(السيف والقلم)
(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)
(66)
وقد بدأت مسيرة سوق شباب الجماعة الإسلامية للالتحاق بالإخوان مغمضي الأعين على يد الأخ عبد المنعم أبي الفتوح الذي التحق سرا كعضو بالإخوان في نفس الوقت الذي كان شباب الجماعة الإسلامية الذين يقودهم رافضا لنهج الإخوان.
وفي ذلك يقول: كان أول ارتباط تنظيمي لي بجماعة الإخوان المسلمين عام 1975 قبل بقية إخواني من الجماعة الإسلامية، ويقول مبينا الأسباب التي دفعته هو أولا ثم قادة آخرين للالتحاق بالإخوان : (وأهم ما حسم قضية العلاقة بالإخوان خبرتهم في العمل الإسلامي، وجهادهم وتاريخهم وصبرهم على المحنة؛ إذ لم يكن أمام أي منصف أو مخلص متجرد إلا أن يُقدر هذا التاريخ لهؤلاء الناس، أما مسألة الاختلاف بيننا في بعض الأمور الفقهية الفرعية فقد اقتنعنا تدريجيًا أن هوة الخلاف سوف تضيق بمرور الوقت.)
ويقول : (لقد كانت قيادات الإخوان دون الاتجاهات الإسلامية هي القادرة على أن تملا أعيننا وقتها، كان الإخوان المسلمون بالنسية لنا أسطورة الصمود والصبر في مواجهة الظلم والجاهلية… وكانوا نماذج استثنائية للتمسك بالفكرة وتحمل آلام السجن والاعتقال والإساءة إليهم؛ وأحسب أننا شاركنا في هذه الإساءة إليهم أيضًا – حين اتهمناهم بعدم التزامهم باللحية وتلك الأمور الظاهرة التي كنا نتمسك بها نحن الشباب.)
لكن الأخ إبراهيم الزعفراني القيادي الشهير بالجماعة الإسلامية بالإسكندرية يفصل أكثر فيما يتعلق باعتراض شباب الجماعة على الالتحاق بالإخوان فيقول : (في إحدى الأيام تكلم الأستاذ محمد حسين إلى هذه المجموعة بأن الإخوان يريدون منكم تحديد موقفكم من العمل معهم، فعليكم أن تجلسوا سويا تحددوا نقاط النقاش. بالفعل جلسنا واتفقنا على أن نتناقش مع الإخوان الكبار حول أربع نقاط اختلاف – حسب تصورنا في حينه – بيننا وبين منهج الإخوان وتمثلت هذه النقاط في :
- تناول الإخوان لمسائل العقيدة “الأسماء والصفات، والتوسل، وغيرها”
- مدى تمسك الإخوان بالسنن الظاهرة “اللحية ، الجلباب وغيرها”
- مدى الثقافة الشرعية عند الإخوان
- مفهوم الجهاد وهل الإخوان سيظلون يقدمون التضحية رغم السجون والمحن
وأحب هنا أن أقول إن الاعتراض الأخير هذا كان هو محور الخلاف الحقيقي بين جموع شباب الجماعة الإسلامية وبين الإخوان. فقد كان هناك رفض كبير لتكرار مأساة انكسار الحركة الإسلامية أمام النظام العسكري. وكانت هناك رغبة عارمة في مقاومتهم إذا حاولوا تكرار عدوانهم كما حدث في 54 ثم في 65. وقد حاولت قيادات الإخوان وقتها استيعاب هذا الخلاف بالقول -كما ورد في حكايات الزعفراني- بأن (التضحية والجهاد هي أحد أركان بيعتهم لكن الجهاد له قواعد وأصول شرعية يجب الالتزام بها) ولأهمية هذه القضية سنعود إليها لاحقا إن شاء الله.
