القائمة إغلاق

السيف والقلم.. رحلتي مع الجماعة الإسلامية – عاصم عبد الماجد – الحلقات من 91 إلى 95

(السيف والقلم)

(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)

(91)

وإذا كانت نسبة نجاح عمليات اغتيال الرؤساء أو الملوك لا تزيد حسب الإحصاءات المعتمدة عن الربع فقط، أي أنه من بين كل أربع محاولات اغتيال معلن عنها، هناك ثلاث محاولات تفشل (لاحظ إن هناك محاولات يتم وأدها سرا لا تدخل في هذا الإحصاء؛ لأنها غير معروفة، ولو دخلت لتضاءلت نسبة النجاح كثيرًا)، وكان ثمن فشل المحاولة هو رقبة الفاعل والمخطط والمحرض، فهل يوجد في المحيطين بالسادات من يغامر مغامرةً مجنونةً كهذه؟!

مرةً ثانيةً نقول: المؤمنون فقط هم من يضحون بحياتهم لنصرة دينهم، أما أهل الدنيا فمحال أن يقدموا على مغامرة كهذه.

ونحن -في الحقيقة- إذا فكرنا بطريقة منطقية، سنجد أننا أمام فعل ظاهر (الاغتيال) معلوم منفذوه يقينًا، وقد رووا مرات عديدةً هذا الحدث الكبير منذ كان فكرةً، وكيف خططوا لتحقيق هذه الفكرة، وكيف تغلبوا على العقبات، وكيف قاموا بالتنفيذ الذي رأيناه جميعًا على شاشات التلفاز. ومن يومها إلى يوم الناس هذا، وجميع الجهات الإعلامية والسياسية وقادة الرأي والفكر يعتمدون هذه الرواية فقط، سواءً أيدوا هذا الفعل أو رفضوه، وسواءً وافق أغراضهم أو خالفها.

وفي المقابل، هناك (سيناريوهات) افترضها بعض النكرات؛ لمجرد تدريب أذهانهم لاختراع عدة احتمالات. هذه السيناريوهات لا دليل عليها ملموسًا، فلا هي قد شوهدت، ولا حكاها أحد أطراف الحدث، فلا الفاعلون ولا المفعول بهم ولا الشهود ولا غيرهم ممن لهم علاقة بهذا الحدث من قريب أو بعيد تكلموا بحرف واحد مما توهمه الموسوسون. فسيناريوهاتهم هي فقط مجرد نشاط ذهني!! لكن فجأةً تحولت هذه الاحتمالات عند هؤلاء القوم إلى حقائق لا تقبل التشكيك!!

وهذا له تفسير عند علماء النفس الذين تكلموا عن صفات الشخصية التي تقهرها نظرية المؤامرة. فهؤلاء يبحثون عن الشعور بالتميز، ويتملكهم شعور بأنهم أذكى من الآخرين، وأنهم (فهموا اللعبة) واكتشفوا ما يخفيه الجميع، وهذا يعزز احترام الذات عندهم، ويمنحهم شعورًا بالانتماء إلى مجموعة (مختارة) من العارفين، وليسوا من العوام الذين يصدقون ما تشاهده أعينهم وتسمعه آذانهم. فهم أكثر وعيًا وأعمق فهمًا؛ لذا هم وحدهم كشفوا الحقيقة. ومن أجل الحفاظ على الشعور بالتميز، تجدهم يبحثون فقط عن أي شيء ولو تافه أو مكذوب أو مفبرك يؤيد فكرتهم، ويتجاهلون كل ما يخالفها. ومحال أن يغير هؤلاء رأيهم حتى لو ظهر لهم ألف دليل على كذب روايتهم. فالمشكلة هنا نفسية أكثر منها عقلية، وهي تحتاج إلى علاج لا إلى حشد أدلة على عدم صحتها.

