القائمة إغلاق

بين السياسة والأخلاق

بقلم: فضيلة الشيخ علي الديناري

هل السياسة والأخلاق متنافران لايمكن الجمع بينهما؟

هناك مقولة أن السياسة لاتعرف الأخلاق وأن على السياسي أن يجنب الأخلاق جانبا اذا أراد أن ينجح واذا أصر على مراعاة الأخلاق فسيفشل حتما

ما مدى صحة هذه المقولة؟

أولا: ما سبب نشوء هذه الفكرة؟

ـ قول ميكافيلي: قال افلاطون أن الهدف من السياسة هو تحقيق وتكريس الفضيلة في المجتمع أي دعم فواعد المجتمع العادل

بينما قال ميكافيلي: هدف السياسة هو الوصول الى السلطة والحفاظ عليها وبكل الوسائل الممكنة

فالغاية عند ميكافيلي تبرر الوسيلة

ـ الممارسات السياسية الفاسدة التي تسير على نهج ميكافيلي وسيادة هذا الفساد والمكر والغدر والخداع صنع قناعة أن هذه هي السياسة وهذا هو نهجها فكل من يدخل هذا المضمار يستن بما فيه من أعراف وأساليب

ـ خلو الساحة السياسية العالمية من الممارسات الاسلامية في هذا الزمان وبالتالي سادت الأعراف الفاسدة فكوَّن الناس فكرتهم عن السياسة من خلال نظرهم الى واقع الحياة السياسية وممارستها الفاسدة فاعتبروا هذا هو الأصل وهذه نقطة مهمة تجعل على عاتق المصلحين أن يتداركوا هذا الأمر ليؤسسوا لحياة سياسية نظيفة وممارسات منضبطة بالقيم والأخلاق وليس العكس الذوبان فيما هو سائد وعدم التميز عنه

ـ عدم فهم موضوع السياسة وهدفها والاقتصار على أن السياسة هي المراوغة دائما وفقط

ـ عدم فهم الأخلاق والاقتصار على أنها هي اللين دائما والانسحاب والتنازل وهذا ليس من الحكمة فالحكمة تحديد المقام ثم تحديد الخلق المناسب له

وعند الناس ان السياسة صراع ومعترك فالرجل الطيب لاينجحع في خوض هذا المعترك . وهذا صحيح من جهة ما لكن من هو الرجل الطيب صاحب الخلق؟ هل هو فقط الرجل المستكين دائما الذي لايستطيع أن يعطي لكل مقام حقه ؟

نحن رأينا أبا بكر رضي الله عنه هينا لينا بكاء رقيقا لكنه في مواجهة الارتداد وخلخلة الأمة كان قويا رادعا .

ورأينا الفاروق القوي في الحق الذي يرهبه الشيطان عندما تولى الحكم رأيناه مثالا للرحمة واللين لرعيته

هذا يعني أنه صحيح أن الرجل المستكين دائما المنسحب المتنازل لاينفع في السياسة فالسياسة تحتاج الى صاحب خلق عظيم قادر على اعطاء كل مقام حقه قادر على أمرين بصيرة تبصره بالمقام الذي يمر به ماهو؟ ثم قدرة على التصرف بما يناسب هذا المقام وهذا هو الخلق وهذه هي الحكمة وهذا هو التوازن المطلوب في الشخصية التي تعمل في العمل العام

إذا ليس صحيحا أن صاحب الخلق لاينجح في العمل السياسي إنما الصحيح أن الرجل المنكسر المهزوم الضعيف المنسحب لاينجح حتى وإن بدا لنا أن على خلق

الخلاصة أن الناس تطلق صفة الخلق على كل مسالم لايجيد ادراك حقه ولا الوصول اليه وهذا فهم ناقص للخلق أدى الى إطلاق القول ان صاحب الخلق لاينجح في العمل السياسي

ـ الفرق بين المسلمين وغيرهم في الغاية من الأخلاق فغير المسلمين الأخلاق غايتها المنفعة الدنيوية والوصول اليها بأي وسيلة بينما المسلمين غايتهم رضا الله تعالى