لكن من المهم الآن أن نسترسل مع المسيرة السرية لقيادات من الجماعة الإسلامية للانضمام للإخوان. يقول الأخ إبراهيم الزعفراني: إنه بعد انضمامه ومجموعة كبيرة من قيادات الإسكندرية للإخوان: ولكننا ظللنا نخفي هذا الأمر عن عموم طلاب الجماعة الإسلامية التي كنا نقودها بالإسكندرية !!! وبعد فترة قليلة بدأ بعض الإخوة في إبداء قلقهم من العمل مع الإخوان، وبدؤوا في إثارة النقاط الأربعة التي تقدم ذكرها باعتبار أن الإخوان عندهم انحرافات عقيدية وتساهل في السنن وتهاون عن الجهاد والتضحية ولا يهتمون بالعلوم الشرعية. وظلت الفجوة تتسع بين هذه المجموعة التي كان يطلق عليها وقتها مجموعة “محرم بيك” حيث كان يسكن معظمهم هذه المنطقة من مناطق الإسكندرية، عقدت هذه المجموعة من الإخوة لقاءات خاصة بهم، ولما جلست قيادات التنظيم الطلابية مع الأستاذ محمد حسين وطالبهم بتحديد موقفهم أعلنوا انهم لا يستريحون للانضمام للإخوان، ومن هنا بدأت فكرة التمايز بين من أصبح يعمل مع الإخوان ومن رفض العمل معهم لتتكون مجموعة تطلق على نفسها الدعوة السلفية.
ويحكي الأخ عبد المنعم أبو الفتوح حكاية مشابهة للنقاش الذي دار بين أقطاب الجماعة الإسلامية وقتها حول الانضمام للإخوان التي يبدو أنها صارت القضية الأهم عنده بعد انضمامه للإخوان عام 75 فيقول : (وكان يشارك في الحوار عدد من قيادات الجماعة الإسلامية، وأذكر منهم الإخوة محمد إسماعيل وأسامة عبد العظيم “وهم من دعاة التيار السلفي الآن” والإخوة محمود غزلان وحامد الدفراوي وإبراهيم الزعفراني وخالد داود.)
ثم قررت مجموعة كبيرة من قيادات الجماعة الإسلامية بالقاهرة والإسكندرية الانضمام للإخوان دون انتظار رأي بقية القيادات، بل – وهو الأخطر والأشد عيبا – دون إعلام جموع الشباب الذي نصبهم ورضيهم قادة للجماعة الإسلامية بذلك. وفي هذا يقول الأخ عبد المنعم : (وتم الاتفاق بيننا وبين الإخوان أن يبقى هذا الاتصال والتعاون ثم الانضمام سرًّا ولا يعلن عنه.)
(67)
ويؤكد الأخ محيي الدين عيسى أمير الجماعة الإسلامية بالمنيا وقتها على حكاية السرية هذه فيقول: وقد أراد الإخوان أن يحكموا سيطرتهم على الجماعة الإسلامية، فتم الاتفاق مع المجموعة القليلة التي انضمت إلى الإخوان في السر – وكان على رأسهم عبدالمنعم أبو الفتوح، وعصام العريان، وحلمي الجزار – وتم تشكيل هذا الكيان “يقصد مجلس الشورى العام للجماعة الإسلامية” ووُضع على رأسه الأخ حلمي الجزار، ولم يكن أحد منا يعلم شيئا عن هذا، وبذلك أصبحت الجماعة الإسلامية دون أن تدري تحت قيادة الإخوان المسلمين، وتعقيبا على كلامه أقول: إن مجلس الشورى العام للجماعة الإسلامية الذي تم إنشاؤه عام 1980 للتنسيق بين الجماعة في مختلف الجامعات قد اختير حلمي الجزار رئيسا له دون معرفة من بعض أعضائه بأنه منضم للإخوان، بل وللتمويه قام الأخ حلمي بتشكيل لجنة لتحديد أوجه الخلاف التي تمنع الجماعة من الانضمام للإخوان!
