(السيف والقلم)
(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)
(56)
لكني كعاشق للحبيب الأول (جامعة أسيوط) لم أطق فراقها طويلا فرحت أحوم حولها وأطلب وصلها. فسافرت متخفيا عدة مرات إليها رغم علمي بأني مطلوب القبض علي. كنت أخفي لحيتي تحت لثام محكم وأنطلق في ليالي الشتاء الباردة تارة في عربة نقل وتارة في سيارة أجرة فأتسلل تحت جنح الظلام حتى أصل لأحد الشقق الطلابية لإخواني الأقربين. فأمكث عدة ليال أتعرف على أحوال الجامعة وأعرف الأخبار ثم أرتب مع بعض الإخوة المغامرين زيارة خاطفة لأحد مباني المدينة الجامعية نصلي مع الطلاب ونلقي كلمة قصيرة عقب الصلاة ونمضي قبل أن يتم إبلاغ الأمن فيحاصرنا. نعم كان هناك حرس عند البوابات لكنهم كانوا لا يستطيعون منعنا بسبب عامل المفاجأة.
شيئا فشيئا رحت أصلي بعض الفروض بمسجد الجمعية الشرعية أو بغيره. كان البلاغ يذهب للأمن متأخرا بعدما أكون قد اختفيت من المكان. لكنهم بدأوا يجهزون لي كمينا كما سيأتي.
مرة سافرنا سوهاج من محطة قطار أسيوط. ودخول المحطة بذاته مغامرة وركوب قطار معلوم مغامرة أكبر فمن فاته إدراكنا في المحطة لن يفوته انتظارنا في محطات تالية. وقد شجعني على ذلك الأخ (أ ر) وكان رفيقي في هذه الرحلة. فتربصنا عند السور الخلفي للمحطة فلما قدم القطار أسرعنا بركوبه فرأينا الفزع. لم نفزع نحن، بل فزع شباب وفتيات كانوا يملؤون عربة من عربات القطار. كانت رحلة مختلطة انطلقت سرا من كلية الصيدلة وهي كلية رفيقي (أ ر). كان وجودنا كافيا ليتوجس هؤلاء شرا. وقد ظل التوتر مسيطرا عليهم طوال يوم الرحلة وهم يشاهدوننا نترجل من القطار حيث ترجلوا هم في سوهاج. فلما انقضى اليوم دون أن تداهمهم جحافل الجماعة هناك -حيث تصوروا أني سأحرضهم عليهم- قالوا إذن سننال جزائنا في رحلة الرجوع وأبلغت مديريتا أمن سوهاج وأسيوط فتم تأمين محطتي القطار أما المحطات التي يقف فيها القطار بينهما فكانت لحظات بكاء من الطالبات وتمترس خلف الأبواب من الطلاب.ثم كان الفخ الذي وقعت فيه في إحدى زياراتي لأسيوط فبعد صلاة الظهر جاءني شاب بمسجد الجمعية الشرعية وقال هناك كمين ينتظرك قريبا من المسجد. فأرسلت أحضر تاكسي لأستقله من عند الباب فتأخر وقالت لي نفسي أتخاف منهم فخرجت مرتين مرة عاينت الشارع من فوق المدخل المرتفع للمسجد فلما رأيت مخبرا يحوم أمام البوابة شتمته وتوعدته ثم لما تأخر التاكسي خرجت مشيا وبعد حوالي ثلاثين مترا أرسل إخواني بالمسجد التاكسي ورائي وبالفعل ركبته في اللحظة التي صاح بها مخبر بجوار باب السائق آمرا إياه بالتوقف فأمرته بالانطلاق ففتح المخبر باب التاكسي الخلفي وقفز داخله وصاح بالسائق انطلق فصحت به توقف ونزلت لأجد حوالي عشرة يحيطون بي من كل جانب ناورت محاولا الهرب بلا فائدة. في الطريق إلى قسم ثاني أسيوط جعلت أوبخهم وأبين لهم عاقبة الظلم
ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد تذكرت وأنا جالس في غرفة الضابط أن معي مصنف الأم للشافعي وأني كنت أقرأ في كتاب الجهاد وأضع خطوطا تحت بعض المسائل ولما كنت أتوقع مصادرة الكتاب ولما خشيت أن يقلبوا صفحاته قلت لأضع خطوطا تحت مسائل في أبواب أخر. فقلت لهم سأقرأ ريثما تنتهي الإجراءات ورحت أضع خطوطا كثيرة في صفحات عديدة. وكان هذا آخر العهد بهذه النسخة.مكثت عشرة أيام أنتقل من حجز انفرادي قذر لحجز آخر قذر أيضا فلا حمام داخل الحجز والضيوف السابقون كانوا يتعاملون مع غرفة الحجز وكأنها الخلاء الذي يقضي فيه الناس حاجتهم. كانوا معذورين.