ـ البعض يتذرع بطبيعة عمل السياسي فهدفه تحصيل أعلى المصالح وتقليل المفاسد وبالتالي يحتاج الى كل الوسائل التي تبلغه هدفه ولذلك رأينا في التاريخ ارتكاب المفاسد والمذابح من أجل الوصول الى السلطة والتحايل على الشرع من أجل الحفاظ عليها بل ووقع كثير من ذلك ممن لايتوقع منهم من أهل الحق

وهذا صحيح لكن لاتجد مجالا للعمل ليس فيه فتنة وامتحان وإن كانت فتنة العمل السياسي بطبيعته أشد إلا أننا كما رأينا من فتن به وفسد وأفسد بعد عمله فيه فهناك أيضا من صلح وأصلح

لذا فالعمل السياسي يحتاج الى تقوى الله والى الانسان القوي لاالضعيف امام الشهوات والمغريات

ثانيا : حقيقة الأمر

أن الاسلام يوجب علينا ممارسة السياسة مع الانضباط بالقيم الاسلامية والأخلاق

ـ دعوة الاسلام الى العدل حتى مع الأعداء ( ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلو هو أقرب للتقوى) ( ولايجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدو)

ـ دعوة الاسلام الى الوفاء بالعهد ولم يستثن ( أوفوا بالعقود ) (وأوفوا بالعهد)

ـ ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ اليهم على سواء) أي على سواء بالعلم بينكما أنه لاعهد بيننا

ـ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به )

فكما قيل ان لسيوف المسلمين أخلاقا وهذا أمر مشهور فكذلك ان لسياسة المسلمين أخلاقا

من السنة

ـ اشتهر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق والأمانة قبل إمامته وسياسته

ـ سأل هرقل أبا سفيان – وهو عدو لرسول الله حينئذ -: “أيغدر محمد؟ فقال: لا، فقال هرقل: وكذلك الرسل لا تغدر”.

ـ وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (ما منعني أن أشهدَ بدراً إلا أني خرجتُ أنا وأبي حُسَيْل، فأخذنا كفارُ قريشٍ، قالوا : إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا: ما نريدُه، ما نريدُ إلا المدينة، فأخذوا منا عهدَ الله وميثاقَه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نُقاتل معه، فأتينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا، نَفِي بعهدِهم، ونستعينُ اللهَ عليهم) رواه مسلم(.

كان لهذا الوفاء بالعهد دور كبير في سياسته ونجاح معاهداته

ـ موقف ثمامة بن أثال والعبر منه

عن أبي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ :

بَعَثَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ :

” مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟” .

فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ ! إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ .

فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ :

” لَهُ مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ” .

قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ !

فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ:

” مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ ” .

فَقَالَك عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ !

فَقَالَ : ” أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ” ..

فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ! يَا مُحَمَّدُ ! وَاللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى الأرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، فَمَاذَا تَرَى ؟

فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ : صَبَوْتَ ؟ ! قَالَ : لا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلا، وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – [ البخاري : 402)

الدروس المستفادة سياسيا وأخلاقيا

ـ في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه قال : أتدرون من أسرتم ؟ إنه سيد بني حنيفة فكان عليه الصلاة والسلام على دراية بأسياد القبائل وكبار الناس ووجهائهم

ـ وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى صحابته بثمامة وقال: أحسنوا أساره . وحين ذهب الى بيته أمرهم أن يرسلوا طعاما الى ثمامة وفي هذا إحسان وإكرام للأسير وخصوصا اذا كان من الوجهاء وهذا الاحسان أثر في قلب ثمامة وغير من رأيه في الاسلام واسلم

ـ (ماعندك ياثمامة ) سماع النبي ماعند ثمامة والبناء عليه تواضع النبي صلى الله عليه وسلم

