القائمة إغلاق

السيف والقلم.. رحلتي مع الجماعة الإسلامية – عاصم عبد الماجد – الحلقات من 96 إلى 100

(السيف والقلم)

(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)

(96)

لم يتم الإعلان عن اكتشاف شبكة تجسس إسرائيلية واحدة منذ ثلاث عشرة سنةً، ليس لأن الصهاينة أوقفوا نشاطهم التجسسي في مصر، بل لأن النظام ذاته – وقد صار تابعًا – ألغى كل تتبع لأنشطة الموساد في مصر، بل صار هو عين إسرائيل على الداخل المصري.

والحاصل هو أن مصر تحولت من رأس حربة يختبئ خلفه العرب في مواجهتهم مع إسرائيل، إلى بلد مخترق تابع لإسرائيل، ثم إلى رأس حربة معاكس يدفعه الصهاينة في صدر العرب!! وفي النهاية، سارت الزعامات العربية خلف القاهرة، ودخلت بيت الطاعة الصهيوني. وبعبارة أدق، جاهر منهم من كان يستتر بعلاقة مع الكيان، وانخرط الباقون في العلاقة الآثمة، حتى صار الحصول على الرضا الصهيوني شرطًا مهما للجلوس على العروش في عالمنا العربي المنكوب، والذي كان السادات أحد أكبر أسباب نكبته. وقد قال د./مصطفى الفقي، مدير مكتب رئيس الجمهورية الأسبق للمعلومات، قال منذ سنين طوال: «إنه لا يحكم مصر إلا من نال الرضا الإسرائيلي الأمريكي»، فهاج ضده أتباع مبارك، فخرج ليعلن أنه رجل سيئ الحظ!!

وما قاله مصطفى الفقي صحيح، وهو أحد أكبر الكوارث الناتجة عن ارتماء السادات في الحضن الصهيوأمريكي، واستسلامه التام لأوامرهم على كل صعيد، وموافقته على اختراقهم لكل مؤسسات الحكم، وأولها الجيش. وتدخلها في كل المؤسسات الأخرى، حتى صارت المناهج التعليمية تراجع من قبل السفارة الإسرائيلية -أو لنقل من قبل الموساد- ويتم الاعتراض على بعضها فيحذف. بل إن قسمًا كاملًا بهندسة الإسكندرية تم الاعتراض عليه، فأغلقه السادات، وهو قسم الهندسة النووية، وهو القسم الوحيد في مصر المتخصص في الدراسات النووية. حذف هذا القسم من على الخارطة التعليمية بأساتذته وطلابه ومناهجه، ومن يومها ألغيت الدراسات النووية تمامًا من الجامعات المصرية!!

وهذا غيض من فيض، ولولا أن طبيعة المذكرات تجبرنا على الاختصار لأسهبنا.

ثانيًا: التبعية الاقتصادية للغرب.

وهذه إحدى جرائم السادات التي لا يكاد يلتفت الناس لها اليوم، رغم أنها السبب المباشر لفقرهم وتمزق النسيج الاجتماعي لبلدهم.

فالسادات قرر التضحية بالاقتصاد المصري الضعيف أصلًا، وأطلق وقتها على تدمير الاقتصاد وذبح الفقراء اسمًا جميلًا، وهو (الانفتاح الاقتصادي)، وعد المصريين أن عام 1980 سيكون (عام الرخاء)، وظل يكرر هذه العبارة، فلما أزف العام الموعود سكت ولم يعد يتحدث عن الرخاء، ولما سألته الصحفية همت مصطفى، التي اصطفاها ليتحدث عبر حواراتها مع المصريين، أقول: لما سألته عن وعوده، أخبرها أنه كان يمسك بالورقة والقلم ويدون حساباته، لكنه ألقى بالورقة والقلم؛ لأنه فوجئ بالواقع الاقتصادي يقلب كل الحسابات. بالطبع كان السادات يكذب، وفي كذبة أخرى ادعى أن الرخاء تحقق فعلًا في العام السابق!!

