(السيف والقلم)

(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)

(86)

والحقيقة أن ما قدمه السادات للصهاينة في وقت قصير جدا كان فوق تخيلاتهم، حتى إن قيادات إسرائيل لم تصدق أن رئيسًا مصريا سيزورها بينما العالم العربي كله يقاطعها مقاطعةً كاملةً، حتى في مباريات كرة القدم، بل إن الدول العربية كانت تنفذ مقاطعةً خانقةً لا للشركات اليهودية فحسب، بل لمن يتعامل معها. ولقد ظن الساسة اليهود وقتها أن السادات يخادعهم بالحديث عن زيارته لإسرائيل، حتى إذا هبطت الطائرة الرئاسية واصطف كل رجالات الدولة لاستقباله، انفتحت أبواب الطائرة عن فرقة كوماندوز مصرية تحصد بأسلحتها قيادات الدولة الصهيونية. لذا جهزوا المطار ليلتها بأضواء شديدة الإبهار مسلطة على باب الطائرة قبل أن يفتح؛ كي لا يتمكن رجال القوات الخاصة من الرؤية، ونشروا قواتهم في مواقع مشرفة على مكان وقوف الطائرة لتصفية القوات المصرية إن أطلت من بابها. إلى هذه الدرجة كانوا غير مصدقين؛ لأن ما فعله السادات كان فوق التصور وقتها.

وقد ذكرت أن وزيري خارجية استقالا على التتابع غير مصدقين لحجم التنازلات التي يقدمها السادات لليهود. وأحدهما، وهو إبراهيم كامل، استقال أثناء تواجده مع السادات بكامب ديفيد، حيث كانت المفاوضات تجري بحضور الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء إسرائيل. وقتها اكتشف إبراهيم كامل أن ما يحدث كارثة، وأن السادات يتنازل بلا حدود، فغادر منتجع كامب ديفيد ولم ينتظر العودة مع الوفد إلى مصر؛ ليستقيل في بلده، وهي سابقة لم تحدث من قبل.

ثم يأتي موسوس مسكون بنظرية المؤامرة ليقول: إن أمريكا وإسرائيل هما اللذان اغتالا السادات. ثم كيف سيتسنى لهما بعد ذلك استدراج بقية الحكام العرب لفعل مثل ما فعله السادات، وهم يرون أمام أعينهم أن جزاء السادات هو القتل؟!

بقي سؤال مهم يعكر على الموسوسين، وهو أن حدثًا خطيرًا كهذا لا بد أنه كان محل بحث وتحر من كل أجهزة المخابرات، سواءً في المعسكر الغربي أو الشرقي الذي كان في عداء شرس مع أمريكا والغرب، وأيضًا سيكون محل بحث وتدقيق شديد من أجهزة المخابرات العربية، فما سمعنا ولا قرأنا طيلة نصف قرن تقريبًا أن أحدًا صرح أو لمح لشيء كهذا. ولم يرد حرف بهذا في أي صحيفة دولية أو عربية، مع أن الصحف اعتادت تناول أي حادثة مهمة بالبحث والتنقيب والتشكيك في الروايات الرسمية، بل إن مئات المراكز البحثية متفرغة تقريبًا لتتبع الروايات الرسمية بالنقد والتشكيك. فالرواية الرسمية لاغتيال الرئيس الأمريكي كينيدي تم تكذيبها آلاف المرات، وكذا حادثة برج التجارة انتقدتها مئات وربما آلاف من الصحف والمراكز البحثية، وقدم بعضهم شواهد على تورط إسرائيل في الحادثة. فإذا لم نجد شيئًا كهذا قط في حادثة اغتيال السادات، ولا نجد أي إشارة ولو تلميحًا في مذكرات زعماء وساسة كانوا على صلة بالسادات أو بمصر في هذه الفترة، ولم نجد أثرًا لهذا في وثائق المخابرات الأمريكية التي يفرج عنها تباعًا، ولا نجد أحدًا ينشر مثل هذه الخيالات إلا بعض المجهولين المغمورين الذين يستجدون بعض الإعجابات أو المشاهدات على وسائل التواصل، فمن المعيب أن ينساق عاقل وراءهم.