في أول يوم هونت على نفسي بأني سأعرض غدا وفق القانون على النيابة فإما أن ترسلني للسجن وإما إخلاء سبيل. سرعان ما تذكرت أن اليوم هو الخميس وغدا إجازة. وفي يوم السبت منحني وكيل النيابة أربعة أيام على ذمة التحقيقات قلت بسيطة مضى يومان. وسأكمل يومين في السجن. ففوجئت بهم يعودون بي للحجز لأن الوقت تأخر والسجن أغلق بابه. يا إلهي صار السجن أمنية.. وأمنية لا تريد أن تتحقق!! في اليوم الرابع ذهبت للسجن أهيرا٠ لأسكن في زنزانة انفرادية صغيرة وضعوا فيها أربعة أو ستة من الإخوة (لا أذكر) سمعت لأول مرة مصطلحات الجراية والقروانة وغيرها.صباح اليوم التالي عرضت على قاض فسألني عن تهمة تحطيم السور فقلت، بل أنا من أنقذت السور. فنفحني إخلاء سبيل لأتفاجأ أنه لا إخلاء ولا سبيل إلا للحجز مرة ثانية. هذه المرة حجز الترحيلات لأنني مفصول من الجامعة فلا علاقة لي بأسيوط فيحب ترحيلي للمنيا. وكأن أسيوط جمهورية مستقلة لا يدخلها غير رعاياها لسبب وبإذن مسبق.
كان حجز الترحيلات نظيفا بعض الشيء فقد كان به ما يمكن تسميته حماما. لكن في كل حجز مررت به لا يوجد أي فرش أو غطاء أو آنية طعام. فقط أنت والأرض والحوائط وشباك مرتفع كنت أعجب كلما تسلل منه عصفور كيف ترك الحرية وجاء بجناحيه للسجن.
(57)
في اليوم التاسع وفي موكب أمني صغير ذهبت للمنيا. كان المقرر أن يتم ذلك بقطار الترحيلات الأكثر سوءا لكن كلمات تنديد ورفض لترحيلي بهذه الطريقة قيلت في اللقاء الأسبوعي للجماعة في الجمعية الشرعية جعلتهم يعتقدون أن إخواني -وقد عرفوا موعد القطار- سيهاجمونه لإنقاذي. مع أن القاضي أطلق سراحي فعلا منذ أربعة أيام!! ولما جاء ضابط الترحيلات لاستلام المفرج عنه اضطرب وقال إنه خائف أن أقتله بسلاح أخفيه. ضحكت وقلت أنا معكم منذ تسعة أيام. وفي المنيا كان لا بد من ليلة أخرى في قسم شرطتها (يسمونه البندر) بعد مرور على أمن الدولة التي لم أقابل فيها أحدا ثم المباحث الجنائية التي استقبلني أحد ضباطها بصلف ثم تراجع قائلا يبدو أنك ابن ناس.