لقد كان من مبررات الانفتاح الاقتصادي الذي أعلنه السادات في منتصف السبعينيات أنه سيجذب الاستثمارات الأجنبية، ويحول الاقتصاد المصري من نظام اشتراكي مغلق إلى اقتصاد أكثر حريةً. بالطبع لم يحدث شيء من ذلك، بل حصل ما يلي:
  1. اتساع الفجوة بين الطبقات:
فقد ظهرت طبقة جديدة من الأثرياء استفادت من الانفتاح والمضاربات، بينما تدهورت أوضاع الطبقة الوسطى والفقيرة. أدى ذلك إلى زيادة التفاوت الاجتماعي، وانتشار مظاهر الثروة الفاحشة بجانب الفقر الشديد.
  1. الفساد والاحتكار:
فقد استغل بعض المسؤولين والمقربين الانفتاح لتحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة، وظهرت ظاهرة السمسرة والصفقات المشبوهة، التي صارت هي الأصل.
  1. التحول إلى الاقتصاد الاستهلاكي لا الإنتاجي:
فتم التركيز على الاستيراد بدلًا من دعم الصناعة والزراعة الوطنية، وظهرت السلع الاستهلاكية الاستفزازية بكثرة.

أدى ذلك إلى اعتماد متزايد على الخارج، وتراجع الإنتاج المحلي، وأغلقت صروح صناعية كبرى أو غير نشاطها. فمن ذلك المصانع الحربية المدعمة عربيا، فقد تم التخلص منها بصورة مباشرة، كمصانع الطائرات التي أغلقت، أو بصورة غير مباشرة. وقد زرت بعض المصانع الحربية، فوجدته أصبح متخصصًا في إنتاج أواني الطعام، ورأيت في بعضها معرضًا للشنط الحريمي والأحذية. وإذا مددت الخيط إلى آخره، ستجد أنه من الطبيعي أن ترى اليوم إعلانات أمام بعض الوحدات العسكرية عن بيع بط من إنتاج قاعدة اللواء محمد نجيب العسكرية، وأخرى عن صالونات تجميل للجنسين!!

  1. ارتفاع الأسعار والتضخم:
وذلك نتيجةً لزيادة الاستيراد وتقليل الدعم، فارتفعت أسعار السلع الأساسية، ما أثار استياء المواطنين.

وقد كان ارتفاع الأسعار سببًا لانتفاضة الخبز عام 1977، التي سماها السادات (انتفاضة الحرامية)، والتي كانت استفتاءً شعبيا واسعًا على سياسات السادات الاقتصادية، بل كانت استفتاءً شعبيا ممتدا من أسوان إلى الإسكندرية على السادات نفسه. لكنه عاند وأصر على المضي في طريق التبعية للغرب، غير عابئ بتدمير الاقتصاد، حتى جاءه أمر الله.

 

(97)

ثالثًا: البطش بالحركات الإسلامية وبقية المعارضة. فقد خطط السادات في أواخر حكمه لإنهاء الظاهرة الإسلامية التي عرفت بالصحوة الإسلامية، والتي تنامت في مصر منذ هزيمة 67 المخزية، وأراد أن يزيح معها كل معارضيه، حتى لو من قيادات الكنيسة. وللسادات قصة مع الصحوة الإسلامية، وقصة مع المعارضة، وقصة مع الكنيسة، وسنحاول تلخيص تلك القصص سريعًا. ولنبدأ بقصته مع الصحوة الإسلامية، التي احتضنت التربة المصرية بذرتها الأولى مع انكسار المشروع الناصري العلماني القمعي؛ بسبب هزيمة 67 القاسية والفاضحة. فبعد الهزيمة، بدأ عبد الناصر يفكر في اللجوء لأمريكا لحل النزاع سلميا، لذا قبل ما يسمى بمبادرة روجرز، وروجرز هذا وزير خارجية أمريكا وقتها. ولما تولى السادات الحكم، كانت عينه على أمريكا في الخارج، وعينه الأخرى على رفقائه المنافسين الذين شاركوه العمل تحت زعامة عبد الناصر. أما أمريكا، فكان يتطلع للارتماء في حضنها، وتحويل مصر من تابع للمعسكر الشرقي (السوفييتي) إلى تابع للمعسكر الغربي (الأمريكي). وكانت هناك متطلبات لهذا التحول، ولما كان أحد أهم أدوات الغرب في محاربة تغول وزحف المعسكر الشرقي الذي وصل إلى قلب أوروبا هي القيم؛ قيم العدالة والحرية وما يسمى بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والدفاع عنها، فكان مطلوبًا ممن يريد الارتماء في حضن الغرب الالتزام بهذه القيم، إما التزامًا حقيقيا أو شكليا. ومن ناحية أخرى، كان الإسلام في فهم الغرب -وفي الحقيقة أيضًا- مانعًا من امتداد الفكر الشيوعي. (وبالمناسبة، الإسلام مانع أيضًا من امتداد الفكر العلماني الغربي).