أما القول بأن قيادات في الجيش هي التي تقف وراء الاغتيال ثأرًا لمقتل وزير الدفاع وكبار قادة الجيش قبلها بسبعة أشهر بتخطيط من السادات؛ لأن الوزير وكبار القادة كانوا ضد السلام مع إسرائيل، فقول لا يقوله إلا من يجهل تمامًا طبيعة الجيش المصري وعلاقته بالرئيس. دعونا أولًا نذكر أن ادعاء قتل السادات لأحمد بدوي مجرد خيال واسع يؤهل صاحبه لكتابة قصص مغامرات، لا ليخاض غمار كتابة حدث تاريخي كهذا. فالسادات هو الذي اختار أحمد بدوي للوزارة، ومحال أن يوليه هذا المنصب إلا وهو يعرفه جيدًا ويعرف توجهاته، فإن لم يعرفه معرفةً شخصيةً دقيقةً، فالتقارير التي ترفعها عدة أجهزة سيادية حول أي شخص يرشح لأي منصب مهم كفيلة بتعريف السادات به. فالقول بأنه هو وقيادات الجيش كانوا يشكلون خطرًا على السادات لرفض اتفاقات السلام مجرد وهم لا يؤيده منطق ولا دليل. ثم ما الذي يمنع السادات من إقالته أصلًا؟ وقد أقال قبله في عشرة أعوام فقط خمسة وزراء دفاع. وهل نسي مفبرك هذه القصة الخيالية أن السادات هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن الولاء داخل الجيش دائمًا للقائد الأعلى، وأن أحمد بدوي لا يجرؤ على عصيان أمر الإقالة؟

أما قصة سقوط الطائرة فهي قصة مخجلة، وقد حكاها بتفاصيلها الأخ عبود الزمر الذي كان وقتها -كما ذكرت سابقًا- ضابطًا بالمخابرات الحربية، وخلاصتها أن كبار الضباط الذين صاحبوا الوزير في رحلته لواحة سيوة اصطحبوا أثناء العودة أجولةً من التمر السيوي المتميز، ولم ينتبهوا إلى أن الحمولة الزائدة قد تعيق الطائرة الهليكوبتر، وهذا ما حدث، فمالت الطائرة بعد إقلاعها واصطدمت بأسلاك كهرباء الضغط العالي، فهوت على الأرض. ولأن القصة مخجلة اختصرها الإعلام العسكري فقال: سقطت لعطل فني.

 

(87)

وإذا افترضنا أن السادات كان غافلًا أو مغفلًا، فأسند منصب وزير الدفاع لرجل عدو له ولسياساته، ثم عين كبار مساعدي الوزير أيضًا من أعدائه، حتى إنه اضطر بعدها لتصفيتهم جميعًا في حادث الطائرة، فهل ظل غافلًا ومغفلًا وهو يعين وزير الدفاع الجديد وقادة الأفرع الجدد أيضًا؟ ذلك أنه حسب رواية المؤامرة، فإن الجيش هو الذي قتل السادات ثأرًا لأحمد بدوي. وحسب رواية المؤامرة، فقد قدم الجيش تسهيلات عدةً لخالد ورفقائه، فمنها أنه تم إشراك خالد في العرض رغم خلفيته الدينية وميله الإسلامية بعد إجبار الضابط الأصلي على الاعتذار عن المشاركة، ومنها غض الطرف عن الذخائر والقنابل التي أدخلها خالد، ومنها تعمد الحرس الجمهوري عدم التفتيش على عربة خالد (في رواية بعض الموسوسين أن ضباط الحرس لما وصلوا لعربة خالد جاءهم أمر حاسم بعدم التفتيش)، ومنها أن الطيران قام بصرف الأنظار ليغطي على الهجوم الأرضي، ومنها أن الحرس الرئاسي نفسه -وهم ضباط جيش- امتنعوا عن صد الهجوم. وهذا كله لا يمكن تنسيقه إلا بمعرفة قيادة عسكرية عليا تملك القدرة على التأثير على كل هذه الأجهزة وكل أولئك الأفراد، وهذا يعني أن السادات أخطأ مرةً ثانيةً فعين أعداء له بمناصب حساسة بالجيش. فهل هذا معقول؟ ثم كيف يفعلها قائد بالجيش وهو بعلم أنه هو ذاته سيكون جالسًا في المنصة؟! نفس الأمر يقال لمن قالوا إن أبا غزالة وزير الدفاع متورط، بدليل أنه لم يصب. إذ كيف يخطط وزير دفاع لهجوم بالقنابل والرشاشات يتوقع أن يكون هو الجالس على يسار السادات من جملة ضحاياه؟ بل إن أبا غزالة أصيب بالفعل، وكون إصابته غير قاتلة لا ينفي أن الاحتمال الأكبر كان هو قتله مع السادات. أما لماذا لم يقتل بالفعل، فلأسباب منها أن القنابل التي انفجرت انفجرت خارج المنصة، أما تلك التي دخلت المنصة فلم تنفجر، ولو انفجرت لمات أبو غزالة وحسني مبارك وكل القيادات المحيطة بالسادات، ومنها أن الرشاشات تعطل أكثرها بسبب سوء التخزين وعدم الصيانة، ومنها أن المجموعة المنفذة ركزت على السادات؛ لأنه إن أفلت ونجا فشلت العملية، حتى لو هلك كل من حوله.