وفي الصباح تم استدعاء الوالد وهو شيء لم يحدث وأنا في المدرسة الابتدائية عندما ضربت زميلا وشى بي وشاية كاذبة عند مدرس فألقيته أرضا مغشيا عليه ونقل للمستشفى. هذا المنحنى المتصاعد في المواجهات سواء في أسيوط أو المنيا وفي محافظات أخرى (وإن بمعدل أخف) أقنعنا بأن هذا النظام ذاهب لا محالة للمواجهة الشاملة وصدقت توقعاتنا. فإذا أضفت لذلك قناعة راسخة بأن هذه الأنظمة لن تسمح بإقامة الدين وستظل تطرده وتطارده بعيدا عن التشريع والحكم والسياسة والاقتصاد والسلم والحرب بينما الواجب على الخلائق تحكيم شرع رب العالمين في كل المجالات السابقة وغيرها فستقتنع بأن الواجب على الأمة عزل هؤلاء وتنصيب من يحكم بالشرع. لكن هؤلاء متشبثون بالسلطة مدججون بالسلاح ومن نازعهم الملك قتلوه بلا رحمة. لم يبق إلا أن يمتلك أهل الحق أسباب القوة لمجابهة هؤلاء. هكذا تشكلت القناعات الشرعية وعضدتها الممارسات الواقعية. بل هذا ما تمليه الفطرة السوية. لا أريد أن تتحول هذه الصفحات لدروس علمية تطرح فيها الأدلة الشرعية على مثل هذه المسائل. فمن شاء فليراجع ميثاق العمل الإسلامي وحكم الطائفة الممتنعة وأصناف الحكام.كانت هذه القناعات هي السائدة عند كل قيادات وأبناء الصحوة الإسلامية في شمال مصر، وجنوبها، وشرقها، وغربها. وستجد ذلك واضحا في مذكرات الأخ عبد المنعم أبو الفتوح وغيره من قيادات هذه المرحلة الذين اختاروا بعد ذلك الانضمام للإخوان سرا ثم علانية. وكانت هي أيضا قناعة من شكلوا التيارات السلفية ممن كانوا داخل إطار الجماعة الإسلامية الكبرى التي تمزقت، بل مزقت. وقد جالست أحد أقطاب هذا التيار مرارا وكان كلامه واضحا أنه لا بد من تربية الشباب وإعداد العدة لمجابهة هؤلاء الحكام.
كانت حكاية عبد الناصر والإخوان ماثلة في أذهان الجميع حاضرة في وعيهم. وكان الإصرار على ألا نكرر الأخطاء ولا نسمح بتكرار المأساة متمكنا من القلوب شاحذا للعزائم. وكانت كلمات الناس حولنا التي تؤكد أن مصيرنا سيكون كمصير من سبقنا كانت هذه الكلمات تنبهنا إذا تغافلنا.لكن الفرقة التي هي شر أصلا جرت شرورا أخرى. منها أن صار أكثر من ثلثي الصحوة المعاصرة يبحثون عن مبررات لمهادنة هذه الأنظمة وترك ما أوجبه الله من الإعداد والاستعداد لمواجهتها. طامعين في أن موقفا مائعا كهذا سينجيهم من المقصلة. كانوا واهمين.
وبقينا وحدنا!!《الفصل السادس》
《الدعوة مستمرة》
رغم المواجهات التي حكيت طرفا منها فقد استمرت الدعوة لكن مع صعوبات ومعوقات. فإن توقفت في جامعة ما لأشهر عديدة قويت في جامعات أخرى وإن تعطلت في مدينة اشتدت في القرى حولها. فلنعد للسياق التاريخي مع الدعوة في جامعة أسيوط ومدينتها.ففي بدايات العام الجامعي (80/79) عقدنا مؤتمرا في الجامعة الجديدة واستضفنا رموزا من جامعات أخرى. لم نعطل الدراسة في هذا اليوم. فلم يكن من عادتنا تعطيل الدراسة لأجل المؤتمرات. لكن أعضاء هيئة التدريس والطلاب هم الذين عطلوها وجاؤوا زرافات ووحدانا لمتابعة المؤتمر. بل قيل إن نائب رئيس الجامعة اختبأ في مكتب أحد أصدقائه من أعضاء هيئة التدريس ليستمع بحيث يرانا ولا نراه. كان الحضور مهيبا وكانت الكلمات مؤثرة وفوجئنا ببعض وكالات الأنباء العالمية تغطي المؤتمر بكاميراتها. بالمناسبة ليست تغطية هذه الوكالات بريئة أو محايدة ففي الأغلب يكون هدفهم تخويف الغرب مما يحدث في مصر وتحريض السلطات على الحركة الإسلامية.