ونحن لما أطلنا الحديث بهذا الشأن، فليس غرضنا في الحقيقة تغيير قناعات المسكونين بهاجس المؤامرة؛ فهؤلاء لا جدوى من مناقشتهم، بل غرضنا الرد على من حاولوا ويحاولون تحطيم معنويات الشعوب وإقناعها أنها لا تقدر على شيء، وأنه لا جدوى من مقاومتها للطغيان، وأن الحدث الكبير الذي سحق فيه الطاغية سحقًا وهو بين حرسه ومعاونيه لم يكن من فعل أحد من الشعب، بل هو من فعل الطبقة الحاكمة ومن تخطيطها. فهم لم يفشلوا في حماية طاغيتهم، والشعب لم ينجح بعض أفراده في إزاحة الطاغية ومعاقبته، بل نحن أعوان الطاغية ورجاله من قررنا إزاحته. بقي الرد على فريق آخر حاول تحطيم معنويات المصريين والحركة الإسلامية، ولكن بطريقة أخرى، وهي التشكيك في جدوى هذا الحدث. لكننا سنؤجله على وعد بالعودة إليه إن شاء؛ لأننا ابتعدنا طويلًا عن السياق التاريخي للأحداث الذي هو موضوع هذه المذكرات. نفذ خالد -إذن- الجزء الخاص به من الخطة بشكل جيد. فهو وإن كان لم يتخلص من بقية القيادات الأمنية والسياسية، لكن التخلص من الطاغية الأكبر كان نجاحًا ضخمًا كبيرًا مزلزلًا.

لكن بقية أجزاء الخطة لم تنفذ حتى الآن، فلا مجموعات القاهرة تحركت، ولا الصعيد أيضًا. حيث كان الغضب والحزن يكسو إخواننا هناك؛ لأنهم لم ينفذوا الجزء الخاص بهم، حتى إن أحد أفضل إخواننا كان يبكي بحرقة ويقول: «لقد خنا خالدًا وتركناه وحده». وكان بقية الشباب يغلي متعجلًا التحرك. وكان بعضهم يقسم أن قيادات الشرطة مرعوبة، وأنهم يجلسون لا في مكاتبهم بل في سيارات جهزوها للهرب عند أي تحرك ضدهم.

وفي عجالة، تم الحشد وتجميع الإمكانات واستطلاع أوضاع قوات الشرطة بمدينة أسيوط، بعد أن تم تقليص الهدف، فبدلًا من أن يكون هدف الضربة الأولى الاستيلاء على المحافظات الثلاث (المنيا وأسيوط وسوهاج)، صارت أسيوط وحدها هي الهدف أولًا، فإن نجحت المحاولة يتم التطوير شمالًا وجنوبًا. في هذه الأثناء، نوقشت فكرة الاتصال بقيادة منطقة الصعيد في الجيش التي مقرها أسيوط، وكان يمكننا الوصول للقائد عن طريق ابنه الذي كان على علاقة جيدة بأحد شباب الجماعة، لكننا استبعدنا هذه الفكرة تمامًا؛ لأن الاحتمال الأكبر هو أنه لن يتجاوب معنا، وستكون النتيجة هي أن تأخذ الأجهزة العسكرية والأمنية حذرها، وستبدأ هي بمطاردتنا.  

(92)

وبعيدًا عن الحكاية الأخيرة هذه: كانت فكرة تحولنا إلى مجموعة من المطاريد – فينتهي أمرنا إما بالاعتقال المهين أو بتمكن العدو منا بعد الاشتباك البائس محصورين – مرفوضةً تمامًا عند جيلنا. وهذا أحد أهم أسباب تحركنا في أسيوط يوم الثامن من أكتوبر، بالرغم من أن عامل المفاجأة وامتلاك تفوق البدء بالقتال قد ضاع منا بتأخرنا عن ساعة الصفر -للسبب الذي ذكرته سابقًا- فالآن تراجعت فرص نجاح التحرك الشامل لإزاحة العسكر والعلمانيين من الحكم، ليس فقط لفقدان عنصر المفاجأة، بل أيضًا لأن الأجهزة الأمنية والعسكرية قامت بتفعيل خطط الطوارئ، وصارت على أهبة الاستعداد خوفًا من تكرار صفعة المنصة.