ثم لماذا لم يعلن خالد وإخوانه أنهم فعلوا ما فعلوه ثأرًا لأحمد بدوي؟ لماذا لم يرد اسم أحمد بدوي على لسان أحد من المشاركين في العملية، رغم تعرضهم لتعذيب بشيع؟ ولماذا كانت كل مبرراتهم هي ما فعله السادات بالحركة الإسلامية والدعاة؟ ولماذا نترك ظاهر هؤلاء وخلفيتهم الدينية الواضحة ومبرراتهم الصريحة لنؤلف قصةً ركيكةً تزعم أن قيادات الجيش كانت شريفةً للغاية فخافها السادات فقتلها، ثم جاء السادات بقيادات أخرى فكانت أكثر شرفًا فقتلت السادات؟ وأين كان هؤلاء الشرفاء طوال سبعة أعوام من خيانة السادات وانقياده لإسرائيل؟ لماذا لم يقتلوه عقب كامب ديفيد أو معاهدة السلام، وقتلوه فقط لما تخلص -حسب رواية الموسوسين- من وزير الدفاع الشريف المعارض بشراسة للاستسلام للعدو، حتى خافه السادات على نفسه؟!

والحقيقة التي أريد أن ترسخ في نفوس العقلاء هي أن الجيوش في عالمنا العربي، بل في العالم كله، يتم تربية أفرادها على أن يطيعوا قياداتهم طاعةً عمياء، وأنه لا يرفض هذه الطاعة العمياء إلا أهل الإيمان الصادق؛ وذلك لأن تعظيمهم لله يفوق ما تعلموه وتربوا عليه من تعظيم قائدهم العسكري، حتى لو كان القائد الأعلى، كما أن إيمانهم الصادق يهون عليهم مفارقة الدنيا بمتاعها وزخرفها؛ لأنهم يوقنون أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الشهيد حي لا يموت. وهذا ما يفسر تسابق إخواننا الأربعة نحو المنصة وهم يعلمون أنهم مقتولون لا محالة، إما برصاص الحرس أو بالمحاكمات العسكرية.

نعم، قد يكره بعض العسكريين بعض مواقف قادتهم، وقد يستقر في نفوس بعضهم أن قائدهم انحرف، لكن أن يتحول ذلك لامتناع عن تنفيذ الأوامر، فهذا شيء مستبعد. ولقد نفذ الفريق الشاذلي رئيس الأركان خطة السادات بتطوير الهجوم، رغم أنه عارضها بشدة داخل غرفة العمليات التي جمعته بالسادات ووزير الدفاع وبقية القادة، ورغم أنه كان يعلم خطورتها الفادحة، وبعدها بأيام قليلة وقع ما خاف منه الشاذلي وحدثت الثغرة، فاقترح هو خطةً لاحتواء الموقف فرفضها السادات، وللمرة الثانية نفذ الشاذلي ما يريده قائده الأعلى. هكذا تتم تربية هؤلاء، فلا اعتراض بعد صدور الأمر، بل تنفيذ حرفي أعمى. أما ما يتخيله البعض أن بإمكان ضابط أن يبطش بقائده، فهذا ضرب من الوهم المتصل بالجنون، اللهم إلا من دفعه لذلك إيمان صادق يعظم صاحبه ربه فيتضاءل في قلبه تعظيم قائده، بل ويسعى للتخلص منه إن وجده عدوا لله. وهذا ما وجده خالد ورفقاؤه في السادات، وجدوه طاغيةً عدوا لله، لذا كان خالد حريصًا أن يعلنها بصوت عال أثناء محاكمته وأمام وسائل الإعلام العالمية والمحلية: «أنا قاتل الفرعون». فلما نصح أن لا يكررها كي لا يداخله عجب، قال: «أقولها ليتجرأ الشباب المسلم على الطواغيت».