ويقول الأخ عبد المنعم مؤكدا أنهم تجاوزوا بقية القادة وأنهم ذهبوا للمبايعة من وراء إخوانهم الذين سماهم صفا ثانيا تقليلا من شأنهم مع أن بعضهم أقدم منه وأكثرهم أقرانه: حين أخذنا – أنا وبعض قادة الجماعة قرار الانضمام للإخوان – كنا نتوقع أن الصف الثاني من بعض قيادات الجماعة الإسلامية سوف يعارض ما تم الاتفاق عليه بيننا وبين الإخوان، وكانت المعارضة تتمثل فيمن غلبت عليهم الرؤية السلفية مثل الإخوة أسامة عبد العظيم في القاهرة وأحمد فريد ومحمد إسماعيل في الإسكندرية، أو من غلبت عليه الروح الجهادية مثل الإخوة كرم زهدي وناجح إبراهيم في الصعيد، ولذلك قررنا أن نؤخر إعلام هؤلاء الإخوة بما تم الاتفاق عليه … ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد كان الأخ خالد داوود أحد قادة الجماعة الإسلامية البارزين في الإسكندرية يجلس ذات مرة مع الأخ أسامة عبد العظيم، وتطرق الحديث إلى الجماعة والإخوان، فزل لسانه وأخبره أن قيادات الجماعة الإسلامية قد أنهت القضية وبايعت قادة الإخوان، فوجئ أسامة بهذا الكلام، وخرج الأمر منه إلى الآخرين، فاندلعت ثورة من التساؤلات والاستنكارات، خاصة من الجناح السلفي والجناح الجهادي.
ثم يكمل حكاية ما بعد الانكشاف وافتضاح الأمر : (أخذنا نفكر في كيفية الخروج من هذا المأزق، فقررنا أن نصارحهم بما حدث فعلا، وأننا بايعنا الإخوان وأصبحنا منهم بالفعل، وكانت رؤيتنا أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم !!! جرى هذا في الفترة ما بين عامي 1979 و1980، أي بعد حوالي أربعة أعوام من انضمام الأخ عبد المنعم للإخوان، أربعة أعوام وهو يتعامل مع كل من حوله من أفراد أو قادة كأحد قادة الجماعة الإسلامية (المستقلة) بينما هو عضو بالإخوان وظيفته استدراج الجماعة للانضمام للإخوان، وبعدها تحولت العلاقة بينه وبين إخوانه إلى ما يشبه العداء والتربص، وهو ما عبر عنه بقوله: (خير وسيلة للدفاع هي الهجوم).
وقع هذا بين إخوة الأمس الذين كانوا كالجسد الواحد!! ويكمل: (وعلى إثر ذلك ظهرت مجموعة السلفيين أو تيار السلفية العلمية في الإسكندرية، ويمثله الإخوة محمد إسماعيل وأحمد فريد ومعهم أسامة عبد العظيم في القاهرة، وعبد الله سعد الذي كان نشطًا جدًا في جامعة الأزهر، كما ظهرت مجموعة الجهاديين الذين أسسوا تيار العنف في المنيا وأسيوط وعلى رأسهم كرم زهدي وأسامة حافظ وناجح إبراهيم وعاصم عبد الماجد وعصام دربالة، أخذت الأمور تستقر تدريجيا، وانحصر نقد الإخوة في التيار السلفي لنا كإخوان في دروس ومحاضرات تتهمنا بأننا أصحاب بدع وتحلل من الدين، أما مجموعة الصعيد فقد صرنا في نظرهم مهادنين متخاذلين آثرنا العافية بدلا من مقارعة النظام، وكنّا في البداية نرد عليهم بأن اختيارنا هذا نوع من الإعداد والتمهل وعدم التسرع في الأخذ بالأسباب.)