▪︎ فكان تقديري أن فرص النجاح تضاءلت، لكننا مضطرون للمواجهة. ▪︎ كان هناك رأي ثان؛ إذ كان هناك من يرى أن فرص النجاح لا زالت قائمةً. ▪︎ ورأي ثالث يرى أصحابه أن الفرصة لا زالت سانحةً بشرط تأخير التحرك حتى نستطيع استكمال الاستعدادات. وكان هذا الاحتمال بعيدًا جدا في تقديري، بل هو شيء يشبه المحال. محال بعد تنفيذ عملية اغتيال كهذه أن تتمكن الجماعة التي شاركت في الاغتيال من الاختفاء بأعدادها الكبيرة التي ستحتاج إليها لتنفيذ خطة إزاحة السلطة الحاكمة، وتقوم خلال اختفائها بتدريب وتسليح هؤلاء جميعًا!!

ومن ثم كان قرار التحرك الصعب. كان القرار صعبًا، والتحرك أيضًا كان صعبًا. أما صعوبة القرار فلأن خوض مواجهة كهذه تراق فيها دماء بفرص نجاح ضئيلة ليس بالأمر الهين، كما أن القعود وعدم البدء بالمواجهة مع تيقنك أن العدو يطلبك، فإن استسلمت أسروك وآذوك، وإن دافعت عن نفسك قتلوك، هو أيضًا ليس بالأمر الهين.

ولما كان المقام هنا ليس مقام مناقشة الحجج الشرعية لكلا الرأيين، فسأنصرف سريعًا إلى ملخص أحداث ذلك اليوم الذي بدأناه بأقل من خمس عشرة قطعة سلاح، وافتتحناه بتشتيت قوى الأمن المتمركزة في الأماكن الأكثر أهميةً في المدينة، ثم الاستيلاء على مديرية أمن أسيوط، وكنت أنا في هذه المجموعة، ونجوت من القتل بأعجوبة ثلاث مرات، وأصبت في إحدى المرات إصابةً شديدةً بركبة الساق اليسرى، وإصابات أخف في الذراع اليمنى والساق اليمنى أيضًا. كما استولت مجموعة أخرى على قسم أول أسيوط، وهاجمت مجموعة صغيرة مقر شرطة النجدة دون الاستيلاء عليه. لكن لم نتمكن لا من تطوير الهجوم لإحكام السيطرة على المدينة؛ لكثرة الإصابات والشهداء في صفوفنا، ولأن السلاح الذي تم الاستيلاء عليه من هذه المقار الشرطية كان عديم الفائدة تقريبًا؛ لتهالكه وعدم صيانته، فكان بأيدينا سلاح ليس بالقليل، لكنه يصاب بأعطال شتى بعد استخدامه بقليل. فتحولنا من موقع المهاجم الذي نجح أولًا ثم هو يسعى لتطوير هجومه، إلى موقع المدافع أمام جحافل قوات خرجت من معسكراتها، ولم نتمكن من منع تقدمها، وسريعًا ما جاءها مدد كبير من محافظات مجاورة ومن القاهرة، فاضطررنا لإخلاء الأماكن التي تمت السيطرة عليها. وبهذا انتهى ما يعرف بأحداث أسيوط في نفس اليوم الذي بدأ فيه. وهنا نقطة مهمة أحب توضيحها، وهي أن القتلى من المدنيين من أهالي أسيوط الذين سقطوا في هذا اليوم أصيب جميعهم برصاص الشرطة التي كانت تطلق النار بعشوائية، بل إن بعض الإصابات في صفوف الشرطة كانت برصاص زملائهم.

بعد ذلك بسنين طوال، عندما سئلت في برنامج حواري عن رأيي في اغتيال السادات وما تلاه من أحداث، قلت: كنت أتمنى أن لا يضطهدنا السادات، وأن لا يطاردنا، فلا نضطر إلى مواجهته!!

فقدنا في هذه المواجهة خيرة إخواننا، وكأن الشهادة اختارتهم من بيننا. اختيارًا، منهم الإخوة: إيمان مختار، وعلي محمود، وثابت، ومحمود فرج، وكلهم طلاب بطب أسيوط.