ولم يكن مسموحًا آنئذ للدول التي تدور في فلك الغرب تغييب الدين عن الساحة.

وهكذا تم إجبار السادات على إطلاق بعض الحريات، وعلى وقف اضطهاد الحركات الإسلامية، ومنع حملات تشويه الإسلام في مصر. لم يكن هذا لأنه الرئيس المؤمن، كما أطلق على نفسه، بل لأن هذه مؤهلات اعتماده في المعسكر الغربي كتابع وخادم. وأرجو ممن لا يصدق أن يراجع تاريخ السادات، الذي بايع الإخوان مع عبد الناصر، ثم خانهم مع عبد الناصر، ثم اضطهدهم أيضًا مع عبد الناصر؛ فقد كان ممن حكموا على الإخوان وغيرهم فيما عرف بمحاكم الثورة، رغم أنه لا يعرف شيئًا لا عن القضاء ولا عن القانون. فكانت محاكمهم أسوأ من المحاكم العسكرية -التي يدينها العالم كله- إذ قضاة المحاكم العسكرية من الضباط يدرسون القانون ويحصلون على ليسانس الحقوق، أما هؤلاء فلا علم لهم بقانون ولا دستور، بل قانونهم القوة، ودستورهم الغلظة. وقد أراحنا السادات نفسه من عبء إثبات شراكته لعبد الناصر في جرائمه، عندما كرر كثيرًا أنه شريك لعبد الناصر في كل قراراته. لا تظن أن عبد الناصر كان يشركه في الرأي، بل كان هو كالتابع الذي اختار أن يوافق بلا اعتراض ويؤيد بلا امتعاض، وبذلك استطاع الحفاظ على موقعه بجوار الديكتاتور الذي أقصى -تقريبًا- كل زملائه الذين شاركوه في انقلاب 1952، فبقي السادات بجواره وأيده في كل جرائمه، حتى ترقى ليصل إلى منصب نائب الرئيس. فلم يكن الإيمان هو الذي دفع السادات لوقف اضطهاد الحركات الإسلامية، ولا هو الذي حمله على الإفراج عن معتقلي الإخوان وغير الإخوان، ممن عجت بهم سجون عبد الناصر، بل كان استعداد السادات للإقلاع العاجل من المعسكر الشيوعي والهبوط في المعسكر الأمريكي. وهذا أيضًا ما دفعه إلى تشكيل أحزاب تحت رعايته. أما تغيير الدستور لتضمينه مادةً تتحدث حديثًا غائمًا عائمًا مبهمًا عن الشريعة، فكان له بجوار التزلف للغرب سبب آخر، وهو أنه أراد تمديد الفترات المسموح بها له في الترشح، فبدلًا من مدتين ستصير مددًا بلا حد ولا عدد، فلا بأس بمغازلة الرأي العام الذي كان يميل بقوة للتيار الإسلامي بمادة عن الشريعة. أما كون السادات استطاع احتواء الصحوة الإسلامية وتوظيفها ضد الشيوعيين والناصريين، فكذبة صلعاء أطلقها الشيوعيون وبعض الناصريين، لما فشلوا في الحفاظ على تواجدهم داخل الجامعات عقب ظهور الصحوة الإسلامية، التي حولتهم إلى بقايا نفايات يتعفف الوسط الطلابي عن الاستماع إليهم.

