هذه الجنازة المهيبة التي رأيناها بالأمس ،وتلك الجموع الحاشدة التي اجتمعت من كل محافظات مصر في وداع أخينا وأستاذنا الشيخ صلاح هاشم ، هما من أدل دليل على أن بوصلة هذه الأمة –برغم كل أدوائنا- لا تزال بحمد الله موجَّهةً نحو أهل الدين ،عارفةً لهم فضلهم ،حامدةً لهم صنيعهم .
فإن أخانا المهندس صلاح هاشم –رحمة الله عليه- لم يكن يوماً من ذوي الجاه والسلطان ، ولا هو من أهل الغنى والثراء ،بل إنه لم يكن حتى من الدعاة المشهورين ولا الخطباء المفوهين . ولكنه استولى على القلوب بسمو أخلاقه ،وحسن أدبه ،وسمته الإسلامي الأصيل .
وبرغم أنه كان من أوائل العاملين لدين الله في الصعيد ،وأنه كان واحداً من مؤسسي الجماعة الدينية ،ثم الجماعة الإسلامية بجامعة أسيوط ،إلا أنه لم يسعَ يوماً إلى شهرة ،ولا تطلع إلى قيادة .ولقد كان رحمه الله مثال المربي الفاضل والداعية إلى الله بفعله قبل قوله ، وكان دائماً من الساعين في الإصلاح بين الناس ، والعاملين في قضاء حوائجهم ، ولقد قضى حياته الوظيفية مهندساً بكهرباء سوهاج ، فكان من خلال عمله هذا ساعياً في خدمة الناس ، وتذليل ما يقابلهم من عقبات ومشكلات . أذكر أني ركبت معه ذات مرةٍ قطاراً ،فإذا بالمحصل( الكمساري) يأتي إليه ويسلم عليه بشدة ، فلما سألته هل هو صديقك ؟ قال لا ، ولكن أظن أني ساعدته مرةً في تخليص معاملة له في الكهرباء .
عرفتُ الشيخ صلاح رحمه الله في غضون عام 1979م ، في بعض الملتقيات التي كانت تقيمها الجماعة الإسلامية بأسيوط ،فأسرني بأدبه الجم وتواضعه الكبير ،وحسن إدارته للأمور . ولما وقع اغتيال الرئيس السادات وما تلاه من أحداث في سنة 1981م ،كان الشيخ صلاح هاشم خارج مصر يعمل بالمملكة العربية السعودية ، ومع ذلك زُجَّ به معنا فيما سمي بقضية الانتماء لتنظيم الجهاد ، وحوكم غيابياً .ولما انتهت القضية ومنَّ الله علينا بالخروج رجع رحمه الله مواصلاً سعيه وجهاده وعمله لدين الله تعالى ،فناله ما نال إخوانه من الاعتقالات في حقبة الثمانينيات .
وفي حقبة التسعينيات ،ومع اندلاع المواجهات بين الجماعة الإسلامية والنظام المصري ،كان للشيخ صلاح موقفه الهادئ المتوازن الذي استطاع به أن يحافظ على هدوء الأوضاع في محافظة سوهاج ،في الوقت الذي كانت فيه الأحداث مشتعلة في غيرها من المحافظات .
ولما أعلن قادة الجماعة الإسلامية في السجون مبادرة وقف العنف في شهر يوليو سنة 1997م ،كان الشيخ صلاح هاشم من أبرز الداعمين لها ،بل كان يرى أن هذه المبادرة هي أكبر حدث في تاريخ الحركات الإسلامية بمصر ،وأنها ليست تخبطاً في سياسة الجماعة ، وإنما هي “مراجعة للنفس ووقفة صادقة لتحكيم العقل “، وذلك بحسب ما جاء في حوار معه نشرته مجلة المجتمع الكويتية في عددها الصادر في 9 ربيع الآخر 1421هـ الموافق 11-7-2000.
ولكنه مع ذلك لم يسلم من الضر والأذى ، فقد اعتقل لمدة شهر أو أكثر في عام 2002 ، بعد أشهر قليلة من صدور كتب المراجعات التي كتبها قادة الجماعة الإسلامية ، في شرح المبادرة ،وبيان مستندها الشرعي . وكان ذلك الاعتقال على إثر وشاية كاذبة ، مفادها أنه ” يتبنى استراتيجيةً في الخفاء ضد التحول السلمي لقادة الجماعة ،وأنه سعى لتكوين جناح متشدد من أجل القضاء على مبادرة وقف العنف والتشكيك في صدقيتها ،وأنه سعى إلى تدبير أعمال عدائية لإجهاض ذلك التوجه بهدف إفساد المناخ الأمني الهادئ “.وذلك بحسب ما نشرته الصحف الحكومية في ذلك الوقت .والحقيقة أن كل من يعرف الشيخ صلاح هاشم يعرف أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة ، وأن توجهه السلمي كان سابقاً لمبادرة الجماعة الإسلامية ،وأنه رحمه الله لم يكن ممن يظهرون غير ما يبطنون .
ومع كثرة تبدل الأحوال ، وحدوث كثير من المحن والخطوب ،إلا أنه رحمه الله قد بقي حتى آخر حياته حاملاً همَّ الدين ،ساعياً في الإصلاح ،موجهاً إخوانه وناصحاً لهم بضرورة العمل الصادق والسعي الدؤوب في نصرة الحق والدين .
هذا وقد انشغل الشيخ في سنواته الأخيرة ببعض الكتابات التربوية اللطيفة ،منها كتاب بعنوان : ” شخصية المسلم القدوة ” ، وكتاب حول تربية الأولاد في الإسلام . وله أيضاً مؤلف بعنوان ” هذا هو المسيح” ، يبين فيه معتقد أهل الحق في المسيح عليه السلام ،وأنه عليه السلام بشر رسول ،ويرد فيه على القول بالخطيئة والصلب والفداء . وغير ذلك ..
اللهم يا مَن وسعتْ رحمتك كل شيء : ارحم عبداً وفد إليك وهو أحوج شيء إلى مغفرتك ورضوانك ، وأنت الغني عن عذابه وعقوبته .. اللهم تقبله في الصالحين ،واخلفه في أهله وذريته بما تحفظ به عبادك الصالحين ..
عبد الآخر حماد
22/ 12/ 1447هـ-8/ 6/ 2026م
صلاح هاشم.. وداعاً رمزَ التُّقى والصلاح – بقلم: د. عبد الآخر حماد
التعليقات