وللأخ محمود فرج قصة بالغة الدلالة، سأذكرها بعد أن أذكركم بأني تحدثت عنه عدة مرات في هذه المذكرات، لما كان له من مواقف عظيمة، وما تحلى به من شمائل كريمة. ففي ليلة الأحداث، مكث يصلي ويدعو، ثم يخرج من غرفته ليقول لإخوته المتخلقين يتدارسون ما سيفعلونه غدًا: «من يريد منكم أن أسلم له على رسول الله غدًا؟!!» فعلها عدة مرات: يخلو للصلاة، ثم يخرج ويسأل هذا السؤال، فقال له بعض إخواننا: «قل: إن شاء الله»، فأعاد محمود السؤال بلهجة أشد وبثقة أكبر: «من يريد أن أسلم له على رسول الله غدًا؟»

وفي صباح الغد، كان في طليعة المصابين، وكانت إصابته قاتلةً، فلما سقط جلس أحد إخوانه بجواره ورفع رأسه عن الأرض فوضعها في حجره. يحكي صاحبنا فيقول: «أغمض محمود عينيه، فقلت: قد مات، لكنه بعد برهة فتحهما وقال: الجنة.. أنا يا إخواني.. أرى الجنة، ثم أغمضهما للمرة الأخيرة».

 

(93)

لاحظت طيلة الأعوام العشرة التالية لهذه الأحداث أن تقبل الناس لعملية اغتيال السادات أكبر كثيرًا من تقبلهم لعملية أسيوط، وأن المعترضين على الاغتيال أقل بكثير من المعترضين على ما تلاه من أحداث، رغم أن العمليتين كانتا ضمن خطة واحدة للتخلص من حكم العسكر.

فالاغتيال احتفت به كل القوى السياسية في مصر علانيةً -ما عدا الإخوان وقطاعات من السلفيين- وقد احتفى به مع المحتفين دعاة وشيوخ وعلماء مستقلون. وكان من جملة المحتفين يساريو مصر من شيوعيين وناصريين، حتى إن حزب التجمع التقدمي الوحدوي أقام احتفاليةً بخالد الإسلامبولي، ألقيت فيها قصائد المديح والثناء والتمجيد، فألقى الشيوعي أحمد فؤاد نجم قصيدته التي حيا فيها من خلصوا مصر من الطاغية، وذكر الأربعة الفرسان بالاسم، وكان مما قال فيها -وسط صيحات إعجاب الحضور من ناصريين وشيوعيين-:

(( أصل الحكاية ولد فارس ولا زيه خد من بلال نداهته ومن النبي ضيه

ومن الحسين وقفته في محنته وزيه

قدم شبابه فدًا والحق له عارفين خالد.. يا ابن الربيع والأمل والشمس والزينة مين يا فتى علمك فعل الخريف فينا وكبرت برهة الزمان اللي ابتلاك بينا

نايمين على ودننا مع إننا عارفين

صاح من سكون الخرس كروان بيغنيه

الملك لك يا فتى يا مصري يا حلوة رقصت نجوم الفلك بالضي تتعانق والشمس ويا القمر في برجهم عارفين شيل الغطا يا عطا.. عبد السلام مدين عبد الحميد يا فتى.. قطب الرجال يا حسين داعي المروءة دعا والعمر مش عمرين خالد يقول صحبتي واحنا الجميع عارفين الله أكبر على الباغي والجبار طعن الفتى طعنته خار الأغا وانهار المجد ده ابننا والفارس الكرار راكب على مهرنا والكدابين عارفين مين يا فتى علمك لعب العصا على الخيل وإزاي قطفت القمر من فوق شواشي الليل

وطبعت نجم السما بالوشم على زندك

الاسم خالد ولكن عاشق ولك هندك أم الدلال علمتك طبع الأسود عندك مين يا فتى علمك عشق الملاح والميل هندك يا أدهم هنا.. أصلك وسلسلك والناس يا خالد.. هنا عمك هنا خالك يا غنوةً من قهرنا.. اسمك ومواليك ويا الربيع والأمل في دمنا عايشين وليه أجيب ناس لمعنات الكلام عارفين )) وقد كتب أيضًا الشاعر اليساري المعروف عبد الرحمن الأبنودي قصيدةً بعنوان (المتهم)، وأهداها لخالد الإسلامبولي، ختمها بقوله: (( القاضي يستغبي والمتهم بيصر شمس الحقيقة تحر والمتهم صامد كل القضاة زايلين والمتهم…..خالد )) وفي المحكمة، حضر لفيف من المحامين الشيوعيين والناصريين، وقد شاهدت بعيني رأسي أحدهم يقف أمام خالد رحمه الله ليس بينهما إلا القضبان الحديدية، فيسحب يد خالد خارج القضبان ويقبلها.