 

(88)

وما قلناه في استحالة أن يحاول وزير الدفاع أبو غزالة أو غيره من قيادات الجيش العليا اغتيال السادات يوم العرض، يقال أيضًا في الرد على من كذبوا وزعموا أن حسني مبارك هو المخطط والمحرض لعملية الاغتيال؛ إذ لا يمكن لعاقل -كما قلنا- أن يحرض على اغتيال بأسلحة أوتوماتيكية وقنابل سيتم تنفيذه وهو جالس كتفه بكتف المستهدف، بل إن مباركًا أصيب يومها بالفعل. نعم، كانت إصابته بسيطةً، لكن كان يمكن أن تكون قاتلةً. ثم إن رد فعله وقتها لا يدل أبدًا على أنه ينتظر هجومًا، ولو كان يتوقع مثل هذا الهجوم -حسب زعمهم- لرأيناه يهرب مسرعًا بمجرد توقف سيارة خالد؛ ليخرج من نطاق النيران الكثيفة، لكنه رقد على الأرض كما فعل السادات، وصار بذلك معرضًا لنفس الخطر الذي تعرض له السادات.

وأما القول بأن الأخ عطا طايل قفز داخل المنصة وعثرت قدمه بحسني مبارك، الذي قال له: «مش أنا.. مش أنا.. الرئيس اهو»، مشيرًا للسادات، فقول مغرق في التفاهة. فهل لا يعرف عطا طايل الفرق بين هذا وذاك؟ ثم هي حكاية لم يصرح بها لا عطا طايل ولا حسني مبارك ولا غيرهما، لا في محاضر التحقيقات ولا في غيرها، فمن أين جاء بها الموسوسون؟! ولقد مكثت فترةً طويلةً مع الأخ عطا في مستشفى السجن الحربي في غرفة واحدة، وكان يحكي كل ليلة تقريبًا قصة الاغتيال، فلم يذكر مطلقًا أنه قفز داخل المنصة، ولا أن حسني مبارك تحدث إليه بحرف واحد مما زعموا. والمؤكد من خلال الفيديوهات أن عطا لم يدخل المنصة، وأن عبد الحميد الذي حاول ارتقاء السلم من الناحية الأخرى أصيب برصاص الحرس فنزل مسرعًا وانضم لخالد أمام المنصة. والعجب أن هذه الحكاية ألصقت أيضًا بأبي غزالة وبالأخ عبد الحميد، فقيل إن عبد الحميد قال لأبي غزالة: «أنا لا أريدك، أنا أريد السادات».

أما ما قد يزعمه المحامون في قاعات المحكمة من أن هؤلاء أرادوا السادات فقط، فهي مجرد محاولات منهم للتخفيف عن الفاعلين أمام القضاء العسكري. والحقيقة أن التكليف الصادر لخالد وإخوانه هو استهداف كل القيادات المحيطة بالسادات.