كان هذا الرد مجرد دفاع غير حقيقي. بل كان هذا الكلام وأمثاله طريقة من طرق استدراج الشباب الثائر المؤمن بالجهاد للانضمام للإخوان، وهناك سيتم تبريد ثورته وصرفه عن التفكير في التخلص من الأنظمة والتحول إلى التعايش معها، ثم الاعتراف بها وصولا للرضا بالعمل ضمن منظومتها السياسية كمعارضة، وانتهاء حتى بمبايعتها كما سنرى في وقائع عام 1987 إن شاء الله، وعندها يتحول الكلام عن الجهاد ضد هؤلاء الطواغيت، فبدلا من كونه فرضا مؤجلا لحين الاستعداد إلى كونه إرهابا وبلطجة، وينقلب عبد المنعم وبعض القادة الذين كانوا جزءا من الجماعة الإسلامية إلى خصوم للجماعة الإسلامية التي سلكت طريق العنف حسب تعبيرهم، ورحم الله الشيخ الأزهري عبد الرشيد صقر خطيب مسجد صلاح الدين بجوار كلية طب القصر العيني، والذي كان مسجده ملتقى لشباب الجماعة الإسلامية هناك حيث كان يشاهد الشباب المتحمس يتحول تدريجيا لشباب مستأنس فيضرب كفا بكف ويقول: (دخلوا الثلاجة) والقارئ أذكى من أن يسألني ماذا يقصد بالثلاجة.
(68)
لقد تم بالتدريج – وفي سرية مريبة – تفريغ الجماعة الإسلامية من جزء لا يستهان به من أبنائها، ثم تم تفريغ هؤلاء من قوتهم في الحق ومصادرة حقهم في شق طريقهم الذي كانوا يمهدونه بسواعدهم على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ودوران مع الحق حيث دار لصالح ملء جماعة الإخوان بأعضاء جدد وأعضاء كثر.
يقول الأخ عبد المنعم : (لقد كان الإخوان بيتا ملأ شبابُ الجماعة الإسلامية فراغه، وضخوا فيه الدماء ونصبوا قادة الإخوان عليه مجددا… ومن ساعتها أصبح تنظيم الجماعة الإسلامية الذي بنينا هيكله في المحافظات هو تنظيم الإخوان المسلمين… بدأنا نطلب من كل خريج أن يرجع إلى محافظته خارج القاهرة ليتصل بالقيادة الجديدة للجماعة في محافظته، وكنّا نوجه الإخوة إلى الاتصال بقائده في الجماعة الإسلامية الذي يقوم بتسليمه (!!!) للمسئول الجديد من قيادات الإخوان التاريخية. وكانت قيادات الإخوان في المحافظات المختلفة وقتها تتسلم هؤلاء الخريجين من مسئولي الجماعة الإسلامية.)
هكذا كان دور الأخ عبد المنعم ومن انضم معه من قيادات الجماعة الإسلامية للإخوان. مجرد تسليم من معهم من الشباب لأعضاء قدامى في الإخوان ليكونوا أمراء لشباب نقي منكِر لذاته يهرب من الزعامة التي لم يتورع عنها غيره، بل كان هذا الغير للأسف حريصا عليها ساعيا لها ملحا على نيلها ويقول أيضا: (لم يكن هناك تنظيم إخواني بالمعنى الذي تعنيه كلمة “تنظيم”، وإنما كان هناك مجموعة أفراد أو قيادات تاريخية تسلمت منّا قيادة التنظيم الحقيقي الموجود في الواقع، وأعني به الجماعة الإسلامية.)
فهل احتاط الأخ عبد المنعم للشباب الذي أولاه ثقته وهو يدفع به أو قل يستدرجه للإخوان. هل عرف كيف ستتصرف قيادات الإخوان بهم. هل سأل: ما هو مشروع الإخوان وما هي خطتهم وما هو سبب هزيمتهم ثلاث مرات من قبل وكيف سيتلافون الهزيمة في المرة التالية؟ هل بحث عن العهود التي كانت بينهم وبين الأنظمة والتي بموجبها تم إنهاء محنة 48 التي اغتيل فيها الشيخ البنا؟ ثم ما هي العهود التي بينهم وبين السادات والتي بموجبها أخرجهم من السجون؟ وما هي القيود المفروضة عليهم للسماح لهم بالعودة؟ هل كان يعلم شيئا عن الصراع الداخلي بين إخوان التنظيم الخاص بقيادة الحاج مصطفى مشهور وبين إخوان العلانية بقيادة الأستاذ عمر التلمساني رحم الله الجميع.