لكن هذه المواقف كانت (مصلحيةً) أكثر منها (مبدئيةً)، لذا تغيرت مع مرور الزمن، وصار الذين خلصوا مصر والعالم العربي والإسلامي من السادات في عرف اليسار المصري إرهابيين، وتحالف اليسار مع حسني مبارك ضد الحركة الإسلامية عمومًا والجماعة الإسلامية على وجه خاص. بل صاروا من أكبر المحرضين على الجماعة، حتى إنه لما تفاوض وزير الداخلية الأسبق عبد الحليم موسى مع وفد من العلماء والدعاة والكتاب الإسلاميين، كان يترأسه الشيخ الشعراوي، بهدف إيقاف القتال الدائر وقتها بين الجماعة ونظام حسني مبارك، خرجت الصحف اليسارية تلطم الخدود وتشق الجيوب على هيبة الدولة التي ضاعت، فأقال حسني مبارك وزير الداخلية وقتها، رغم أن البدء في تفاوض كهذا لا يكون إلا بإذن خاص منه. ثم بعد ذلك بسنين، لما أطلقنا مبادرة وقف الأعمال القتالية ضد نظام مبارك، وحدث حوار مع الأجهزة الأمنية حول إطلاق سراح كل معتقلي الجماعة، حاول اليساريون وإعلامهم تخريب هذا المسار بكل الصور وبشتى الوسائل.

فرجع القوم لسابق عهدهم في الحرب على الحركات الإسلامية التي أنقذتهم من براثن السادات، وعقدوا تحالفًا مع نظام مبارك يلقي لهم فتاتًا كمقعد بمجلس الشورى، في مقابل أن يساعدوه في حملته التي تصاعدت ضد الجماعة الإسلامية بعد عدة سنين من حكمه الذي امتد ليكمل ثلاثين سنةً.

بل إنهم منذ الأيام الأولى لحكم مبارك، وهي الأيام التي أبدوا بها إعجابًا وتأييدًا لخالد ولما فعله هو ورفقاؤه، كانوا في الخفاء يتربصون بنا الدوائر، بل كانوا ينصبون الفخاخ. منها ما رواه شقيق الأخ عبد الحميد عبد السلام، وكان محاميًا، وكان يحضر جلسات المحاكمة موكلًا من شقيقه للدفاع عنه. فقد حضر يومًا اجتماعًا لهيئة الدفاع من المحامين اليساريين، عقدوه في استراحة المحامين الملحقة بقاعة المحكمة، ولم ينتبه القوم لوجوده، أو ربما ظنوه على نفس مذهبهم، فكان مما ناقشوه هو: ما هي أفضل نتيجة نريد أن نخرج بها من هذه المحاكمة العسكرية؟ فكان الأفضل والأفيد لليسار المصري -في رأي المجتمعين- هو الحصول على أكبر قدر من الإعدامات؛ لأنه طالما ظل الثأر مشتعلًا بين الجماعة والنظام، وجد اليسار فرصةً أكبر للتواجد والحركة!!!

 

(94)