بقيت كذبة سخيفة تؤكد أن من يرددون هذه الأكاذيب ليسوا مجرد مرضى بنظرية المؤامرة، بل هم محترفون متعمدون التضليل. فقد عمدوا إلى فيديوهات العرض العسكري والاغتيال، فقصوا مشهدًا من أول العرض يظهر فيه مبارك وهو يتحدث مع السادات وأبي غزالة ويحرك رأسه، ثم قصوا بقية الفيديو وألصقوا هنا مشهدًا آخر متأخرًا، وهو لتوقف عربة خالد وبدء الهجوم؛ ليوهموا المشاهد الذي لا خبرة له أن الهجوم جاء استجابةً لحركة رأس مبارك. وهذا سخف، والكذب والتضليل فيه واضح جدا. أما كونه سخفًا، فلأن عمليةً كهذه زعموا أن مبارك خططها واتفق بشأنها مع جهات عدة لتسهل مهمة خالد، لا تحتاج أصلًا إلى إشارة تنفيذ في اللحظة الأخيرة. نعم، هذه الإشارة معهودة في خناقات الأحياء الشعبية، حيث يومئ رئيس العصابة برأسه في حركة سوقية؛ ليعلم أتباعه أنه قرر تأديب الشخص الذي أومأ إليه. أما في حالتنا، فالشخص المستهدف معروف، والقرار متخذ ومرتب مع جهات كثيرة، فما الحاجة لإشارة غبية كهذه تسجلها عشرات عدسات التصوير، فتكون دليل إدانة على مبارك وفضيحةً عالميةً له؟!

أما كون ذلك مفبركًا مكذوبًا، فلأننا لم نجد مع طول بحث وتحر أي فيديوهات لأي محطة إخبارية عالمية أو محلية يظهر فيها حركة الرأس هذه أثناء تقدم عربة الهجوم، فلا يوجد كادر واحد يجمع الحدثين. والذي فعله هؤلاء الكذابون أنهم أخذوا جزءًا من أحد الفيديوهات في بداية العرض يحرك فيه مبارك رقبته وكأنه يخلصها من ضيق ياقة البدلة العسكرية الجديدة التي ابتدعها السادات لهذا العرض خصوصًا، فقطع الكذابون الفيديو بعد هذا المشهد، وجاءوا بجزء آخر من فيديو آخر للحظة الهجوم، فلصقوا هذا بهذا؛ لإيهام المشاهد أن الهجوم حصل عقب الإشارة. فلما لم نجد أي أثر لهذا الفيديو بهذا السياق في أي موقع لمحطة فضائية أو وكالة أنباء ممن حضر مصوروهم ومراسلوهم الحدث، بينما وجدناه فقط عند بعض المتسكعين على مواقع التواصل، تأكدنا من أن أحد هؤلاء المتسكعين هو الذي قام بتلفيقه قصا ولصقًا. وهذا يشبه ما يقوله أهل الحديث: إن جاءهم خبر ففتشوا عنه عند المعروفين بالرواية فلم يجدوه فإنهم يجزمون بأن الخبر مكذوب. ثم تيقنت من هذا الكذب والتلفيق والقص واللزق لما وجدت أن حسني مبارك لما حرك رأسه -بما زعموا أنه إشارة للمنفذين نحو السادات- كان يلبس الكاب العسكري، بينما ظهر قبل الاغتيال بمدة زمنية، وأيضًا عندما كانت عربات المدفعية تتقدم، ظهر في كل الفيديوهات حاسر الرأس. وهذا دليل دامغ على أن وقت تحريك رأسه متقدم كثيرًا عن مجيء عربات المدفعية التي منها عربة خالد، فمحاولة الربط بينهما كذب مفضوح.

ويبقى السؤال المنطقي الذي يبطل كل شائعات ترتيب الاغتيال على يد أجهزة وقيادات في الدولة، وهو: كيف أمن بعضهم بعضًا؟ ومن الذي يجرؤ على أن يطرح فكرةً كهذه ابتداءً؟

 

(89)

فأصحاب نظرية المؤامرة يستدلون على نظريتهم بأن الحرس الرئاسي لم يطلق الرصاص، وأن الحرس الجمهوري لم يفتش عربة خالد، وبأن شخصًا ما من الأجهزة الأمنية وضع كرسيا أمام المنصة ليصعد عليه خالد -رغم أن خالدًا لم يكن بحاجة إليه- وأن حسني مبارك أشار للمهاجمين محرضًا، وأن قيادة معسكر الإعداد تركت خالدًا يدخل الذخائر والقنابل، وأن المخابرات الحربية هي التي وجهت خالدًا للقيام بالاغتيال عن طريق رجلها الذي زرعته داخل التنظيم عبود الزمر، وهي التي أمدت خالدًا عن طريق عميل آخر زرعته وهو المقدم ممدوح أبو جبل بإبر ضرب النار، وأن وزير الداخلية كان على علم ولم يبلغ الرئيس، وغير ذلك.