لم يذكر الأخ عبد المنعم ولا غيره شيئا من ذلك. لأنه للأسف لم يكن هناك أي شيء من ذلك. كان هناك إعجاب وتقدير لأناس تحملوا محنة طويلة يتميزون بالتواضع، حتى إن الحاج مصطفى مع سنه الكبير يركب خلف شاب على الموتوسيكل ليوفر للجماعة أجرة تاكسي، ويتميزون أيضا بسعة الصدر حتى إن بعضهم أطلق لحيته لما وجد الشباب الذين يسعى لضمهم للإخوان مهتما بهذه الأمور، ويتميز قائدهم الظاهر الأستاذ عمر بالوضوح والصراحة، فلم يجامل الشباب في أمور لا يقتنع بها فيجهر – غفر الله لنا وله – بأنه يسمع الموسيقى.
نعم قد تكون أكثر هذه الصفات رائعة ولكنها ليست بالتأكيد كافية ليكون الإنسان قائدا. وللتاريخ وإنصافا لهؤلاء الشباب أقول: إنهم اقتتعوا بمقولة كثر تردادها وقتها وهي: مرحبا بك لتصلح جماعة الإخوان من داخلها. لكنهم اكتشفوا متأخرين للأسف أن القيادات القديمة يصعب جدا – بل قد يستحيل – تغيير قناعاتها ومنهجها وطريقتها، وأنها هي التي تُغيِّر أتباعها الجدد أو تنبذهم، وقد حدث الأمران للأسف مع غالب قيادات الجماعة الإسلامية المنضمين للإخوان، فقد فشلوا في تغيير الإخوان، بل غيرتهم هي، ومع ذلك طردت أكثرهم أو اضطروا للاستقالة والانزواء. فلا الأخ عبد المنعم ولا الأخ الزعفراني ولا الأخ محيي الدين عيسى ولا عشرات غيرهم أعضاء اليوم بالإخوان.
عدنا للسياق: انضم للإخوان إذن جزء من قيادات الجماعة ورفض آخرون. وهؤلاء تم استيعابهم ومحاولة السيطرة على تحركاتهم عن طريق تشكيل قيادة عامة للجماعة – مجلس شورى – وتنصيب شاب منضم للإخوان سرا ليكون قائدا لهم. يقول الأخ محيي الدين عيسى عن تأسيس مجلس الشورى هذا: لاقت الفكرة ترحيبًا منا، فلأول مرة نستشعر أننا أصبحنا كِيانًا كبيرًا له مجلس شورى وأمير، ثم رشَّح الأخ عبد المنعم الأخ حلمي الجزار ليكون هو أميرًا عامًا للجماعة الإسلامية على مستوى الجمهورية، وعلى بركة الله وبدون بيعة أو غيرها صارت لنا جماعة، ولها أمير، ومجلس شورى.
والواقع أنه تبيَّن فيما بعد أن ما حدث كان بترتيب مع الإخوان دون علمنا، وقد ذكرنا من قبل قوله: (وقد أراد الإخوان أن يُحكِموا سيطرتهم على الجماعة الإسلامية، فتم الاتفاق مع المجموعة القليلة التي انضمت إلى الإخوان في السر… وتم تشكيل هذا الكيان للجماعة الإسلامية، ووُضع على رأسه الأخ حلمي الجزار، ولم يكن أحد منا يعلم شيئا عن هذا، وبذلك أصبحت الجماعة الإسلامية دون أن تدري تحت قيادة الإخوان المسلمين.
(69)
لكن مجلس الشورى الوليد أضاع مصداقيته سريعا عندما اختار رئيسُه وبعض أعضائه أن يلعبوا دور المقصلة التي ستطيح برقاب القيادات التي رفضت الانضمام للإخوان. وكانت مأساة جامعة الأزهر هي الكاشفة لهذا الدور المعيب للمجلس الجديد. فقد شكل الأخ حلمي الجزار – الذي عينه الأخ أبو الفتوح رئيسا للمجلس – شكل لجنة من بعض أعضاء المجلس – المنضمين سرا للإخوان مثله – لمحاسبة وعزل أمير جامعة الأزهر الأخ عبد الله سعد وكان وقتها طالبا بطب الأزهر. وقد عرفت بهذا الأمر أثناء زيارة خاطفة قمت بها لجامعة القاهرة ومكثت فيها سويعات بغرفة الأخ حلمي الجزار بالمدينة الجامعية.