لم يكن المحامون اليساريون وحدهم هم من حرص على حضور محاكمة خالد ورفقائه ضمن أربعة وعشرين من الإخوة، فقد حرص المحامون الليبراليون على الحضور، منهم د./عبد الحليم مندور، وهو وفدي كبير، وقد تأثر أيما تأثر بهذه القضية وبالقضية الأكبر التي تلتها، والتي حوكم فيها ثلاثمائة واثنان. وحضر أيضًا أ./عبد الحليم رمضان. وحضر نقيب المحامين الشهير أ./عبد العزيز الشوربجي داعمًا لهيئة الدفاع ومتضامنًا مع خالد، وكان في حالة ثورة عنيفة ضد السادات وقراراته، وتوفي رحمه الله بعدها بأسابيع قليلة. وكان من الطبيعي غياب محاميي التيار الإسلامي؛ فهم وقتها إما في المعتقلات بقرارات السادات الغشيمة، أو فارون خارج البلاد، أو مستترون داخلها. فقام أ./رجائي عطية مقامهم، وقدم دفاعًا شرعيا متينًا، وصال وجال في هذا الباب مؤكدًا حق الأمة في محاسبة ومعاقبة وعزل حكامها إن هم طغوا وبغوا وأجرموا. لكن اليساريين أحدثوا وقيعةً بينه وبين بعض إخواننا في أقفاص الاتهام، فتم اسبعاده من الترافع، وبعدها بأعوام طوال قرأت عن تقربه من جمال مبارك، فحزنت عليه. لكن الذي لفت انتباهي وانتباه كثيرين داخل القاعة كان الأستاذ/محمود السقا، الذي جاء في منتصف أشهر المحاكمة، وقال في بداية مرافعته إنه آت للتو من السعودية، وإن الملك أرسله للترافع عن خالد وإخوانه. كان واضحًا لدي ولدى آخرين أنه يقصد بالملك ملك السعودية، هكذا فهمناها، لكن بعض إخوتي قال إنه يقصد بالملك رب العزة؛ فإن من أسمائه سبحانه (الملك).

وأيا كان مقصده، فلم يكن مستغربًا وقتها أن يجاهر ملك السعودية آنئذ خالد بن عبد العزيز بالتعاطف مع خالد وإخوانه؛ فقد كان كل رؤساء وملوك وأمراء العرب يكيلون وقتها الاتهامات للسادات ويجاهرون بعداوته، حتى إن أحدًا منهم لم يحضر جنازته، اللهم إلا الملك الحسن الثاني، الذي قيل إنه كان الوسيط بينه وبين الصهاينة في زيارة القدس وما تلاها من كوارث سأحاول تفصيلها بعد حين إن شاء الله. بينما حضر الجنازة حشد غير مسبوق من الرؤساء الأمريكيين، فكان كل من كارتر وفورد ونيكسون في المقدمة، وكان معهم مناحم بيغن رئيس وزراء إسرائيل، وأحد أكبر مجرمي الحرب فيها. وكذا حضر رئيس وزراء كندا، وحشد من وزراء خارجية الدول الأوروبية.

وكان الإعلام العربي وقتها يهاجم السادات بشراسة، وبدوره كان السادات يهاجم حكام العرب متجاوزًا أحيانًا حدود اللياقة، وجاراه بل فاقه في التجاوزات معمر القذافي. ولم يقف الأمر عند حدود الهجوم الإعلامي، بل اتخذ العرب إجراءات عقوبية كثيرة وكبيرة ضد مصر، منها:

▪︎ تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية.

▪︎ نقل مقر الجامعة العربية -للمرة الأولى منذ إنشائها- ليصير في تونس بدلًا من القاهرة.