فمن يجرؤ على مفاتحة كل هؤلاء دون أن يخشى أن يبلغ واحد منهم السادات؛ لينال عنده حظوةً ومكانةً وترقيةً لا يحلم بها؟! الأمر هنا أشبه بالجنون المطلق والمطبق، والكذب هنا واضح، والكذبة إذا كبرت وتشعبت انكشفت وافتضح مؤلفها. لذا ذكر علماء الحديث في علامات الخبر المكذوب كونه يحوي مبالغةً يمجها العقل والشرع؛ كأن يذكر ثوابًا عظيمًا مبالغًا فيه لفعل يسير هو في الأصل سنة، وذلك مثل الحديث المكذوب: «من صلى ركعتين يعطى ثواب سبعين حجةً». فواضع هذا الحديث دلنا من حيث لا يدري على أنه كذاب، وأن خبره مكذوب بهذه المبالغة الممجوجة. فكذا هنا، راح أصحاب نظرية المؤامرة يشحنون شواهد من هنا وهناك لخداع الناس، فأكدوا للعقلاء أن هذا كذب؛ إذ من المحال تصور تواطؤ كل الأجهزة على الرئيس، كذا من المحال تصور أن يغامر أحد مرؤوسي السادات بمفاتحة مرؤوس آخر للسادات؛ ليساعده في قتل السادات!!

خاصةً وأنهم جميعًا يحفظون قصة مراكز القوى، وهم ورثة عبد الناصر أصحاب النفوذ الذين لم يعجبهم مجيء السادات رئيسًا، فاتفقوا فيما بينهم على أن يقوموا بتحجيم صلاحياته؛ لتظل السلطة في أيديهم هم، فأبلغ ضابط شرطة السادات بذلك، فاعتقلهم جميعًا بعد ثمانية أشهر من حكمه، وحوكموا ونالوا أحكامًا قاسيةً، وأصبح هذا الضابط من المقربين. فرغم أن هؤلاء لم يعينهم السادات أصلًا، ولا ولاء عندهم له، وهم خصومه من أيام عبد الناصر، فإن شخصًا غير مؤثر قرر التضحية بهم؛ ليصل هو على أكتافهم، فكيف بمن عينهم السادات واختارهم من أقرب المقربين له.. كيف بوسع أحدهم أن يفاتح الآخرين بشأن خطة قتل الرئيس، وهو يعلم أن أحد هؤلاء لو وشى به لنال أعظم ترقية، وكانت نهايته هو حبل المشنقة؟

ثم إن جميع من قيل إنهم تآمروا ونجحت مؤامرتهم حوسبوا وفقدوا وظائفهم، سواءً وزير الداخلية أو رؤساء الأجهزة الأمنية أو الحراسات أو قائد كتيبة خالد الذي أشركه في العرض بدلًا من زميله الذي اعتذر فجأةً، أو حتى المقدم عبود الزمر الذي زعموا كذبًا أنه رجل المخابرات الذي زرعته داخل المجموعة وكلفته بإقناع خالد وإخوانه باغتيال السادات، فقد حكم عليه بالسجن أربعين سنةً، عذب خلالها كما عذبنا ونكل بأسرته، وفصل من الجيش، ومرت عليه أزمات عديدة وطويلة جاع فيها ونام على الإسفلت، وتسلط عليه عساكر أميون وهو الضابط المعظم في منصبه، ولم يفرج عنه إلا عقب تنحي مبارك.

والحق أن مثل هذه المغامرات شديدة الخطر لا يقدم عليها إلا أهل الدين الذين يطمعون فيما عند الله.

فإن قيل: كيف تسلل أهل الدين إلى داخل المؤسسة العسكرية؟ قلنا: كما كان مؤمن آل فرعون داخل العصبة المقربة من فرعون، بل كما كان موسى نفسه داخل قصر فرعون. ولقد كان ذلك أثرًا من آثار الصحوة الإسلامية التي دخلت كل بيت. فالأخ خالد -مثلًا- دعاه أخوه الأكبر الأخ محمد شوقي (وهو من قيادات جامعة أسيوط) للالتزام، فهداه الله بهذه الدعوة. والأخ عبود الزمر تأثر بابن عمه وشقيق زوجته الأخ طارق الزمر (من إخوة جامعة القاهرة).