لم يكن الرجل بغرفته ولكني التقيت هناك بأمير إحدى الجامعات والذي كان عضوا بهذه اللجنة أو رئيسا لها – لا أذكر بالتحديد – كان محبطا وأخذ ينعي على الأخ عبد الله سعد أنه ادعى المرض للهروب من المثول أمام لجنة التحقيق. ثم راح يؤكد أن حب الرئاسة تملك من قلب الأخ. لكن ما علاقة حب الرئاسة بالتحقيق !! هذا ما فهمته بعد ذلك، فقد كانت اللجنة ذاهبة لعزل الأخ عبد الله سعد من إمارة جامعة الأزهر، وإعلان ذلك في مسجد المدينة الجامعية أمام جموع الطلاب. هذا رغم أن مجلس الشورى لم يكن من مهامه مطلقا عزل أو تعيين أمراء الجامعات، فهذه موكولة بأعضاء الجماعة في كل جامعة، وكما اختار طلاب الجماعة بجامعة القاهرة الأخ عبد المنعم ثم الأخ عصام العريان قادة لهم فقد اختار طلاب جامعة الأزهر الأخ عبد الله أميرا عليهم، وهم وحدهم أصحاب الحق في عزله إن طرأ ما يستوجب عزله. كما عزلنا من قبل في أسيوط الأخ أسامة سيد من الإمارة بانتخابات شفافة وفي معسكر علني حضرة حوالي مائتين من قيادات العمل الإسلامي وكوادره النشطة، وقد كان إجراء هذه الانتخابات أمرا متفقا عليه بين القيادات العليا بأسيوط وقتها بما فيهم الأخ أسامة سيد نفسه.
وبالإضافة إلى ما سبق – من أن مثل هذا الإجراء ليس مشروعا ولا يليق بقيادات العمل الإسلامي في الجامعات أن يشاركوا فيه – فإن دور الأخ عبد الله سعد في جامعة الأزهر تحديدا كان يستحق الإشادة والتقدير والدعم. وقد نقلت لكم شهادة الأخ عبد المنعم بحقه عندما ذكر القيادات التي رفضت الانضمام للإخوان فقال: وعبد الله سعد الذي كان نشطا جدا بجامعة الأزهر) فهل عدم الانضمام للإخوان يهدم كل حسنات الإنسان، بل ويكون مبررا لاغتياله معنويا واتهامه بشتى التهم؟) لكن الأخ عبد الله تحمل بجلد وصبر كل ذلك واحتوى الهزة التي أحدثوها في جامعة الأزهر والتي تجرأ خلالها صغار عليه وطعنوا في ذمته المالية. ومرت أعوام طوال بل عقود ثم التقيت برجل الأعمال الناجح د/عبد الله سعد صاحب مشروع الريف الأوروبي الذي كان بعض السفهاء يسألونه كيف يكون في خزانة ملابسه أكثر من (بدلة) الخلاصة أن قيادات جامعة الأزهر – على عكس معظم قيادات جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس- رفضت الانضمام للإخوان.
