(السيف والقلم)
(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)
(51)
طلبونا للاعتقال وطلبنا المسجد للاحتماء فأدركنا المسجد ولم يدركونا. وكان آخرنا دخولا الأخ علي الشريف وكانوا قد أمسكوا به بالفعل على باب المسجد لكنه قاومهم حتى أفلت.
ولم يعتقلوا من مجموعة القيادات إلا الأخ سعد عبد اللطيف الذي اتخذ طريقه بعيدا عن المسجد فلحقوا به. لم يحاولوا اقتحام المسجد ولو حاولوا لفعلوا فقد كانت قواتهم المنتشرة على الأرض والمشحونة في السيارات كثيفة وكانت قيادات الشرطة كلها مجتمعة في هذه البقعة. في الخارج ترامت لأسماعنا أصوات مواجهات حامية بين طلاب المدينة الجامعية وبين حشود الداخلية التي ملأت الطريق المقابل للمدينة. هؤلاء يقذفون القوات بالحجارة (زلط كان الطلبة نقلوه إلى أعلى المباني وشرفاتها استعدادا لمواجهة محتملة) وأولئك يمطرون المباني بالقنابل المسيلة للدموع فتخترق زجاج الواجهات والشرفات وينتشر دخانها في الغرف والممرات والحمامات. لم نجد ما نشارك به فعمدت إلى مكبر الصوت أرتل سورة محمد (وتسمى أيضا سورة القتال) لأشد من أزر المدافعين عن المدينة.بعد قليل اقترب بعض قيادات الداخلية من نافذة المسجد طالبا التفاهم. فأجابه الأخ جمال عطا الله أنه لا يمكنه التفاهم إلا بوجود الأخ سعد عبد اللطيف (كانا من قيادات الجماعة وقتها وهما مسؤولا الاتصال بالجامعة وبالأمن) فأطلقوا سراحه فقال لنا عبر النافذة اتركوا المواجهة مشتعلة.
بعد قليل خرج الأخ جمال. وبعد المغرب بقليل تسلقت البوابة الخلفية للمسجد وخرجت صوب مبنى (أ) لأجد كل طلاب المبنى والمباني المجاورة تقريبا قد أحاطوا بالأسوار من الناحيتين وبدأت عملية خلخلة السور الحديدي المتين كانت نقطة ضعفه هي مكان التقائه بالسور الأسمنتي المكسو بالطوب تحته. بدا واضحا أن عملية سرقة كبرى تمت وكان نتيجتها انهيار السور الأسمنتي تاركا السور الحديدي فوقه يتهاوى. أدركني ساعتها تقدير مآلات الأمور وليته لم يدركني. كنت سمعت كثيرا طوال الأشهر الماضية أن قرار بناء السور قرار علوي جاء من القاهرة وأنه سيبنى مهما كان الثمن. فقدرت أن هدم السور كله سيجعل الطلاب في مواجهة عواقب قاسية. فقلت نكتفي بهذا القدر. وما لم نحصله بالتدمير نحصله بالتفاوض من موطن قوة فنحن غلبنا الحديد والأسمنت في دقائق. فناديت في الطلاب أن توقفوا فاستجابوا. وبالفعل بعد ساعة أرسل مدير الأمن عارضا اتفاقا يتم بمقتضاه ترك أعمال الإصلاح وتركيب البوابات تمضي بدون مقاومة في مقابل عمل أبواب في السور الداخلي تسمح بانتقال الطلاب وعودة الطلاب المفصولين من المدينة والتعامل بأريحية مع الدخول والخروج من المدينة وربما نسيت بنودا أخرى. وبينما نتدارس الاتفاق فيما بيننا قيل لنا إن الأخ ناجح يبحث عنكم. أخيرا ظهر الأمير!! في الطريق الخالي أمام المدينة وقفنا نعرض عليه الاتفاق فقال مرفوض!!فقلت لماذا؟؟ فقال وماذا سيقول عنا الطلاب وهم يشاهدون السور يكتمل والبوابات تركب. وعبثا حاولت إفهامه أن قدرات الطلاب لها حدود لن تتعداها لكنه أبى. فقلت له الطلاب كلهم في غاية الإعياء بعد مواجهات اليوم والقوات لا تزال مرابطة على طرف المدينة في مكان كازينو النقرة (الذي حكينا سابقا قصة تحطيمه) وبمجرد أن نقول لمدير الأمن الاتفاق مرفوض ستقتحم القوات المباني على طلاب ليس بيدهم شيء ليقاوموا به. فأصر على الرفض.
