الشيخ كرم زهدي والتربية.. تابع ذكريات 1981 ـ 1984

img

بقلم: فضيلة الشيخ علي الديناري

يبدو أننا لم نكن خارج السجن نرى جانبا آخر من شخصية الشيخ كرم فكشفها لنا القرب منه أو لعل احساسه بمسؤوليته عن اخوانه الذين سجنوا ولد هذه الرقة والعطف والتأثر الشديد لإصابة أي أحد بمكروه بينما كنا نعرف عن الشيخ كرم زهدي خارج السجن شجاعته وإقدامه وعزة نفسه ودعوته للعزة والإباء والكرامة والقوة والتوكل على الله وصدعه بكلمة الحق وغضبه لله وانتصاره له ولعل هذه الصفات هي التي عانقت شخصيته  بشخصية الدكتور عمر عبد الرحمن فقد كان كذلك يحب الشخصيات الشجاعة القوية الفعالة ويحب أن تكون التربية الاسلامية في إطار القوة والهمة العالية لا في إطار الضعف والخمول.

هذا الجانب من الصفات والخطاب مثل صفحة أو جانبا أو شقا مهما من جوانب التربية في الجماعة الاسلامية خصوصا وهناك عدد من الأخوة الكبار يتصف بها أما الجانب الآخر المكمل فهو جانب الحب والقرب وقد مثل هذا الجانب والتربية عليه شخصيتان مهمتان هما عصام دربالة ود ناجح إبراهيم.

لقد ظهرت شخصيتهما بوضوح في تلك الأيام التي بلورت فيه الجماعة الاسلامية نهجها العملي في التربية عمليا بالمعايشة كما بلورت تماما فكرها النظري في الأبحاث لذا كانوا يدققون في تصرفاتهم باعتبارها تؤسس للمستقبل.

شخصية عصام دربالة في ليمان طرة

كان أول عمل قام به عصام دربالة هو جمع شباب الجماعة الاسلامية لتحصينهم من العقائد والأفكار الأخرى التي سبق وقلنا إنها كانت تنتشر في السجن وتتفاعل وتعقد لها المناظرات بين المشاهير.

لم يتنقل هو بين الزنازين في صخب النهار بل جمع دربالة الشباب في زنزانته على مجموعات بالليل حيث كان يقضي الليل كله يشرح من ذاكرته الرد على التكفير والشبهات المثارة حول الجماعة وعملها وقضية العذر بالجهل.

اشتهر الشيخ عصام بهدوئه الشديد واهتمامه بالتربية على النطاق الضيق ولم يكن خطيبا لكنه متحدث حديثا منظما مُحضَّرا بعناية.

والذين عايشوه في زنزانته يرون حبه لتنظيم وقته وعمله بما يسمح له بالقيام بمسؤولياته وأعماله الكثيرة فهو الذي ينشئ له ولمن معه عملا دائما ينشغل به في كل ظرف فلا يرى دربالة فارغا قط.

واشتهر دربالة باهتمامه بكل شخص اهتماما شاملا فهو يحصر اخوانه في المكان على سبيل الحصر ويجلس مع كل واحد منهم على انفراد ويسأله عن كل أحواله واهتماماته وماذا يقرأ وعن مشكلاته وأسرته واتصاله بها ويعرض مساعدته سائلا هل يمكننا مساعدتك بأي طريقة تراها؟ وله أسلوب مميز في انتقاء كلماته ليعبر عما يريد وبوسعه أن يبلغ محدثه أي معنى ولكن بأسلوب مهذب .

ينتهي اللقاء مع الشيخ عصام بخطة يساعد فيها الشاب على وضعها معه بنفسه بوضوح دوره واهتماماته وماذا سيفعل تجاه كل شيء وبالتالي يبدأ الانطلاق المدفوع بالحب والوضوح المدفوع بالهمة والطاقة التي أمدها الشيخ لتلميذه لأجل ذلك نال دربالة حب جميع تلاميذه لدرجة الاستعداد للتسليم لتوجيهاته التربوية وأذكر أننا سمعنا مقدمة النشرة الاخبارية فاهتممنا وأنصت الجميع كمعتقلين نهتم بالأخبار لعل فيها ما يخصنا وإذا به يغلق المذياع ثم يقول: لو كنا ننصت هذا الانصات للقرآن لتغير حالنا. فعجبت له كيف تجرأ على هذا آمنا من ردود الفعل؟ وكيف سكت الجميع ولم ينطق أحد بل تأثر فعلا بالمعنى؟ ثم أدركت أنه سلطان الشيخ المحبوب المهاب الذي لا يقدر على هذا غيره.