نعم، كان السادات مسرورًا باضمحلال الفكر اليساري في الجامعات -رغم أنه كان هو شخصيا أحد أقطاب اليسار في مصر- وذلك لأن اليساريين الأقوى منه نفوذًا في عهد عبد الناصر، مثل علي صبري وشعراوي جمعة، أرادوا تحجيمه بعد توليه الرئاسة، ودخلوا معه في صراع انتهى بحبسهم جميعًا، ومن يومها والسادات خائف من أتباعهم في الوسطين الطلابي والعمالي. لكن الصحوة الإسلامية، التي كانت تمثلها الجماعة الإسلامية، لم تنسق مطلقًا مع السلطة السياسية ولا مع أجهزتها في الجامعات ولا في غير الجامعات للقضاء على اليسار (في مذكرات الأخ أبي الفتوح بعض قصص تثبت ما أقول، وهناك قصص أخرى)، ولا كان للسلطات تدخل أصلًا في سياسة الجماعة الإسلامية، ولا قدمت السلطات دعمًا للجماعة إلا كذبة مفتراة سأذكرها بإذن الله.

 

(98)

وملخص الحكاية السخيفة التي استدل بها بعضهم على تلقي الجماعة الإسلامية دعمًا ماديا من الدولة، هي أنهم رأوا الأخوين الفاضلين اللذين يقومان بالتواصل مع إدارة الجامعة، يرتدي أحدهما سترةً خضراء (جاكت) من الصوف، أما الآخر فيرتدي سترةً بنية اللون (جاكت) من الجلد، فكان هذا دليلًا قويا سمح لهؤلاء السفهاء بالطعن في ذمة هذين الشابين وفي دينهم، بل والطعن في الجماعة الإسلامية كلها. نعم، كان هناك دعم من المحافظة لآخر معسكر في أسيوط، وقد ذكرت ذلك بشفافية كاملة، وبينت أن هذا الدعم كان عن طريق د. (ع ع) بجامعة الأزهر، وأن الهدف منه كان استدراج الجماعة لمعرفة جهازها العسكري، الذي كانت أجهزة الأمن وقتها تشك بوجوده ولا تملك دليلًا عليه، فدفعت بهذا الشخص لحل المشكلة القائمة بيننا وبين الجامعة الرافضة لإقامة المعسكر السنوي بمسجد الرحمن بالمدينة الجامعية (اسمه الآن مسجد عمر مكرم)، فأبدى هذا الرجل رغبته وقدرته على الحصول على موافقة المحافظة على إقامة المعسكر بالمعهد الأزهري، وقد حكيت هذه القصة بالتفصيل، وحكيت خطته لاستدراجنا لمعرفة ما نخبئه من اتجاه للعمل المسلح بالتفصيل أيضًا. وقبل ذلك، كانت معسكراتنا وغيرها من أعمال تتم من ميزانية اتحاد الطلاب بصورة رسمية ومعلونة ومشروعة، ومن قبل كان اليساريون في جامعات الوجه البحري ينفقون ميزانية الاتحاد على نشر أفكارهم، وفي الصعيد كان أصحاب العصبيات الذين يفوزون بمقاعد الاتحاد ينفقون ميزانيته على الحفلات الماجنة والرحلات المختلطة وغيرها، فضلًا عن السرقات ونحوها. أما بعد ما غير السادات قوانين الاتحادات الطلابية عقب فوز الجماعة الإسلامية باتحاد الجمهورية ومعظم الجامعات كذلك، وبعد أن نجحت الأجهزة الأمنية في تقليص تواجد الجماعة بالاتحاد بأسيوط وغيرها، فقد كنا نعتمد على التبرعات في كافة أعمالنا، وقد ذكرت من قبل أني كنت أشتري وجبات الغداء لأحد المعسكرات بحوالي خمسة قروش (قروش وليس جنيهات!!) خاليةً تمامًا من اللحوم، أما العشاء فكان عسلًا أسود وجبنًا طوال الأيام العشرة، ولما تضجر أحد الشباب وقام من مجموعته؛ لأنه لا يستسيغ لا الجبن ولا العسل، أشار له بعض مسؤولي المعسكر على مجموعة بعيدة في آخر المسجد ليأكل معهم، فلما سألته مستغربًا: ماذا سيجد الشاب هناك؟ قال مبتسمًا: (جبنًا وعسلًا). ورغم ذلك، كانت الدعوة تنتشر انتشارًا واسعًا؛ لأنها لا تحتاج لأموال، بل لقلوب. فلنعد لما كنا فيه، ونقل إن السادات ضاق ذرعًا بالحركة الإسلامية التي تفجرت في مصر، والتي لم تتوافق مع رغباته، ولم تكتف بالقضاء على التيارات اليسارية، بل راحت تهاجمه هو وسياساته ومعاهدة سلامه مع الصهاينة، وانفتاحه الاقتصادي المشبوه، ورفضه لتحكيم الشرع، وفساده وإفساده (هناك فيديوهات انتشرت وقتها للسادات وهو يشرب الخمر مع الساسة الغربيين، وأخرى لمراقصة الرئيس الأمريكي زوجة السادات، بينما أعطوا السادات امرأةً زنجيةً ليراقصها بدلًا من أن يراقص زوجة الرئيس الأمريكي، فكان فسادًا وفجورًا ودياثةً وإهانةً وإذلالًا). وخيل للسادات أن بوسعه أن يمحو هؤلاء ويسحقهم بالعودة للسياسات القمعية التي جربها العسكر -وهو منهم- بقيادة عبد الناصر ضد الإخوان مرتين، فكانت قرارات التحفظ التي حكيت عنها سابقًا، والتي شملت قيادات الصحوة الإسلامية، سواءً أولئك الذين رحلوا إلى جماعات أخرى أو الباقون بلا رحيل، وشملت أيضًا دعاةً مستقلين وعلماء أزهريين وغير أزهريين، فضلًا عن قيادات الإخوان القدماء الذين سبق اعتقالهم أعوام 54 و65. وخيل للسادات أن الصحيفة قد طويت، وأن الحكاية قد انتهت، لكن الحقيقة كانت على العكس من ذلك؛ فقد بدأت الحكاية للتو، ونشرت صحيفة جديدة!! أما حكاية السادات مع المعارضة، فليست حكايةً واحدةً، بل ثنتان بل ثلاث. إذ عانى السادات من أنواع من المعارضة، النوع الأول هم مجموعة أصدقائه القدماء في السلطة، وقد تقدمت قصتهم، وقضى عليهم السادات فيما عرف بحركة التصحيح، التي كان السادات يعدها من إنجازاته التي يتفاخر بها. وقد اعتاد في سنوات حكمه الأخيرة أن يذكر في خطبه بصورة متكررة مملة كل عام من أعوام حكمه وأهم إنجازاته في هذا العام، فكان يقول: 1971 حركة التصحيح. 1972 عام الحسم.. حسم القرار. 1973 العبور العظيم ونصر أكتوبر. 1974 الانفتاح الاقتصادي. وهكذا.