حتى عندما انتبهت الأجهزة القمعية لهذا عقب الاغتيال، وقامت بغربلة كل ضباط الجيش، وفصلت كل من له علاقة ولو من بعيد بأي عضو في حركة إسلامية، أقول: حتى بعد ذلك بقيت بقية لا يستهان بها داخل الجيش. فبعد خمسة أعوام من الاغتيال ومذبحة التصفيات التي تمت داخل القوات المسلحة، انتهز بعض زملاء الرائد مدرعات الأخ عصام القمري فرصة تمرد الأمن المركزي عام 1986؛ لاقتحام السجون وإخراجنا منها. وهي حكاية عجيبة بدأت برفضنا دخول الزنازين بعد تمرد معسكر الأمن الخاص بحراسة سجون طرة، ووصول سلاح المدرعات ومحاصرته لسجن الاستقبال حيث نقيم، فلما خرج الأخ طلعت فؤاد للتفاوض مع إدارة السجن فوجئ بقائد كتيبة المدرعات يدخل السجن ويصرخ متوعدًا، لكنه لما خلا بالأخ طلعت طلب منه أن يرى الرائد عصام القمري، فرفض الأخ طلعت قائلًا للإخوة: «نظام متبع، وأنا أمثلهم، فما تريده من الأخ عصام سأبلغه به أنا». بالطبع لم يقل له الضابط شيئًا، لكنه بعد ذلك أرسل يخبر عصامًا أنه كان يريد تهريبنا، وكان ينتظر إشارةً منه بالموافقة. لقد كان هذا الضابط أخًا ملتزمًا. والأكثر إثارةً من هذا قصة ضباط حراستنا في المحكمة العسكرية.

 

(90)

كانت محاكمتنا عسكريةً، يقع مقرها في الصحراء في منطقة تسمى الجبل الأحمر (أو الأخضر)، وكنا ننتقل إليها بمصفحات يتم تقييد الإخوة داخلها معصوبي الأعين بسلاسل حديدية، أما أنا فكنت أركب عربة إسعاف، ولا بد أن تقيد يدي أيضًا إلى سرير العربة ويغطى جسدي ووجهي، وكانت ترافقنا طائرة أثناء تحرك الموكب.

كانت الشرطة العسكرية هي التي تتولى حراستنا في الطريق، وهي المعنية أيضًا بتأمين قاعة المحكمة. وكانت إجراءاتها شديدةً وصارمةً ومبالغًا فيها. لكن ذلك كان متوقعًا بعد أن فوجئت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية كلها بخالد ينفذ من ثغرات أضيق من ثقب إبرة؛ ليصل إلى السادات. لكن القائمين على التأمين – في النهاية – بشر. هؤلاء البشر كانوا في البداية شديدي التوجس، شديدي التربص، بل والعداوة، لكن مع الوقت تغيرت نظرتهم، خاصةً مع طول المعاشرة التي زادت عن ثلاثة أشهر. وقد كانت قاعة المحكمة منذ دخولنا صباحًا عند الشروق وحتى انصرافنا منها ووصولنا للسجن الحربي بعد الغروب، أقول: كانت قاعة المحكمة طيلة هذه الفترة أشبه بمعتكف يبدأ نشاطه أولًا بتلاوة تهز القلوب هزا بصوت فضيلة الشيخ عمر عبد الرحمن، ثم تتواصل فقراتها بين أناشيد وأحاديث جانبية ودعابات وصلوات وأذكار وجلسات فتوًى ومشاورات حول ما سنفعله ونحوها. بالتدريج بدأ بعض ضباط الشرطة العسكرية يشارك في بعض هذه الأحاديث، وكانت هناك أحاديث جانبية بين بعضهم وبعض إخواننا. وقد شجعهم على المشاركة والتحاور ما لمسوه من خلق راق يتمتع به عامة إخواننا، فضلًا عن الشجاعة التي ظهر عليها الجميع. وتأثروا أيضًا بعدالة القضية التي جاهد هؤلاء في سبيلها، خاصةً عندما تم استعراض جرائم السادات وعرض مخازيه على لسان الدفاع الذين أجاد أكثرهم في هذا الأمر، مما أزعج القاضي الذي حاول صرفهم عن استعراض سيئات السادات، فقال: «نحن هنا لا نحاكم السادات، بل نحاكم المتهمين بقتله».