أما قيادات الصعيد بجامعتي أسيوط والمنيا فقد كانت اعتراضاتهم على الاندماج بالإخوان – أو قل الانضمام للإخوان – تتركز في موقف قيادات الإخوان من النظام الحاكم، ومدى استعدادهم للتعامل مع موجة البطش القادمة التي كان الجميع يتوقعها ولا يدري أحد متى تأتي، نعم كان هناك اعتراضات على التساهل في الأحكام الشرعية والميل للأخذ بالرخص والأقوال الشاذة بما يتعارض مع فهم الشباب من أن هذا الدين لا ينصره إلا من أخذه بقوة. لكن ظلت قضية الجدية في الاستعداد للمواجهة القادمة هي الفارقة في الإجابة على سؤال: هل يمكن أن نفكر في الانضمام للإخوان ؟؟
كانت العبارة الشهيرة التي تتردد بكثرة على لسان قيادات الإخوان وقتها وهي قولهم: (شنطتي جاهزة) والتي كانوا يقصدون بها أنهم مستعدون للذهاب للمعتقل، كانت هذه العبارة مرفوضة من شباب الجماعة الإسلامية بطول الصعيد وعرضه. فالله تعالى أمرنا بإعداد ما استطعنا من قوة للجهاد لا بإعداد حقائب للاعتقال !!
وللتغلب على هذه العقبة ولاحتواء هذه الحماسة والجدية الغالبة على الشباب في الصعيد ادعى قيادات من جماعة الإخوان أنهم بالفعل يتجهزون. يحكي الأخ أبو العلا ماضي من قيادات المنيا – في حوار بالصوت والصورة موجود على اليوتيوب – أنه سأل الأستاذ (م. م.) من كبار قيادات الإخوان هل للإخوان تنظيم داخل الجيش، فأكد له وجود مثل هذا التنظيم، كان هذا غير حقيقي بالطبع، فيما بعد علمنا أن دعوة ضباط الجيش هو أحد الخطوط الحمراء التي لا يستطيع الإخوان تجاوزها، وقد سمعت قيادات أسيوط أيضا مزاعم كهذه لكنها لم تعول عليها وأغلقت ملف الانضمام للإخوان. أما بعض قيادات المنيا وعلى رأسهم الأخوان محيي الدين وأبو العلا فقد اختاروا الانضمام وكان الانضمام سرا كالعادة. أما سبب انضمامهم فكان عجيبا كما سنرى.
(70)
فقد ذكر كل من الأخوين المذكورين في مواضع عدة من مذكراتهما وفي أحاديث مسجلة أن الذي دفعهم للانضمام للإخوان المسلمين هو خوفهم من تهور الأخ كرم زهدي مما قد يؤدي إلى الزج بالجماعة الإسلامية كلها في مواجهة غير محسوبة العواقب مع الدولة. يقول الأخ أبو العلا في حوار مسجل منشور إن الأخ كرم عرض عليهما أثناء اعتقالهم عام 1979 تكوين جناح عسكري للجماعة يكون هو المسؤول عنه بينما يكون الأخ محيي مسؤولا عن العمل الدعوي العام المعلن. كانت هذه الفكرة مثار فزع لهما خاصة وهما ينقمان على الأخ كرم شجاعته المفرطة التي تتجاوز الحد فتصل إلى حافة التهور بل قد تتعداها. والحقيقة أن الاندفاع كان سمة عامة في كثير من قيادات المنيا وعلى رأسهم الأخ محيي عيسى الذي هدد يوما ما في مكبرات الصوت بقتل رهائن احتجزهم داخل المدينة الجامعية في حال لم تفك قوات الأمن حصارها عن المدينة وتطلق سراح من اعتقلتهم من الجماعة. نعم تراجع الأخ محيي بعد سويعات عن تهديداته لكن مجرد إطلاق هذه التهديدات كاف للتعرف على اندفاعه وجرأته. والمقصود أن قيادات المنيا كانت تحتاج جميعها تقريبا إلى مزيد انضباط وتريث. لكن الأهم من ذلك أنهم كانوا يستطيعون كبح جماح أي واحد منهم، فلم يكن بمقدور الأخ كرم ولا غيره الذهاب بعيدًا لصنع مواجهة كبرى مع النظام دون موافقة باقي القادة وخاصة الأخ محيي.