بعد هذا المؤتمر أصبح واضحا أن الدعوة تمكنت من قلوب وعقول إخواننا الطلاب، بل وأعضاء هيئة التدريس. فوجدنا أننا الأحق بالمسجد الذي يقع على مدخل الجامعة وأمام مدينتها مباشرة خاصة وأن كل رواده من الطلاب والأساتذة. فأخبرنا الأوقاف أن خطيب الجمعة سيكون منا فرفضوا وشددوا في الأمر حتى استوقفني أحد كبارهم في الطريق ومعه ثلة من الأئمة ليخبرني أن المسجد لن يكون لنا فقلت، بل سيكون فصاح يا ناجح لا تأخذوا المسجد قلت (أنا مش ناجح) فصاح (ناجح واللا ساقط هاعملك إيه) فقلت سنأخذه. وقد كان
(58)
في هذا العام الجامعي زار الشيخ الشعراوي أسيوط. لم نكن نعلم بالزيارة مسبقا وإنما علمنا بها وهو في القطار. فقد كنت عائدا من زيارة لأسرتي بصحبة شابين يكبرانني من كلية الطب فسمعنا من الركاب أن الشيخ الشعراوي يركب نفس القطار ذاهبا لأسيوط فذهبنا نفتش عربات الدرجة الأولى حتى عثرنا عليه في رفقة من مريديه يتقدمهم عقيد بالقوات المسلحة. رحبنا به ورحب بنا ودار حديث ودي حتى قال أحد صاحبي إننا نريد أن نجلس معه على انفراد في أسيوط. توجس الشعراوي شرا أو لنقل إنه خاف أن يتوجس الأمن شرا إن هو قبل الاجتماع سرا بالجماعة الإسلامية. فقال بسرعة ولماذا على انفراد قل ما تشاء الآن فارتبك صاحبنا وضغط عليه مرافقو الشعراوي ليتكلم فقال مضطربا إنه غير جاهز الآن للكلام. لا أدري لماذا هاجمه الشيخ الشعراوي وقتها قائلا كنت أظن ما في قلبكم على لسانكم. فقررت الرد فقلت لا يا مولانا ليس الأمر كذلك لكن كما تعلم فضيلتكم هناك أمور لا يصح إثارتها أمام العامة فقال الشعراوي قلها قلت منبها لا يصح أمام العامة فأصر قائلا قل. وانطلقت جوقة المريدين حوله تطالبنا بأن نقول -هذا وركاب العربة كلها يتطلعون بشغف- فقلبت الطاولة على الجوقة قائلا موضوع قبول الوزارة يا مولانا.
(وقد كان السادات عينه وزيرا للأوقاف بعد ما لمع نجمه في سماء الدعوة ولم يستمر في المنصب طويلا)كنت كمن ضغط على زر تفجير. هاج الرجل وماج وقام وقعد، يضرب بيد على مسند كرسيه ويهب واقفا ملوحا بيده الأخرى قائلا بعصبية وأنت مالك، ثم يجلس، ثم يكرر القيام وبنفس العصبية يقول وأنت ما شأنك. ثم ثالثة وأنت ما دخلك. قوم استدعوني للعمل معهم فقلت لعل الله هداهم. وانطلقت الجوقة المرافقة تلومنا وصاح بعض الركاب نريد استفتاء الشيخ فكان ترك المجال للأسئلة الفقهية هو المخرج الملائم. وجاء أول المستفتين يسأل بثقة عن حكم شهادات الاستثمار فصاح الشيخ منفعلا (ما احنا قلنا حرام) فرأيت الرجل ينكمش متراجعا مادا يده كالمتوسل (المجموعة ج يا مولانا) فجاءه الرد بنفس الانفعال (قلنا حرام) فانسحب ورضي من الغنيمة بالإياب.
