الإرهاب… وسيد قطب… ومعالم في الطريق

img

بقلم: فضيلة الشيخ عبد الله المصري

الإرهاب اصطلاحٌ اخترعه الغرب ليضع تحته كل مكونات الصحوة الإسلامية من أشخاصٍ وأفكارٍ وحركات..

لذا كان الاصطلاح مبهماً غير محدد المعالم ليُدخلوا تحته ما شاءوا متى شاءوا، ويخيفوا به كل من يفكر في حمل الفكرة الإسلامية كمنطلق للتحرر من سيطرتهم أو الدفاع عن أوطانه أو حماية مصالح أمته ضد احتلالهم ومصالحهم.

ومن أبرز من أثاروا ضجيجهم حوله وحول كتاباته وأعلنوا عليه الحرب الأستاذ الكبير المبدع سيد قطب!

وأنا هنا لست بقاضٍ لأحكم على سيد قطب الإنسان وأعماله وتصرفاته إذ أنها ليست في مقدوري، ولا أملك أدواتها وإنما أتحدث عما ظهر لي من تعاملهم مع شخصه وكتاباته لتعلم حقيقة ما يثيرونه من ضجيج حول كتبه الإسلامية الأولى “التصوير الفني في القرآن” – “معركة الإسلام والرأسمالية” – “العدالة الاجتماعية في الإسلام” – “مشاهد القيامة في القرآن” ـ “خصائص التصور الإسلامي”… وغيرها في الأربعينات وهى كتب جعلته ملء السمع والبصر.. فلما كان انقلاب يوليو كان من أول مادحيه واتخذه الضباط الشبان منظرا فكريا لحركتهم ولهيئة التحرير التي أنشأوها ظهيراً شعبيا لهم وعينوه سكرتيراً لها واحتفوا به واحتفلوا به رغم مشاكلهم مع الإخوان ويكفى أنه كان المدني الوحيد الذى يحضر اجتماعات مجلس قيادة الثورة في كثير من أوقاته كما يروى صديقه “أحمد عبد الغفور” ثم قبضوا عليه وحكموا عليه بالأشغال الشاقة 15 سنة وكانت تهمته إصدار منشورات تهاجم اتفاقية الجلاء التي أبرمها عبد الناصر مع الإنجليز إذ لم يكن له علاقة بمحاولة اغتيال عبد الناصر ولا علم له بها.

أفرج عنه بوساطة من الرئيس العراقي عبد السلام عارف عام 1964.. ولما قبض عليه عام 1965 وحكم عليه بالإعدام حاول الملك فيصل التوسط لدى عبد الناصر ليخفف عنه الحكم وكذا قيل إن بومدين حاول ذلك ولكن عبد الناصر لم يستجب وهاجمت كثير من وسائل الإعلام في العالم الإسلامي عبد الناصر خاصة صحف الخليج… إذ سيد قطب لم يكن في نظر كل هؤلاء في ذلك الوقت إرهابيا ولا متطرفا ولا محرضا على العنف ولقد قال الزعيم المغربي علال الفاسي لما علم بنكسة يونيو “ما كان الله لينصر حربا على رأسها قاتل سيد قطب” نقلها محمد عبد الرحمن صادق أما كتاباته -رحمه الله- فلم يمنعها نظام عبد الناصر في قضيته الأولى ولم يرَ فيها تحريضا على الإرهاب.. إذ يكفى أن الحاج وهبه صاحب المكتبة الشهير رفع قضية على الأستاذ سيد في سجنه ليتم تنفيذ التعاقد على استكمال كتابه “في ظلال القرآن” الذى كان قد كتب منه قبل السجن ثلاثة وعشرين جزءا فحكمت له المحكمة باستكمال الظلال في السجن فكان يكتب ملزمة فتعرض على أجهزة الأمن ثم على الأزهر ثم يتم طبعها.. بل إنه كتب في سجنه كتبا أخرى مثل “هذا الدين”، و”الإسلام ومشكلات الحضارة” وطبعت بنفس الطريقة.

وعليه فكتب سيد قطب لم تكن إرهابا ولا تحرض على العنف في مصر حتى قضية 1965 حيث منعت وطوردت طباعتها ونشرها في مصر ومنعت من التداول ودبرت لها محارق بعد جمعها من المدارس والمكتبات العامة، ولكن في أكثر العالم الإسلامي لم تكن كذلك وقد طبعت في أماكن عدة وكانت هيئة الدعوة والإرشاد السعودية توزعها مجانا على الحجاج ومنها كتابه الشهير “معالم في الطريق” حتى عهد قريب – حصلت على بعضها في رحلتي الأولى للحج.

بقى الحديث عن كتابه “معالم في الطريق” الذى شيطنوه وجعلوه مصدر كل عنف وإرهاب في العالم الإسلامي… بداية لم يكن هناك فكرة اسمها كتاب المعالم عند الأستاذ سيد وإنما مجموعة أفكار قام بجمعها.. بعضها فصول من كتابه “في ظلال القرآن” مثل فصل “هذا هو الطريق” من تفسير سورة البروج.. وفصل “استعلاء الإيمان” من تفسير آل عمران.. وفصل “لا إله إلا الله منهج حياة” من مقدمة تفسير سورة الأنعام” ثم أضاف فصولا أخرى أخرجها جميعا على هيئة ملازم بالطريقة السابقة ليتم استخدامها في تثقيف المجموعات الشبابية التي بدأ الشيخ عبد الفتاح إسماعيل في تكوينها ثم جمعوا تلك الملازم في كتاب واحد تحت مسمى “معالم في الطريق” وطبعوه عام 1964 بمعنى أنها فصول متناثرة لا يجمعها جامع وطبع كسابقيه بموافقة كل من الأزهر ووزارة الداخلية ومن الطريف أن أحد إخواننا في السبعينات أراد طبع الكتاب في زمن حظره فأخذه فصلا فصلا بعنوانه المعروف واستحضر عليه التصريح بالطبع حتى أتمه ونزل به السوق كاملا باسم جديد ولم ير فيه الأزهر ولا الداخلية شيئا مريبا.

أما الحديث عن تكفير المجتمع والحض على العنف والدعوة للكراهية فهي محض خزعبلات لا وجود لها في الكتاب وإنما هي تصيد لكلمة من هنا وسطر من هناك وتحميلها ما لا تحتمل من المعاني.

لست أنفي وجود أخطاء في كتابات الأستاذ سيد هنا أو هناك فهو بشر ولا عصمة له ولا لكتبه ولكنها ليست بالتأكيد تكفيرا ولا تحريضا على العنف ولا إرهابا (ولكن رأي أي عالم في قضية ما يجب أن يؤخذ من كل أقواله في القضية وتفهم في ضوء بعضها وفي سياقها لا أن نطير بسطر هنا أو عبارة هناك).

بقيت كلمة لا يفوتني أن أختم بها وهى أن أكثر (وليس كل) من يتصدرون وسائل الإعلام باعتبارهم خبراء في شئون الحركات الإسلامية لا يكتبون حين يكتبون للإسلام والمسلمين رفعا لوعيهم وتثقيفا لهم وإنما هم يكتبون وعيونهم على الذين صنعوهم ومولوهم وصدروهم في وسائل إعلامهم لكى يحافظوا على مكاسبهم ومكانتهم فلا تستسلموا لمقولاتهم وابحثوا خلفهم فأكثر ما يقولون يحتاج لإعادة بحث.

Please follow and like us:

Author : الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

RELATED POSTS

قم بالتعليق