ـ عدم قبول النبي للمال وعدم قتل ثمامة دليل على أنه ينظر الى ماهو أعلى من المنفعة المادية وهو اسلام ثمامة وهذا مكسب للرسالة وهو مكسب سياسي أيضا فكسب الرجال أنفع من كسب المواقف وهذا ماظهر فيما بعد من مقاطعة ثمامة لقريش اقتصاديا بقوله : وَلا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –

فالإضافة التي أضافها ثمامة أنفع للمسلمين من قتله ومن ماله وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياسته

ولابد أن ننبه هنا الى أن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف دليل على حكمته وحسن اختيارة للقيم المناسبة للموقف المناسب والشخص المناسب فقد تصرف صلى الله عليه وسلم بعكس ذلك في مواقف مشابهة ولكن بينها فروق فاختلفت السياسة

ـ اشتهار قيم الاسلام هي السر في اسلام الناس باطمئنان

ـ الالتزام بالقيم الاسلامية ضمان نصرة الله ومخالفتها تجلب الخذلان

الفرق بين أبي سفيان وأبي جهل وأبي لهب

أن أبا سفيان عادى الاسلام لكنه لم يسيء الى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم فاحتفظ برصيد له أفاد قريشا فيما بعد فأبو سفيان هو الذي أنقذ قريش من المجاعة بتوجهه الى المدينة واستغاثته بالرسول ليعيد ثمامة القمح الى قريش

كان ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ الحنفيُّ رضِيَ اللهُ عنه زَعيمَ اليَمامةِ، وهي مَدينةٌ باليَمنِ، وكان أهلُ مكَّةَ يَعتمِدون عليها في طَعامِهم، ولَمَّا أسْلَمَ ثُمَامَةُ رضِيَ اللهُ عنه منَعَ الطعامَ عَن أهلِ مكَّةَ إلَّا بإِذْنٍ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عنهما: “جاء أبو سُفيانَ بنُ حَرْبٍ” وهو سيِّدُ قُريشٍ، “إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: يا محمَّدُ، أَنْشُدُكَ اللهَ والرَّحِمَ”، أي: أسْتَحْلِفُك باللهِ تعالى وبما لنا عندَك مِن قَرابةٍ وصلةٍ أنْ تَرفَعَ عنَّا العُقوبةَ -وهي منْعُ ثُمامَةَ رضِيَ اللهُ عنه الطَّعامَ عنهم- وتَسمَحَ لنا بالـمِيرَةِ والطعامِ، “فقد أكَلْنَا العِلْهِزَ”، يعني: الوَبَرَ والدَّمَ، كِنايةً عن شِدَّةِ الجوعِ الذي نزَلَ بهم

ـ أن السر الأكبر الذي حسم كثيرا من الصراعات مع المسلمين هو سبق سيرتهم وأخلاقهم الحسنة وقيمهم العظيمة خصوصا العدل

ـ ان أي قوى سياسية تمارس السياسة بنفس الأخلاقيات التي يمارس بها غيرهم من أساليب خسيسة لاتنال بالتأكيد أي احترام وبالتالي لاتنجح فالمنتظر منها أن تعبر عن أخلاق الاسلام

ـ ان المسلم عبد لله في كل أحواله ولاتقتصر عبوديته لله على حال دون حال وبالتالي فهو مقيد ومنضبط بأحكام الشريعة في سلمه وحربه وكل أحواله

غير أنه من المهم أن لايفهم من ذلك أن المسلم سيقف عاجزا عن المضي في طريقه بسبب أخلاقه وأن عليه أن يمرر كل شيء ويعفو ويصفح دائما ويتنازل باستمرار وهكذا وأنما لكل مقام مقال ولكل مقال مقام والحكمة هلى وضع الشي في مقامه

بقي أن نشير الى أن من مصلحة المفسدين دائما الترويج لمقولة ان السياسة نجاسة يجب ان يبتعد عنها الأطهار وذلك لابعاد الأحرار والمصلحين عن مجال السياسة ليظل هذا الميدان خاليا للفساد وأهله

Please follow and like us:

موضوعات ذات صلة