فأخذت بيدي الأخوين جمال عطا الله وسعد عبد اللطيف وقلت نحن الذين ندير المشهد من بدايته وندرك تعقيداته فاذهبا واتصلا بمدير الأمن وقولوا نحن موافقون على الاتفاق، وقد كان. وعدت مسرعا لأبلغ الأمير أننا خالفناه (لئلا نخسر المواجهة التي كسبناها هذا اليوم) فقال إنه سيستقيل ويترك المسؤولية. قلت ماذا تريد!! تريد أن نواجه!! بإمكاننا فعل ذلك من الغد، ولكن ليس الآن دع القوات تنسحب والطلاب يستريحون.
وقد كان وأقمنا على مدار يومين متاريس على مداخل الجامعة وطردنا مشرفي المباني الجامعية (كلهم عيون للأمن) وعطل طلبة الطب الدراسة بكليتهم احتجاجا على مقتل رضيع بالغاز في أحد الأحياء القريبة من المدينة الجامعية فلقد طارت الغازات التي أطلقتها القوات على المدينة الجامعية واقتحمت الأحياء القريبة. ولما كان رئيس الجامعة وقتها (عبد الرازق حسن) طبيبا وأستاذا بكلية الطب وعميدا سابقا لها اتخذ قرار تعطيل الدراسة كإدانة له. وتوقف تماما العمل بالسور. وكان ما توقعته ففي صبيحة اليوم الثالث استيقظ طلاب المدينة الجامعية على قرار صادر (لا أذكر الآن هل كان صادرا من وزير التعليم أو رئيس الوزراء) بتعطيل الدراسة بجامعة أسيوط. وبالتالي إخلاء المدينة الجامعية. وراحت الوفود تأتي من مختلف المباني تسأل ما هو القرار. هل سنخلي المدينة أم سنعتصم قلت هاتوا كل الأغذية المتواجدة بمخازن المطعم المركزي أولا.(52)
وبينما الطعام يوزع على الطلاب بما يوحي أن القرار المتخذ هو الاعتصام بالمدينة كنا نجهز لمسار مختلف. حصرنا القيادات المتواجدة بالمدينة الجامعية والتي يتوقع أن يستهدفها الأمن بالاعتقالات فكانوا خمسة. لم يكن هذا العدد هو كل قيادات العمل الطلابي بالطبع فقد كان كثيرون خارج المدينة الجامعية وكان آخرون خارج أسيوط كلها وكان الأمير في جملة من لم يتواجدوا. وسبب غيابه عن هذا المشهد وعن بعض المشاهد الأخرى أنه كان قد تخرج بالفعل وغادر الجامعة ومدينتها الطلابية. ولكنه مع ذلك كان مستمرا كأمير للجامعة. وذلك ليس لحرصه على الإمارة، بل كنت أنا صاحب هذا الاقتراح.. أعني اقتراح أن يظل الأخ ناجح أميرا للجامعة بعد تخرجه فيجمع بين إمارة أسيوط وإمارة جامعتها. وإنما فعلت ذلك لحاجة في نفس يعقوب -كما يقولون- يعلمها إلا الله وقد قضاها. جاء الأخ محمد أحمد علي رئيس اتحاد طلاب المدينة السابق وأخبرنا أنه سيسافر فورا لمدينته المنيا لإحضار سيارته لإخراجنا من أسيوط كلها. فشكرناه وقلنا له لن تعود قبل عدة ساعات وسيكون الأمر قد حسم قبلها. فأصر وانطلق ولم يرجع بعد ساعات ولا بعد أيام فقد انقلبت به السيارة في طريق العودة عند مدينة القوصية. لكنه بحمد الله لم يصب.عندما جاءت السيارة التاكسي التي أرسلنا لإحضارها أسررنا لأحد الطلاب المعروفين أن يبلغ جموع الطلبة بجميع المباني أن القرار هو الانصراف فورا.