▪︎ تعليق عضوية مصر في الجامعة. ▪︎ سحب السفراء العرب من القاهرة. ▪︎ إغلاق السفارات المصرية في معظم العواصم العربية. ▪︎ منع أي اتصالات رسمية مع الحكومة المصرية. ▪︎ إيقاف بعض الدول العربية المساعدات والاستثمارات المصرية. ▪︎ تجميد مشاريع التعاون الاقتصادي بين مصر والدول الخليجية. ▪︎ إلغاء أو تجميد اتفاقيات التعاون الثقافية والتعليمية بين مصر وعدة دول عربية. ▪︎ حظر الأفلام والمسرحيات المصرية في بعض الدول. ▪︎ وعلى الصعيد الجماهيري، انطلقت مظاهرات ضد الرئيس المصري في العواصم العربية الكبرى. كان هذا قبل الاغتيال، أما بعده فكانت الصورة كالتالي: ▪︎ أظهر الشارع العربي في أماكن كثيرة مظاهر فرح وشماتة واضحة، رغم أن بعض الدول العربية أعلنت الحداد الرسمي بصورة شكلية. ▪︎ لم تخف كثير من الصحف العربية شماتتها بعد اغتياله. ▪︎ جاءت عناوين بعض الصحف ووسائل الإعلام تصف ما حدث بأنه: (عبرة للخونة) (نهاية الخيانة) (نهاية من باع القدس) (سقط عدو الأمة) (جزاء من مد يده للعدو الصهيوني) ▪︎ بثت بعض الإذاعات الرسمية، خاصةً في طرابلس ودمشق، أغاني وطنيةً في يوم الاغتيال، باعتبار ما حصل انتصارًا كبيرًا على الخونة. ▪︎ في سوريا والعراق وليبيا واليمن الجنوبي، خرجت مظاهرات شعبية تهتف فرحًا بمقتل السادات، وكانت هذه المظاهرات بتنظيم أو تغاض من السلطات. ▪︎ في بعض الجامعات العربية، خصوصًا بدمشق وبغداد، وزعت الحلوى تعبيرًا عن الفرح (وهو ما حدث في بعض المدن المصرية، كما ذكرت من قبل). ▪︎ بعض الفصائل الفلسطينية رحبت بالاغتيال (لأن الخائن نال جزاءه)، وإن كانت الفصائل المرتبطة بمنظمة التحرير نددت بالاغتيال. هكذا غادر السادات الدنيا!! مغضوبًا عليه من غالبية القوى السياسية في بلده. مغضوبًا عليه من الشعوب العربية والإسلامية. مغضوبًا عليه من الحكومات العربية والإسلامية. مرضيا عنه من أمريكا وإسرائيل وأوروبا. فهل كان السادات بسياساته وقراراته مستحقا لذلك كله؟؟ وهل كان اغتياله هو القرار الأصوب؟؟ سؤالان مهمان!!  

(95)

جرائم السادات

انتهى الأمر بالسادات أن صار معزولًا داخليا وخارجيا، كما أوضحنا، وذلك بسبب عدة خطايا كبار، أهمها:

أولًا:

خيانة الأمة في صراعها الطويل مع العدو الصهيوني. ولقد كانت مصر، بحكم ثقلها السياسي وموقعها الجغرافي وكثافتها السكانية وعمقها الحضاري، هي رأس الحربة في هذا الصراع، وكانت الدول العربية الأخرى تحتمي بمصر وتلعب دور المساعد لها والمؤيد. ومصر، عندما اختارت أن تلعب دور القائد في هذا الصراع، لم تكن في الحقيقة تتفضل على العرب ولا على الفلسطينيين، بل كانت تدافع عن مستقبلها هي، وتحمي أمنها هي الإقليمي. فجاء السادات بغباوة شديدة أو بعمالة كبيرة ليعبث بأمن مصر القومي، ويفتح المجال أمام العدو ليعيث فسادًا في المنطقة كلها. فقد كان ما يسمى بالسلام – في حقيقة الأمر – مجرد تسليط للعدو على بقية الأمة، وتأخير تسلطه على مصر لوقت لاحق. فقد اشترط العدو في هذه المعاهدة القذرة على مصر أن تكون اتفاقية سلامها مع إسرائيل مقدمةً على أية معاهدات أو التزامات مصرية أخرى. وكان العرب منضوين جميعًا في معاهدة دفاع مشترك، وبموجب هذه المعاهدة، يعتبر أي اعتداء على دولة عربية اعتداءً على كل الدول العربية، فيحق لها أن ترسل جيوشها لردع المعتدي. بل إن العرب أرسلوا جيوشهم للقتال إلى جوار جيشي مصر وسوريا إبان حرب 1973، التي بدأت فيها الدولتان الحرب على إسرائيل. لذا لم نسمع قط قبل معاهدة السلام الساداتية أن إسرائيل فكرت في استهداف دولة عربية بخلاف حربها مع مصر مرةً، ومعها هي وسوريا والأردن مرةً. أما أن تستهدف دولةً أخرى ومصر تتفرج، فهذا كان من المحال. أما بعد المعاهدة مباشرةً، فقد قصفت إسرائيل البرنامج النووي العراقي، ولم تتحرك مصر، وضمت القدس رسميا، ولم تنطق مصر، وغزت لبنان ووصلت إلى العاصمة بيروت، وصمتت كصمت القبور مصر، وقصفت أيضًا تونس، وظلت سنوات تتسلى بقصف سوريا، وما زالت تفعل ذلك إلى يومنا هذا.