وقد كان يسمي القضاء على ما أسماهم مراكز القوى بحركة التصحيح، ثم -وكأنه استصغر هذا الاسم- قرر تسميتها ثورة التصحيح، قائلًا إنه كان يظنها حركةً فإذا هي ثورة!

أما عام الحسم، فقد كان وعد في بدايات حكمه بالحسم العسكري ضد إسرائيل عام 1972، ثأرًا لهزيمة 67، فلما دخل عام 72 وراحت أيامه تتتابع بلا حرب، ثار ضده الطلاب، وثار معهم الرأي العام، فخرج بعدها ليقول إن المقصود بالحسم هو حسم القرار، وإنه بالفعل قد حسم عام 72 قراره بأنه سيحارب.

وبحركة أو ثورة التصحيح -سمها ما شئت- تخلص السادات من مراكز القوى.

 

(99)

النوع الثاني من المعارضة التي عانى منها السادات -لاحظ أننا نتحدث عن المعارضة غير الإسلامية- كانت في صفوف طلاب الجامعات دائمًا والتجمعات العمالية أحيانًا، وكانت تركز على النواحي الاقتصادية والسياسية، وكان يتزعمها الشيوعيون والناصريون. وقد انفض الناس من حول هذه القيادات مع انتشار الصحوة الإسلامية، لكن بقيت المعارضة بقيادة إسلامية هذه المرة. ولقد مرت الحركة الشيوعية بالجامعات في عهد السادات بثلاث مراحل: المرحلة الأولى أسميها مرحلة التبجح، وهي التي كانوا يعلنون فيها عن رفضهم الدين بل ويسخرون منه صراحةً، وقد سمعت في بداية الحلوقي بجامعة أسيوط وتعرفي على قيادات الشيوعيين بها أن زعيمهم السابق بالجامعة (محمد القط) كان يرفع يده وسط تجمعات الطلاب ويقول: (لو يوجد رب فلينزل يدي). لكن مع بدء الدعوة الطلابية في الجامعات، تراجع الشيوعيون عن إظهار كفرهم بالله ورسوله، وتموضعوا حول القضايا الاقتصادية، زاعمين أن الشيوعية هي الحل الأوحد للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فإن استجاب مستجيب لهم واقتنع بكلامهم، جروه بعد ذلك للشك في الدين. أما في المرحلة الثالثة، فقد تواروا عن الواجهة تمامًا، وصاروا نكرات يأنف منها الوسط الطلابي. أما النوع الثالث من المعارضة، فلم يعان منه السادات؛ لأنه هو الذي أنشأه ورباه لحاجة في نفسه تعرفونها مما قلناه عن نيته التوجه غربًا. فبعد حرب أكتوبر بعامين، فاجأ السادات الناس بالحديث عن تطوير الاتحاد الاشتراكي، ذلك الصنم الأجوف الذي هو إله أوحد عند الناصريين، وقرر تشكيل منابر ثلاثة داخل هذا التنظيم السياسي الأوحد: منبر اليمين، ومنبر اليسار، ومنبر الوسط. وسريعًا ما قرر تحويلها لأحزاب ثلاثة، فكانت أعجب نشأة للأحزاب؛ فكلها نشأت بقرار من رئيس الجمهورية!! أما رئيس حزب مصر، فهو اللواء شرطة ممدوح سالم، رئيس الوزراء حينئذ. وأما رئيس حزب اليسار، فخالد محيي الدين، عضو مجلس قيادة الثورة السابق. وأما رئيس حزب الأحرار، فمصطفى كامل مراد، وهو من تنظيم الضباط الأحرار. فجميع رؤساء الأحزاب السياسية في مصر وقتها كانوا ضباطًا!! ورغم أن حزب مصر كان هو المعبر عن