القائمة إغلاق

الأفغان وهوس الهجرة إلى الغرب – بقلم: د. عبد الآخر حماد

بقلم: د. عبد الآخر حماد الغنيمي

فضيلة الشيخ عبد الآخر حماد

لا أصدق أن هذه الجموع الغفيرة من الأفغان التي شاهدناها عبر الفضائيات، وهي تُهرع إلى مطار كابول محاولةً الخروج من أفغانستان، حتى إن بعضهم تعلَّق بعجلات طائرة أمريكية عند إقلاعها.. لا أصدق أن تلك الجموع كلَّها كانت تريد الخروج فِراراً من حكم الطالبان، كما زعمت بعض الفضائيات العربية. فإنَّ طالب/ان إبَّان حكمها الأول (1996-2001) لم تكن تعامل مواطنيها بتلك الشناعة والبشاعة التي ألصقها بها الإعلام المضلِّل. كما أنهم الآن وبعد أن دخلوا العاصمة قد حرصوا على بث روح الطمأنينة بين الجميع. وطبقاً لما نشره موقع “سكاي نيوز العربية ” بتاريخ الثلاثاء 17/ 8 / 2021م فإن المتحدث باسمهم قد أعلن في مؤتمر صحفي أمام الملايين أنهم عفَوْا عن جميع من قاتلوهم طيلة الأعوام العشرين الماضية، وخص بالذكر (المواطنين الذين عملوا مع الحكومة الأميركية، مثل المترجمين وغيرهم).

والحق أن محاولة الناس انتهاز أي فرصة للسفر خارج البلاد، هو أمر متوقع بالنسبة لأهل بلدٍ أنهكته الحروب المتتابعة، ويسود فيه الفقر والجهل والمرض. وللأسف فإنَّ عامة الناس في كثير من بلاد المسلمين لا ينظرون إلا إلى النواحي المادية، والكل يتمنى لو واتته فرصة السفر لبلاد ينعم فيها بعيش أحسن وأرغد مما هو فيه.

ومن أجل ذلك لم أندهش كثيراً لتلك المشاهد الساذجة التي شاهدناها على الشاشات لأناسٍ لا يملكون جوازات سفر، ولا تأشيرات، ولا تذاكر سفر، ومع ذلك توجهوا للمطار قاصدين الخروج من البلاد. حتى إننا رأينا امرأة أفغانية تحمل طفلها متوجهة إلى مراسل قناة الجزيرة –وقد حِسبَتْه مسؤولاً بالمطار- بورقةٍ كتبت عليها اسمها وبعض بياناتها بلغة إنجليزية ركيكة –كما قال ذلك المراسل– طالبةً منه مساعدتها في الدخول إلى المطار، وذلك ظناً منها أن تلك الورقة ستتيح لها السفر خارج البلاد.

وهذا للأسف يحدث بصورة أو بأخرى في كثير من بلاد العرب والمسلمين التي يسود فيها الفقر والقهر، حتى إنه ليدفع بكثيرٍ من شبابنا إلى المخاطرة بالسفر عبر ما يسمونه بمراكب الموت، أو الهجرة غير الشرعية إلى الجانب الآخر من البحر المتوسط.

ولقد عايشت بنفسي نماذج عدة لشباب خرجوا من بلاد العرب والمسلمين بطرق قانونية أو غير قانونية متوجهين نحو بلاد الغرب، التي يظنونها جنة الدنيا. وذلك حين سافرتُ إلى ألمانيا طالباً اللجوء السياسي في مطلع عام 2000م. فقد احتجزونا في مطار فرانكفورت لمدة شهرين، قبل أن يسمحوا لنا بشِقِّ الأنفس بالدخول إلى الأراضي الألمانية. وكان معنا أثناء احتجازنا عدد كبير من طالبي اللجوء السياسي، وأكثرهم من بلاد المغرب العربي. وحين جالستهم لم أجد أحداً منهم لديه مشكلة سياسية حقيقية في بلاده. بل أخبرني شاب مصري كان يعمل في مكان احتجاز اللاجئين السياسيين أنه قد مضى عليه في هذا العمل أكثر من سنتين، وفي كل يوم كان يَرِد عليه العشرات من طالبي اللجوء، لكنه لم تمر عليه حالة لجوء سياسي حقيقية إلا حالتي أنا وحالة أخ آخر كان معي. وكان موضوعنا قد أثير وقتها في كثير من أجهزة الإعلام، وتحدثت عنه عدة صحف وإذاعات عربية وغربية.

وأما أولئك المهاجرون الذين لقيناهم فقد كان كل هدفهم كما ذكرنا هو العيش في بلاد الغرب، بما يمثله ذلك لهم من تحقيق الرفاهية والمستوى المادي المرتفع.

ومن أجل ذلك كانوا في أثناء التحقيق معهم يتفننون في نسج قصصٍ لا حقيقةَ لها عن ظلم واضطهادٍ سياسيٍ وقع عليهم في بلادهم، بغية إقناع المحققين بأحقيتهم في اللجوء السياسي. وربما جاء بعضُ من لا يحسن تلفيق القصص والحكايات، فيتطوع بعض مَن سبقوه بمساعدته في ذلك.

وأذكر أنه في مرة جاء شاب لبناني طالباً للجوء السياسي، ولمَّا لم يكن لديه مشكلة في بلده، ولا يعرف ما يقول، فقد تطوع له شاب مغربي فجلس معه وأفهمه ما يقول. ثم خرج علينا وهو يقول بلهجته المغربية: (دِرت له حكاية) أي ألَّفتُ له قصةً يقولها للمحقق.. وأظنه قد اخترع له حكاية تتعلق بأنه مطارد من قبل حزب الله الشيعي.

ومن طريف ما وقع من تلك الحكايات ما رواه لي صديق سوري من أنه عند التحقيق معه أخذ يؤلف للمحقق قصصاً عن اضطهاد نظام حافظ الأسد وتعذيبه له. ولما طلب منه المحقق أن يأتي بأي دليل مادي يثبت وقوع تعذيبٍ عليه، فإنه تذكر أنه كان منضماً للطريقة الرفاعية التي من ضمن طقوسها أنهم يضربون أجسادهم بالسيوف أو أسياخ الحديد، وتذكر أنه لا يزال في جسده أثر من ذلك، فلما أراه للمحقق صدَّقه فيما يقول، وكان ذلك سبباً في حصوله على اللجوء. وأطرف منه أنه كانت معنا في مكان احتجاز اللاجئين امرأة سودانية. وقد ادَّعت في التحقيق أنها كانت مسلمةً، ولكنها تنصرت. ومن أجل ذلك فهي مطاردة في بلادها من أهلها، وأيضا من حكومة بلادها -حكومة البشير وقتها-. والعجيب أنها كانت مع ذلك تحرص على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها. وكانت إذا أرادت أن تصلي طلبت من النسوة اللاتي كُنَّ يسكنَّ معها في الغرفة مراقبة الباب، حتى إذا جاء مسؤول يخبرنها بسرعة فتقطع صلاتها خوفاً من انكشاف أمرها.

نسأل الله تعالى أن يمن على سائر بلاد المسلمين بالأمن والأمان، والبركة في الرزق، وألا يحوجهم إلى أحد غيره، وأن يُظلنا بظل شريعته الغراء التي لا نجاح ولا فلاح إلا في التمسك بها.

عبد الآخر حماد

عضو رابطة علماء المسلمين

موضوعات ذات صلة