نعم يطلق الأخ كرم مبادرات جريئة ويطرح أفكارا قد يكون بعضها صادما، ويدافع عن آرائه بقوة ويطيل النفس في محاولة الوصول لمراده، لكنه في النهاية لا يستطيع بناء مشروع كبير كإنشاء تنظيم خاص للجماعة وتسليحه دون موافقة من معه من قادة. أما الفكرة في حد ذاتها فليست مستنكرة فقد تبناها الشيخ البنا رحمه الله من قبل وأنشأ تنظيما خاصا، بل أنشأ تنظيمين أحدهما في الجيش بقيادة الصاغ محمود لبيب والآخر مدني بقيادة عبد الرحمن السندي. وكان جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وخالد محيي الدين ضمن الخلية الأولى لهذا التنظيم التي بايعت على المصحف والمسدس، وكان عدد أفراد هذه الخلية سبعة. وقد شكل هؤلاء الثلاثة المذكورون فيما بعد تنظيم الضباط الأحرار وهو تنظيم سري داخل الجيش على غرار تنظيم الضباط الإخوان الذي انفصل ثلاثتهم عنه. وقد نجح هذا التنظيم الجديد في الاستيلاء على السلطة وساعدهم في ذلك زملاؤهم القدامى من الإخوان مثل عبد المنعم عبد الرؤوف الضابط الإخواني الذي حاصر قصر رأس التين وأجبر الملك على التنازل عن العرش والرحيل عن البلاد. بل إن عبد المنعم عبد الرؤوف وآخرين كانوا قادرين على انتزاع السلطة من يد عبد الناصر وتنظيمه أو على الأقل التخلص منهم لما لاحت بوادر غدر عبد الناصر بالإخوان. والذي رفض ذلك هم قادة الجماعة وقتها !!
المقصود هنا هو أن فكرة التنظيم الخاص لم تكن مبتدعة ولا خيالية، وأيضا قدرة النظام الخاص على تغيير الواقع برمته أو على الأقل كف يد السلطة الغاشمة عن الصحوة الإسلامية لم تكن مستحيلة، وقد تحقق ذلك عام 1981 كما سنرى إن شاء الله.بالتأكيد ستكون هناك تضحيات وأثمان يحب أن تدفع من جراء العمل بهذه الفكرة، لكن هناك أيضا شرور ستدفع ومفاسد ستمنع. لكن يبدو أن الداء العضال الذي حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو (حب الدنيا وكراهية الموت) كان قد تسلل للقلوب خلسة فصار قسم من شباب الصحوة الإسلامية يبحث عن ملجأ يبقيه داخل تيار الصلاح لكن بلا تكلفة أو بتكلفة محدودة هينة. وهنا تكون فكرة التنظيم الخاص فكرة مجنونة يستدعي مجرد طرحها للنقاش داخل هيئة قيادية مفزعا لدرجة هروب بعض أعضائها لجماعة أخرى أكثر أمنًا!!
عدنا للسياق: وسرا أيضا ارتحل الأخ محيي والأخ أبو العلا إلى الإخوان المسلمين واستطاعا إقناع اثنين وخمسين أخا من شباب الجماعة الإسلامية بجامعة المنيا بالرحيل معهما، ويحكي الأخ محيي في أكثر من موضع من مذكراته التي نشرها تباعا على صفحته أن الأستاذ عمر التلمساني فرح عندما سمع بهذا العدد. لكن هذا العدد أخذ في الازدياد بمضي الوقت وإن اختلفت الأسباب التي دفعت الملتحقين للرحيل. بعدها صارت المنيا على عكس أسيوط حلقة جدال موسعة بين الراحلين والباقين، ومع تصاعد الجدل ديست وأهدرت قيم إسلامية ومعانٍ راقية كانت سائدة لسنوات طوال بين أعضاء الجسد الواحد الذي تفرق. وصارت الحزبية بمساوئها وآفاتها هي السمة الغالبة ليس في المنيا، فحسب بل في كل موطن حصل فيه هذا الخلاف، ولا أريد أن أفصل القول في هذا الأمر ليس فقط سترا لسمعة الإسلام الذي مثله هؤلاء سنوات طوالا أمام الناس. لكن أيضا لأن تفصيلاته مؤذية للقارئ وللكاتب أيضا.
(يتبع إن شاء الله)