السادات وتوجهاته، فإنه – وكأنما كره أن لا يتصدر المشهد – قرر عام 78 تكوين الحزب الوطني برئاسته هو، فقدم كل أعضاء حزب مصر استقالاتهم وانضموا لحزب السادات؛ لأن العمر واحد، ومن الغبن عند هؤلاء أن تنفق أيامه بعيدًا عن حزب الرئيس وحضنه. وقد احتكر هذا الحزب الجديد كل صور الفساد في مصر في بقية عهد السادات وطوال عهد مبارك، حتى تم حرقه ونهبه أثناء مظاهرات ثورة يناير 2011. فيما بعد، تأسس حزب الوفد الجديد برئاسة فؤاد سراج الدين، الذي كان وزيرًا للداخلية في وزارة النحاس قبل الثورة، ثم تشكل حزب العمل برئاسة المهندس إبراهيم شكري، وكان في البداية حزبًا باهتًا، لكن بعد ذلك شكل مصدر إزعاج كبير لمبارك، حتى قام بحله وإغلاق صحيفته (الشعب). وفي الإجمال لم تشكل أي من هذه الأحزاب تحديًا حقيقيا للسادات، وقامت بوظيفتها التي أرادها السادات، وهي إسباغ الشكل الديمقراطي على حكم السادات الديكتاتوري، وذلك كما أسلفنا اشتراط أمريكي لقبول السادات تابعًا لهم. لذا كان من العجيب أن يبطش السادات في أواخر أيامه بهذه المعارضة الرسمية المستأنسة، فيعتقل زعماءها ويغلق صحفها، فبدا الأمر وكأن نوبة ديكتاتورية حادةً قد أصابته، فراح يضرب يمنةً ويسرةً على غير هدًى. وقد كان ذلك من أكبر عوامل ترحيب الجميع وقتها بما فعله خالد الإسلامبولي، الذي اعتبرته كل القوى السياسية منقذها ومحررها، حتى الكنيسة أنقذ خالد -على غير إرادة منه ولا رغبة- بابواتها من العقوبة المخففة التي أنزلها السادات بهم جزاءً لتطاولهم عليه أولًا، ولتشجيعهم الفتنة الطائفية بمصر ثانيًا. وقد أضحت الكنيسة الأرثوذكسية من قوى المعارضة بمصر بعد تولي البابا شنودة رئاستها. أما الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية، فصراعهما مع الكنيسة الأرثوذكسية، التي تكفرهما وتضطهدهما، يجعلهما دائمتي الاحتماء بالدولة. فعندما تولى شنودة رئاسة الكنيسة، أراد أن يعامل لا كرئيس روحي للنصارى، بل كزعيم سياسي. وقد تغاضى السادات، كما تغاضى من بعده، عن هذا، حتى (بلغ السيل الزبى)، وذلك عندما بدأ شنودة يحرض النصارى بالخارج وبأمريكا على الخصوص على مهاجمة السادات، وتأليب الرأي العام هناك وتأليب السلطات أيضًا عليه. وكان السبب الرئيس لغضب شنودة هو انتشار الصحوة الإسلامية، واعتقاده أن السادات لا يقوم بدور فعال في قمعهم، كما كان يحدث في عصر عبد الناصر. لذا ابتدع شنودة حكاية اضطهاد النصارى؛ ليبتز السادات ويجبره على قمع الإسلاميين. وبلغ الأمر ذروته عندما تظاهر نصارى مصر بأمريكا ضد السادات أثناء زيارة له، وقذفوه بالبيض الفاسد. وبعدما رجع السادات إلى مصر، خطب قائلًا: (أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة)، وهدد وتوعد، ولم يفعل شيئًا، لكنه أسرها في نفسه.

