشهد يشتد قساوة، والليل يزداد قتامة.. الأكباد تفجر في أحشائها، الأطفال قطعت أطرافهم، والشظايا أعمت أبصارهم، والصراخ والرعب ذبح أصواتهم، والمتحدث باسم الجيش: نحن نفعل ذلك دفاعا عن أنفسنا!!!!!! والخونة والعملاء: صدقت يا سيدي، والدبلوماسيون والسياسيون يداهنونه ويبحثون عن مخرج حيث لا مخرج.

     والشباب يشعلهم الحماس.. أين هذه القرية؟؟؟ فالفيلم صامت بلا صوت والوجوه مخفاة، وكأني بهم يودون اختراق الشاشة لينقذوا هؤلاء الأطفال، والنساء، والمرضى، والعجائز.

     أخيرا بدأ الشباب يحملون الحجارة يلقونها على جيش جرار.. فماذا تفعل؟ هل تقتل؟ هل تجرح؟ هل تسمن من جوع؟

     ولسان حالهم.. هذا ما نملكه اليوم.. وإن أول الغيث قطرة …

كم من شرارة أشعلت نارًا تتأجج؟ وكم من كلمة أحيت أمة من جَدَثٍ ([1])؟

     هذا حجر يتبع حجرًا، فالطفل يواجه سيارة، والشاب يقاتل دبابة، والأم تربي وتعلم، والجيش القاهر يتقهقر، والأسطورة التي يصنعها سحرة هذا الإعلام، تتهاوى بمرور الأيام، حررنا الشارع من ظالم، وصفعنا المحتل الغاصب، هيا نكمل مشوار كرامتنا، ونحرر كل مدينتنا.

     الجيش المحتل الغاصب: سندمر كل الإنسان، سنمحو آثار العمران، فكيف لعبد يتنفس، أو لحمار أن يتأفف، فالكل عبيد سيادتنا، والشعب حمار نركبه.

     سنحرمهم من كل طعام وشراب وسنمنعهم من قطرة ماء، فليموتوا بلا ماء ولا كهرباء، ولا دواء…

وأذناب النفاق تخرج من جحورها وترجف في المدينة الآمنة: ما كان لنا أن نرفع رؤوسنا في وجه الجبابرة … دعونا نأكل عيشًا بالجبن.

 

    يا إلهي ألهمنا رشدنا.. فليس لنا من حل حتى يتحول شعبنا إلى جيش جرار.. حجارة.. زجاجة.. سكينة.. آلة.. شوكة.. صرخة في وجه الظالم.. دعوة من قلب صادق.. سجدة من جد عابد.

{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ} {الأنفال ٦٠}  

أما اللقطة الأخيرة فقد كانت جد خطيرة،

الله أكبر الله أكبر،

قدَّمنا دماءً أنهارا، واليوم سنصبح أحرارا، أخرجنا الغاصب إخراجًا، ونزعنا النصر بإصرارٍ، وسجدنا لله الغالب.

وحلقت آلات التصوير فوق سماء الأرض المحروقة، والديار المهدمة، والقبور المبعثرة، والأشلاء المتناثرة … لكن الفرحة، غمرت سماء الحرية، ودموع الفرحة، غسلت دماء المرارة والأسى.

وكان المشهد الأخير، صورة الآلاف يتجهون للمساجد يسجدون لله شكرًا.


[1] ـ الجدث: أي القبر، والجمع أجداث وأجدث.

التعليقات

موضوعات ذات صلة