بعدها بيوم أو يومين كان قصر ثقافة أسيوط على موعد مع محاضرة للشيخ. ذهبت ففوجئت بالجماهير تحيط بالمكان ولما شققت طريقي نحو البوابة وجدت القيادات الأمنية والتنفيذية تحاول فتفشل في إقناع الناس بالانصراف لأنه لا يوجد مكان بالداخل لا لجالس ولا لواقف. والناس تأبى الانصراف وتضغط على واجهة المبنى وبواباته الزجاجية. فأعلموهم أن الشيخ لن يحضر طالما هناك تجمهر فلم ينصرفوا فقالوا سنعقد لقاء كبيرا للشيخ بعد غد الثلاثاء بإستاد الجامعة ليتسع للجميع فلم يتحرك أحد من مكانه. عندها طلبت من الواقفين فتح البوابة لأدخل. دخلت وليس لدي خطة محددة للتصرف مع موقف كهذا. وعندما دلفت للداخل وجدت بالفعل القاعتين السفلى والعليا ممتلئتين ووجدت الأخ (م ع) على المسرح ممسكا بالميكروفون يخاطب من بالخارج بأنه لا يوجد مكان. طلبت منه الميكروفون وقلت هل عملنا بكل ما نعلمه من الدين وجئنا اليوم لنتعلم شيئا جديدا من الشيخ الشعراوي لنعمل به. فلنعمل بما علمنا أولا. ثم قلت من كان سامعا مطيعا لأمير الجماعة الإسلامية بأسيوط فلينصرف. قلتها على أمل أن ينصرف بعض الواقفين بالخارج. ففوجئت بأصوات ارتطام داخل القاعة ولم أصدق ما أراه لقد قام كثير من الجالسين أمامي وفي القاعة التي تعلوني فراحت كراسي المسرح تصفق وهي تغلق.
ثم فوجئت بالشيخ الشعراوي جالسا خلف مكتب متواضع على يميني فلم أدر متى دخل خشبة المسرح وهل سمع شيئا من كلامي وأنا أصرف الناس عنه أم لا. ذهبت إليه متسائلا هل هناك محاضرة له بالفعل في الجامعة بعد غد فأجاب لو طلبوا مني سأفعل. فقلت أرجو ألا يكون في صدركم شيء مما حدث في القطار فقال بهدوء ليس في صدري شيء ليس في صدري شيء. وأثناء خروجي رمقني حكمدار أسيوط بنظرة لا أنساها.
لم نكن محتاجين لكثير تردد ولا لقليله حتى نحسم أمرنا أننا نحن لا الجامعة من سينظم ويدير محاضرة الثلاثاء. هم نصبوا صيوانا ضخما للغاية ورصوه بكراسي لا حصر لها وأنشأوا منصة عالية لكن التنظيم والكلمات والهتافات لنا نحن فقط.قبل الموعد كان لنا لقاء ليس بالجيد مع د (خ ع) وله معنا حكاية تأتي إن شاء الله. كان معترضا بشدة لاستضافتنا الشعراوي وتقديمه للطلاب ونحن لنا مؤاخذات على الشعراوي. فقلت له المحافظة والأمن هم من قرروا ولسنا نحن قال فلماذا لا تقاطعون قلت سيبرز آخرون ويتصدر للحديث من لا أهلية له ولا ثقة فيه أصلا. وستحضر أجهزة الأمن من تشاء وتقدمه للناس. أصر بغرابة على رأيه. فلم أوافقه وانصرفت. فيما بعد عرفت أن هناك عداوة بين الإخوان المسلمين وبين الشعراوي. حتى إنهم على غلاف مجلتهم (الدعوة) نشروا له صورة قديمة يمسك سيجارة!!
(59)
أما نحن فلم نكن من خصوم الشعراوي ولا من دراويشه. كان للرجل حسناته وقد وضع الله له قبولا في الأرض كما كانت عليه مآخذ.
ومن هذا المنطلق تعاملنا معه سواء في هذه الواقعة أو فيما هو آت بعد أعوام.تجهزنا لإدارة المشهد وأرسلنا للشيخ السويفي ندعوه ليلقي كلمة قبيل محاضرة الشعراوي واتفقت مع الأخ (م ع) الذي سبق ذكره قريبا أن يقول كلمة مختصرة جدا يصعد لأجلها المنصة بعد المحاضرة مباشرة وبينما الشيخ الشعراوي والحضور يتأهب للانصراف يثني على كلمة الشيخ ثم يقول أنا لا أصدق الإعلام المصري الذي نسب للشيخ أنه قال عن السادات لو كان الأمر بيدي لرفعته إلى منزلة من لا يسأل (بضم الياء) عما يفعل.