 

(100)

فلما وقعت أحداث الزاوية الحمراء -وقد ذكرتها سابقًا- انتهزها شنودة فرصةً لزيادة الضغط على السادات وابتزازه -رغم أن المجرم الذي فجرها كان نصرانيا- واغتنمها السادات فرصةً لتصفية حساباته مع الجميع. فكان عنوان الفتنة الطائفية هو العنوان الأبرز كمبرر لقرارات التحفظ الغشيمة، وكان قراره بحق شنودة هو تحديد إقامته بالدير بوادي النطرون وعزله عن رئاسة الكنيسة، بينما كانت قراراته بحق كل أطياف الحركة الإسلامية ورموزها مع رموز المعارضة هو الاعتقال الذي لا يبدو له نهاية. هذه هي حكاية السادات مع الكنيسة، ونختم بها حكاياته مع الجميع، التي انتهت بالصدام مع الجميع، ليقف كالمجنون في خطاب التحفظ كثور هائج ينطح هذا ويرفس ذاك، فيشتم داعيةً أزهريا شهيرًا بأنه كالكلب، ويسم شيخًا مناضلًا بالجنون، ويصرح بأن أحدًا من معارضيه لن يجاوروه أبدًا. والآن ننتقل للسؤال الثاني، وهو: [هل كان الاغتيال ضروريا؟] وبعبارة أخرى: [هل كان هناك سبيل آخر لإرجاع السادات عن غيه أو استبدال غيره به؟] الجواب واضح ومعلوم للجميع؛ فالطاغية حينما يدخل في طور جنون القوة، لا يردعه شيء، ولا يكون هناك حل سوى إزاحته. بالتأكيد سيمتنع الطاغية عن التنحي، وسيبطش بعنف بكل من يسأله الاستقالة. وكيف نتوقع من حاكم اعتقل الجميع، وغير الدستور، وزور الاستفتاء عليه؛ لكي يستمر في الحكم مددًا أخرى، كيف نتوقع أنه سيترك الحكم يومًا طوعًا؟ بل كان السادات يصرح علانيةً أنه لا يحده دستور ولا قانون، فقال في حوار متلفز: «إنني أكتب الدستور للرؤساء الذين من بعدي، لكن أنا وعبد الناصر آخر الفراعينة». فلم يكن أمام المصريين إلا سحق هذا الفرعون، وهذا ما فعله خالد. وبعدها كنا كلما التأم شملنا داخل قاعة المحكمة العسكرية، وشرع الدكتور عمر في تلاوة القرآن -وهي عادة ثابتة قبل دخول هيئة المحكمة- طلب منه الأخ خالد أن يتلو شيئًا من قصص موسى مع فرعون.