وكان من آثار ذلك كله – ودون تخطيط منا – أن تعاطف جزء من قوة الحراسة والتأمين معنا، بل وقرروا إنقاذ هذه المجموعة وتحريرها من السجون، وكان في طليعتهم رائد يدعى (سند) ونقيب أظن أن اسمه (مصطفى)، فقد كون هؤلاء خليةً داخل قوات الشرطة العسكرية المكلفة بحراستنا. وكانت مهمة هذه الخلية هي تهريبنا!! لكن قبل اكتمال التجهيزات واستكمال الاستعدادات، فوجئ الجميع بالقاضي اللواء (سمير فاضل) يقص سير التقاضي قصا، ويقرر حجز القضية للحكم. لكن هؤلاء الضباط لم يتزحزحوا عن موقفهم، وأخبروا أحد إخواننا الضباط داخل الأقفاص قبل الانصراف من القاعة أن هناك خطةً أخرى بديلةً لاغتيال هيئة المحكمة إن هي نطقت بحكم الإعدام في حقهم، واخترعوا فكرةً رائعةً لا تكشف تنظيمهم المصغر هذا، وطبقًا لهذه الخطة، سيقف أحدهم أمام الأقفاص مباشرةً ووجهه للقضاة وظهره لإخواننا، وسيقوم أحد العسكريين منهم بخطف المسدس المعلق بخصره ويطلق النار على القضاة إن حكموا بالإعدام على مغتالي السادات.

لكن هذه الخطة لم تنفذ أيضًا؛ وذلك لأن القاضي في اليوم الموعود لم يدخل القاعة أصلًا؛ لينطق بالحكم، بل عقد الجلسة في قاعة صغيرة مجاورة دون وجود المتهمين!! لا تقل لي: لكن هذا مخالف لقوانين المرافعات والإجراءات الجنائية، فأنت في مصر!!

المقصود أن الجيش لن يخلو من وجود ضباط ذوي حمية وعلى دين وخلق، فكيف تتعجب إذن من وجود خالد وإخوانه؟ ولماذا يجمح بك خيالك لتتصور أن يدًا خبيثةً هي التي زرعتهم أو حركتهم؟ أما حكايات الموسوسين من أصحاب نظرية المؤامرة فقد فندتها لك. أما الحقيقة التي أنا متيقن منها فهي أن خالدًا صدق الله فصدقه الله، وأنه أخذ بالأسباب واجتهد واستعمل كل خبرته ووظف خبرة الفريق المعاون، واهتدى للثغرات -القليلة جدا جدا- الموجودة في خطط التأمين، فنفذ منها إلى هدفه. وأن ما كان خارجًا عن قدرته أو إدراكه فقد تكفل الله به. فلم يكن تعطل دراجة نارية في أول العرض من فعل خالد أو تخطيطه، بل بتقدير العزيز العليم؛ كي تتخدر الحراسات ولا تبادر بإطلاق النار عندما أوقف خالد عربته وقفز منها. ولم يكن التزامن العجيب بين مرور طائرات الاستعراض بألعابها البهلوانية فوق المنصة لحظة وصول عربة خالد من تخطيطه هو ولا غيره، بل كان من تقدير العزيز العليم؛ لكي تخطف الأبصار بعيدًا وتشتت الانتباه للحظات. ولم يكن خالد هو الذي أوحى للحرس الجمهوري باتباع طريقة التفتيش بنظام العينة العشوائية بدلًا من التفتيش على كل قطع السلاح. ثم لم يكن هو الذي أوحى لضباط الحرس الجمهوري أثناء تفتيش عربته أن يأخذوا بندقيةً مطابقةً لاشتراطات الدخول إلى العرض من خلو من الذخائر ونزع لإبر ضرب النار.

وبجوار ذلك كله، بذل خالد ومجموعته جهدًا ذهنيا خارقًا للتخطيط والإعداد، وسخروا خبراتهم العسكرية للتنفيذ بنجاح، وكانوا يملكون رباطة جأش عجيبةً وهم يتقدمون نحو خط النهاية. نهاية حياة شباب في مقتبل العمر اختاروا الآخرة فغادروا الدنيا مسرعين.

 

(يتبع إن شاء الله)

التعليقات