تصورت أن كلمة كهذه ستخفف افتتان العامة بالرجل ولن تستفزه للرد لأنها جاءت تكذب ما نسب إليه. لا أدافع الآن عن هذه الفكرة وإنما أحكي ما كان. بدأ الشيخ السويفي كلمته وكانت عن العلماء في مواجهة الحكام. وبعد دقائق جاءني رسول وراء رسول يسأل متى ينتهي الشيخ من كلمته ليحضروا الشيخ الشعراوي وفي النهاية أحضروه والكلمة مستمرة. وما إن دخل الشيخ من بوابة (الصوان) الجانبية الواسعة حتى انطلق الهتاف من مكبرات الصوت اليدوية فرددت الجماهير التي قدرت بعشرين ألفا وقتها بصوت مزلزل: (الله أو الدمار) (الله أو الدمار) (الله أو الدمار) أشهد أن الشيخ الشعراوي خفض قامته من رهبة الهتاف المدوي. وأشهد أيضا أن الشيخ السويفي أكمل مسرعا وقد انخفض صوته وكأنما نالت منه هيبة الشيخ الشعراوي.وعندما بدأ الشيخ محاضرته ورأيت أن الأمور تسير على ما يرام خرجت أحوم حول المكان. فلقيني د/عبد الرازق حسن وكان لا يزال نائبا لرئيس الجامعة وهو أيضا أمين الحزب الوطني بالمحافظة ومعه لواء قال إنه نائب مدير الأمن. باغتني د/عبد الرازق بسؤال غبي عن عدد أفراد الجماعة الإسلامية بالجامعة فقررت أن أغيظه فقلت هل رأيت مؤتمر الجماعة (حكيت عنه وعن ضخامته سابقا) قال نعم قلت كل هؤلاء أعضاء في الجماعة. انتفض أشد من انتفاضة لديغ وراح يكرر:
لا لا لا لا لا لا. كنت قد كويت كبده. قبل أن أكمل سمعت صوتا غير مريح تبثه السماعات فعدت مسرعا لأجد اضطرابا فوق المنصة العالية أدركت كم أخطأت عندما خرجت. كان الشيخ الشعراوي غاضبا والأخ (م ع) على المنصة وبيده الميكروفون وقد قطع عنه الصوت. لقد فعلها إذن في غير الوقت المتفق عليه. كان اللقاء يفشل بعد بدايته بدقائق. فيما بعد سألته لم استعجل فقال وجدته يقول كلاما جيدا عن الشباب فقلت أقاطعه الآن فلن يستطيع تغيير كلامه ومهاجمتي. كانت فكرة غريبة جدا.وجدت الأخ رفاعي فوق المنصة يحاول الحديث ووجدت المناديلي أحد كبار موظفي الجامعة يحاول منعه فيغمزه الأخ رفاعي بكوعه فيلقيه على الأرض أسفل المنصة وخلفها. ورئيس الجامعة د/حسن حمدي يحاول تهدئة الشيخ الثائر بينما عقيد القوات المسلحة المرافق دائما للشيخ كظله الجالس في الصف الأول يقترب أسفل المنصة ويوسوس للشيخ (هذه إهانة) فيقول الشيخ منفعلا (نعم هذه إهانة) فيوسوس ثانية (نحن ننصرف) فيكررها الشيخ منفعلا (نعم نحن ننصرف) ويجمع أطراف عباءته فوق كتفيه ويقوم لينزل من على المنصة فيلحق به رئيس الجامعة ويمسك بيده متوسلا أن يعود. ثم يلتفت إلى رئيس الجامعة معاتبا (كده يا عاصم) فقلت له افتح الميكروفون فخاف فكررتها افتح الميكروفون فتشجع وأمر بإعادة الصوت فأكدت رفضي للمقاطعة التي حدثت وأنها لا تليق. فهدأ الشيخ الشعراوي وكف عن رحلته المكوكية بين كرسيه وسلم النزول التي يؤزه إليها عقيد الجيش ويعيده منها رئيس الجامعة. وخنس العقيد. وعاد كل شيء إلى طبيعته فقلت فليكمل فضيلة الشيخ بلا مقاطعة فإن كان هناك تعقيب فليكن بعد انتهائه من محاضرته. هنا صاح الشعراوي:
(لا لا تجمع الناس على اسم الشيخ الشعراويلتهين الشيخ الشعراوي)
كنت قد نزلت من على المنصة وجئته من أسفلها من الأمام لأحدثه فصاح في مكبر الصوت (قديمة!! العب غيرها !!) تركته يكمل وقد امتلأ غيظا فقال يرحم الله الشافعي القائل ما جادلت عالما إلا غلبته ولا جادلني جاهل إلا غلبني. أنا قلت لو كان الأمر بيدي لرفعت السادات إلى منزلة كذا. ولو هذه حرف امتناع لامتناع فلما امتنع كون الأمر بيدي امتنع رفعه لهذه المنزلة. فيما بعد قال الشيخ السويفي مستنكرا وهل كان الشعراوي يتحدث في مجمع اللغة العربية لقد قالها في مجلس الشعب. فيما بعد عندما تعمقت في دراسة اللغة أدركت أن القول بأن لو حرف امتناع لامتناع قول ضعيف وأنها في على الصحيح تفيد امتناع ما يليها واستلزامه لتاليها. أي أنها تفيد امتناع كون الأمر بيد الشعراوي. لكن إذا صار بيده لاستلزم ذلك رفع السادات إلى منزلة من لا يسأل عما يفعل.انتهت المحاضرة وقطعوا التيار الكهربائي عن المكان فلا صوت لميكروفون ولا ضوء لمنصرف.
(60)
كانت مأساة على وشك الوقوع بسبب فقدان السيطرة على الجموع بعد انقطاع الصوت عن الميكروفونات وعدم جدوى المكبرات اليدوية مع هذا الجمع الضخم الذي يتصايح في غضب. وفجأة انطلقت صيحات بتحطيم صالة الألعاب المغلقة (الجمنازيوم)
لا أدري هل كان من أطلق أول صيحة -فانتشرت وترددت على ألسنة كثيرين- هل كان يعلم أن الصالة ممتلئة بنساء حضرن لاستماع الشعراوي أم لا. لكن المأساة المروعة كانت على وشك الوقوع. لولا أن ألهم الله أحد إخواننا حيلة فصعد على الأكتاف وبمكبر صوت راح يهتف فيهتف خلفه عشرات حوله ممن سمعوه فيهتف ثانية فيردد خلفه عدد أكبر وثالثة ورابعة حتى صار الهتاف موحدا والكل ينتظر سماع هتافه ليردد خلفه فإذا به يصيح احذروا ففي الصالة أخواتكم من النساء ثم يقود الجمع بعيدا. ظهر اليوم التالي كانت الجامعة تقيم غداء للشيخ الشعراوي وأعضاء هيئة التدريس. وحضره من عندنا طالبا كلية الطب المختصان بالاتصال بالجامعة وتلطفا في الحديث مع الشيخ ليزيلا آثار ما حدث لكنه فاجأهما بأن أكد أنه لا يحمل في قلبه إلا كل خير للشباب. فأغاظ ذلك بعض الحاضرين فأخذ ينتقد الشباب والشيخ يدافع فلما أكثروا عليه أراد أن يكبتهم فقال سأدعو للشباب وأمنوا فلا زال يدعو حتى ضجر أحدهم فأضاف لدعاء الشيخ كلمة تقيد دعاءه بالتوفيق لهم بأن لا يكونوا متشددين فزجره الشيخ قائلا (لا تتأل على الله أمن وأنت ساكت) وهكذا انتهت زبارة الشيخ الشعراوي المليئة بالمفاجآت السارة وغير السارة. وكان أكثرها إيلاما لي ما فعله الأخ (م ع) من مخالفة ما اتفقنا عليه فتسبب في نصف كارثة ولولا رحمة الله بنا لاكتملت الكارثة بإلغاء المحاضرة. ولا زلت متعجبا من صنيعه هذا حتى علمت فيما بعد أن صاحبنا أعلن ولاءه للإخوان. فالله أعلم هل فعلها للعداوة المتأصلة بين الإخوان والشيخ أم فعلها استهتارا. فإن قيل ولم طلبتم منه عملا كهذا وأنتم لا تعرفونه حق المعرفة قلت وثقته عندي صداقة متينة بينه وبين الأخ أسامة حافظ الذي هو شيخي وأقدم مني. لكني -بالتأكيد- أتحمل الوزر الأكبر في هذا لأكثر من سبب ومن عدة جهات.