أما شخصية د. ناجح ابراهيم

فقد كان أول عمل عرف به الدكتور ناجح إبراهيم في سجن الاستقبال هو أن فوجئ المعتقلون به يمارس الدعوة الى الله في السجن فيقوم بتحفيظ حديث نبوي كل ليلة ثم يشرحه ثم يعقد مسابقة بسيطة يقدم بها جوائز رمزية للغاية.

كانت قيمة هذا العمل في جرأته أولا في هذا الجو المرعب الذي كانوا يعيشونه في تلك الأيام في المعتقل. وقد أصر على القاء هذا الحديث رغم ما تعرض له بسببه فكان هذا الاصرار رسالة عملية قوية لإخوانه رفعت من روحهم المعنوية كثيراكما أنه نال حب الجميع من الجماعة وغيرها.

بعد انتقاله إلى ليمان طرة كان أشهر القيادات بالرفق والرحمة والحلم والعطاء وسعة الصدر مع الجميع حتى الجنائيين والعساكر

كان والدا من قبل أن يتزوج

كانت كنيته “ابو الفضل” وهي عنوان شخصيته وهو أول من أرسى ـ بقدوته ـ مبدأ “الأمير أول من يعطي وآخر من يأخذ وأول من يستيقظ وآخر من ينام” كان عمله بهذا المبدأ قويا ظاهراً لذا كان كثيرا ما يترك طعامه ولا يكمله انشغالا بحاجة أخ .

وأذكر أنني تأخرت يوما في الخروج لجلسة المحاكمة فرأيته بعد أن تمم على خروج جميع الاخوة يبحث عن حذاء أو شبشب يلبسه وتوقع أن يكون أحدا قد احتاج حذاءه فأخذه كالمعتاد برضاء منه.

بعد أن رجعت من زيارة أهلي مرة انفرد بي وسألني عن أسرتي ولم يكن السؤال عابرا رغم كثرة انشغالاته ويعتبر هو أول من سن هذه السنة وجعلها عملا ومهمة من مهام الأمير لا يدخل زنزانته قبل أن يؤديها ويسأل كل زائر اليوم عن أهله لعله يحتاج الى مساعدة نفسية أو مادية وصار هذا متبعا في الجماعة حتى اليوم.

ود. ناجح هو الذي استطاع ابتكار نظام حياتنا في السجون بعد فترة من الحيرة بيننا كأول مرة تعرفنا السجون جميعا ألا نادرا منا وفي طريقه لإرساء هذا النظام اتضح جانب كبير من شخصيته.

ذهبت اليه غاضبا ليستثنيني من النظام الذي وضعه ولكن بعد حديث طويل قمت ولم أحصل على ما أريد لكني راض! ولعله صاغ هذا النهج بكلمته المشهور ة الحق مر فلا تزده مرارة بأسلوبك.

لقد تكامل ناجح ابراهيم مع عصام دربالة وغيرهما من القيادات في تأسيس الحب الشخصي النابع من الود والقرب والاهتمام الخاص والتقدير والتفاعل كأساس للتربية.

كما تكامل هذا الحب والقرب مع الشجاعة والعزة والقوة والصمود الناتج عن الصدق والعزيمة القوية وأخلاق المجاهدين التي ظهرت واضحة مؤثرة في قيادات أخرى في وضع إطار عام للتربية وتجهيز النهر الذي تتدفق فيه الحياة والروح بين أبناء الجماعة عامة وبين الاخوة الكبار كما كنا نسميهم.

رحم الله من مضى رحمة واسعة وجزاهم عنا وعن الاسلام والمسلمين خيرا وبارك لنا فيمن بقي وأحسن إليهم..

Please follow and like us:

Author : إدارة الموقع

إدارة الموقع

RELATED POSTS

قم بالتعليق