كان خالد مقتنعًا أن النصر الذي تحقق يقارب في أثره أثر هلاك فرعون، وهو بالفعل نصر نادر عزيز؛ فقلما تحقق لشعب أن يسحق جلاده، بل العكس هو الذي كان يحدث؛ أعني انتصار الطاغية على الشعب وسوقه الشعب سوقًا لحتفه، فعلها هتلر وموسوليني ونيرون وقادة الاتحاد السوفييتي المتعاقبون وعبد الناصر، ومن قبله محمد علي والحاكم بأمر الله وغيرهم كثير. وكان خلاص الشعوب بانهيار الدولة ذاتها وخرابها، ولو على يد عدو خارجي؛ فلم يتخلص الألمان من هتلر إلا بتدمير ألمانيا وتقسيمها واحتلالها، ولم يتخلص الروس من طواغيت الحزب الشيوعي إلا بانهيار الاتحاد السوفييتي عقب هزيمته في أفغانستان. لكن في مصر -وفي مصر فقط- تخلص الشعب من طاغيته. لا تقل إن الجيش هو الذي تخلص منه؛ لمجرد أن ضباطًا شاركوا في اغتياله، فهؤلاء الضباط ما كانوا يمثلون الجيش وقتها، بل كانوا يد الشعب -وبالأدق يد الحركة الإسلامية- التي اخترقت الجيش؛ لتنفذ حكم الله في القائد الأعلى لهذا الجيش. أما من كانوا يمثلون الجيش وقتها، فهم أولئك الجالسون حول الطاغية يوم العرض، والذين يحرسونه، والذين يمجدونه. وهؤلاء العسكريون -أعني خالدًا وإخوانه- لم يأخذوا الأمر من قيادات الجيش، بل من فريق من قيادات الصحوة الإسلامية.

أما القول بأن السادات نفسه كان سيتراجع بنفسه عن هذه القرارات، وسيطلق سراح الجميع، ويعيد الحريات، ويعيد إصدار الصحف المصادرة والمجلات، فمجرد ثرثرة لا دليل عليها، ولا عقل يستسيغها. قالوا: إن اعتقال معارضي معاهدة السلام كان شرطًا إسرائيليا؛ لكي يعيدوا طابا لمصر؛ لأن إسرائيل انزعجت من المعارضة المصرية الرافضة للسلام معها، وإن السادات تجاوب معهم، وكان سيفرج عن الجميع بعد استرداد طابا. وهذا كذب؛ فإذا كانت إسرائيل لم تنزعج من المعارضين للمعاهدة داخل أراضيها هي من اليهود الراديكاليين، فهل تنزعج من معارضة فريق ولو كبير من المصريين للمعاهدة؟!

ثم ما علاقة شنودة بذلك؟ وما علاقة حزب الوفد بذلك؟ بل وما علاقة بعض أعضاء الحزب الوطني الذين اعتقلهم السادات بذلك؟

ثم إن طابا لم ترجع إلا عام 1989، فهل من المقبول أن يعتقل السادات من شاء طوال هذه الأعوام؛ لترضى عنه إسرائيل، فتعيد له طابا وبقية سيناء، فيرضى هو عن المعتقلين، ويسمح لهم بالانصراف من السجون؟!

وأي وصفة ذل هذه التي يريدون أن يتعامل الشعب بها مع موظف عند الشعب، حتى لو كان برتبة رئيس؟! بل الحقيقة هي أن السادات أراد التخلص من كل من يزعجه، أيا كان سبب هذا الإزعاج.

والمفروض هو أن يسحق الشعب كل من يحاول استعباده.

ثم لو كان هذا شرطًا إسرائيليا، فلماذا أفرج مبارك فور توليه الحكم عن كل أطياف المعارضة اليسارية والعلمانية من معارضي معاهدة السلام؟ ولماذا أفرج عن المرشد العام للإخوان المسلمين أ./عمر التلمساني، وهو أيضًا من معارضي المعاهدة، بعد حوالي شهرين من الاغتيال؟ ثم تتابعت الإفراجات عن كل المعتقلين، حتى لم يبق في السجون سوى الجماعة الإسلامية وبعض تنظيمات الجهاد، بعد أن كانت تعج بكل معارضي السادات وكل الحركات الإسلامية.

(يتبع إن شاء الله)

 

 
التعليقات

موضوعات ذات صلة