فلما انتصف العام الدراسي وبدأت إجازة نصف العام بدأنا نعلن عن المعسكر الشتوي وقد أرسل إلينا د/محمد حبيب -الأمير الجديد لإخوان أسيوط بدلا من م/دسوقي شملول- أنه يود لو كان المعسكر ساحة للتقارب بيننا وبين الإخوان. فوافقنا وقررنا إرسال دعوة لاستضافتهم. ولا أذيع سرا إن قلت إنني لا أعول كثيرا على مثل هذه الأمور في توحيد الجماعات أو التقريب بينها طالما أن إحداها ترى أنها تملك الحقيقة التي لا يملكها الآخرون وأن التصرف الوحيد المقبول من الآخرين هو الانضمام لها ولا شيء أقل من ذلك وسيأتي بعد قليل إثبات هذه الدعوى التي أدعيها.
مضى برنامج المعسكر كما هو مع التأكيد على أحد المحاضرين مراعاة أن هناك ضيوفا من جماعة الإخوان. إنه القيادة الإخوانية القديمة الشيخ السويفي الذي صار بينه وبينهم خلافات عميقة بعضها فقهي كالكلام في بدعة البيعة لغير الإمام وفي مشروعية النقاب وجواز خروج المرأة للعمل في زماننا. وبعضها للأسف تجاوز هذه الأمور ليصل إلى الهجوم الشخصي والافتراءات التي نال الشيخ منها ما ناله.
مضت المحاضرة بسلام حتى وصل د/حبيب وأخذ يشق طريقه بصعوبة إلى داخل المسجد فلما صار في بؤرة المكان قصفه الشيخ السويفي قائلا: (أحدهم يحارب النقاب في الجامعة أنا مش هاقول اسمه… اسمه محمد حبيب !!) كانت مشكلة!! لكن أمكن تجاوزها أما ما لم يمكن تجاوزه فمجموعة من الأقوال والأفعال حدثت أثناء زيارة أ/عمر التلمساني -المرشد العام للإخوان- لأسيوط.ففي كلمته في مسجد أبي الجود وكنت حاضرا لها شن هجوما حادا على الجماعة الإسلامية مع أن اللقاء جماهيري يسمعه العامة والخاصة لكن ليست هذه هي المشكلة. المشكلة أن جميع ما قاله ليس صحيحا. ثم ختم هجومه بقول مقتبس من كلام فرعون (إن هؤلاء لشرذمة قليلون) وبغض النظر عن أننا وقتها ما كنا شرذمة ولا كنا قليلين. لكنه كان من عدم التوفيق أن يقتبس كلاما من فرعون. وكانت بشرى لنا أن يشبهنا بأصحاب موسى.
أرسلنا لمسؤول الإخوان بأسيوط أننا نريد لقاء عاجلا بالأستاذ عمر قبل سفره وبالفعل تم تحديد موعد في اليوم التالي بمنزل د/حبيب. لكن فوجئنا بمن ينتظرنا أسفل البيت ليخبرنا أن الأستاذ متعب وأننا سنجلس مع قيادة أخرى من الجماعة. شكرناه وانصرفنا وحسنا فعلنا فقد كان في الأمر خدعة سخيفة عرفناها بعد ذلك وكان من المحال أن نعرفها لولا أن ضمير أحدهم قد استيقظ -كما يقولون- فجاء معتذرا.
إنه الأخ (ط خ) من شباب الإخوان وكان هو وشقيقه زملاء لي في المدرسة الابتدائية. وقد اختارته قيادة الإخوان بأسيوط لشدة ولائه ليجلس هو وبعض رفاقه مع الأستاذ عمر مدعين أنهم هم قيادات الجماعة الإسلامية!!