وبدلًا من أن يشعر السادات وأنصاره بالعار، تبجحوا بالقول بأننا لا يعنينا سوى سيناء، وقد استرجعناها بالمعاهدة، ولا يهمنا بقية العالم العربي، حتى لو احتلت إسرائيل دوله كلها. وهذه خيبة كبرى وعمًى استراتيجي خطير؛ فإن احتلال مصر هو أحد الأهداف الاستراتيجية للصهاينة التي لا يرضون عنها بديلًا، لكن هذا الهدف لا يتحقق إلا بضعف مصر وانهيارها، وضعف من حولها، وتفكك العالم العربي.

وهذا ما حققته معاهدة السلام؛ فهي أولًا فككت الجبهة المعادية لإسرائيل، حتى صار العداء فيما بينها شديدًا. ثم هي أطلقت يد إسرائيل للعبث في المنطقة كلها. ثم هي أطلقت يد الصهاينة في الداخل المصري، فضربت كل مقومات القوة في الدولة المصرية، والشواهد على ذلك أكبر من أن تحصى ولو في مجلدات كبار، حتى في المجالات التي يظن الظان أنها بعيدة عن يد المعاهدة وبنودها، وجدنا التأثير الصهيوني المدمر. فخذ مثلًا المجال الصحي: فقد انتشرت الأوبئة القاتلة كالسرطانات المختلفة، وكان سبب ذلك اتفاقات مريبة لاستيراد مبيدات إسرائيلية مسرطنة، وقد شنت صحيفة (الشعب) حملات عنيفة ضد وزير الزراعة يوسف والي؛ لإصراره على استيراد هذه المبيدات، لكن النفوذ الصهيوني داخل أروقة الحكم في مصر منع من إقالته، فاستمر يدمر الزراعة ويدمر الصحة. هذا مجرد مثال صغير، والقائمة طويلة طويلة. فقد استغل الصهاينة ما يسمى بالتطبيع للتسكع داخل أروقة الحكم والتغلغل في المجتمع بطريقة تفوق الخيال.

وهذا المخطوط لم يسلم منه الجيش نفسه، فقد اخترق هو الآخر بقوة. يكفي أن تعلم أن نتانياهو تفاخر بأنه التقى رئيس المخابرات الحربية المصرية في سيناء سرا بعد تنحي مبارك وقبل الانقلاب ست مرات!! ومعلوم لمصلحة أي من الدولتين – مصر وإسرائيل – كانت نتيجة هذه اللقاءات.

فمنذ معاهدة السلام وتعهد أمريكا بمكافأة مصر وإسرائيل على توقيعها، صار لأمريكا الكلمة الفصل في كل ما يتعلق بالجيش المصري، ومفتاح ذلك أمران: أولهما المعونة العسكرية، التي تحكمت بها أمريكا في قرارات الجيش وفي تسليحه، وثانيهما اتفاقات التعاون العسكري بينها وبين مصر، والتي بمقتضاها صار الضباط في رتبة عقيد لا بد أن يخضعوا لدورات في الولايات المتحدة، يتم على إثرها تقييمهم وتقسيمهم إلى من يتماشى مع الرؤية الأمريكية ومن ليس كذلك، فلا يصعد لرتبة عميد ثم لواء إلا من تزكيه وزارة الدفاع الأمريكية. وبذلك سيطرت الولايات المتحدة -ومن ثم إسرائيل- على الجيش المصري، بل سيطرت على الرئيس الذي يعلم أنه متى أغضب إسرائيل قطع الجيش رقبته، مع بث الأناشيد الوطنية التي تمجد الجيش حامي حمى الوطن. ومما ينبغي التنويه إليه أن رصد النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي، والذي كانت مصر صاحبة السبق فيه ولها فيه اليد الطولى، قد تراجع بعد المعاهدة المشؤومة، حتى وصلنا اليوم إلى حالة اختراق كامل وعميق. ولو ساءلت نفسك: كم شبكة تجسس صهيونية اكتشفت في مصر منذ ثلاث عشرة سنةً؟ لصعقت!
(يتبع إن شاء الله) 
التعليقات

موضوعات ذات صلة