وفي التاكسي انحشر خمستنا في مطلع رحلة دامت عدة أشهر. وكان آخر ما شاهدته وأنا أغادر المدينة الطلابية المياه التي تنساح في ملاعبها وأمام مبانيها. فقد نجح بعض إخواننا ليلا في إغراقها بفتح محابس إطفاء الحريق الضخمة لمنع الأمن من التحرك بحرية كما فعل قبل ثلاثة أيام في هجومه على الطلاب. وفي الطريق إلى شقة طلابية بشارع هادئ خلف مبنى المحافظة شاهدنا بعض تمركزات الأمن على مشارف الجامعة محتشدين للانقضاض على مدينتها. وفي الشقة الصغيرة بدأت الأنباء تتوالى فالطلاب غادروا وقوات الشرطة وضباطها ومخبروها يعتقلون من يسيرون في شوارع أسيوط من الشباب بطريقة عشوائية والمحافظ بنفسه يتصفح وجوه المعتقلين في عربات الأمن ويشتم ويرغي ويزبد لأنه لا يرى الوجوه التي يبحث عنها. ثم جاءت أخبار أخرى بوجود كمائن داخل محطة القطار وعند مواقف الأوتوبيسات وسيارات الأجرة المخصصة للنقل بين المحافظات. وكمائن في نقاط المرور على الطريق السريع بين أسيوط والمنيا شمالا وبينها وبين سوهاج جنوبا. كانت أسيوط مصيدة كبيرة محاصر مخنوق من فيها. تذكرت مظروفا دسه طالب بيدي قبيل خروجي من المدينة قائلا هذا خطاب من والدك. كانت الرسالة قوية بقوة شخصية فارسي النبيل هادرا يموج بغضب أعرفه جيدا. بدأ كلماته بلا سلام: (سئل ابن عباس عن أصحاب الأعراف فقال: قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم, فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار, ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة. ……….أي بني
سلام على من اتبع الهدى…..ثم انطلق عاتبا على انشغالي بالعمل الإسلامي عن زيارة الأسرة وعن الاهتمام بالكلية…)
بعد غروب الشمس انطلقنا بعد دعاء استخارة وجدتني منكسرا فيه كما لم يحدث من قبل… انطلقنا في تاكسي صوب محطة القطار وقبل عبور المزلقان المفضي إلى ميدان المحطة طلبنا من السائق الانحراف يسارا فصار شريط القطار على اليمين وسرنا بحذائه صوب الجنوب حتى غادرنا أحياء أسيوط والسائق ينظر متسائلا متعجبا ونحن نشير له أكمل أكمل حتى انقطع الطريق فأمامنا سور شركة بترول تقع أقصى الجنوب وعن يميننا سور يفصلنا عن شريط القطار.
منحناه قروشا داوت قلقه وتوتره وعندما استدار عائدا تسللنا من السور الشائك واستقامت خطانا فوق فلنكات السكة الحديد.وعند قرية شطب (بضم الشين) وهي تبعد حوالي سبع كيلومترات من أسيوط دخلنا بثقة من (ظهر القرية) ففوجئنا أن الحارة التي دخلنا منها مغلقة بباب خشبي كبير من طرفها الآخر. كانت (حارة عائلية) وشعرنا بحرج وقد دخلنا بلا إذن وعندما دعانا بعض الشباب للجلوس قال كهل عركته الأيام دعوهم وما يريدون. ففتحوا باب الحارة ودلفنا منه لشوارع القرية ومن محطتها حصلنا على موعد أول قطار يتجه للجنوب قادما من أسيوط فكان زمن الساعتين المتبقي كافيا لنصلي المغرب والعشاء جمعا وقصرا (قصر العشاء فقط إذ المغرب لا تقصر) ونستريح أيضا. لكن ما إن دلفنا إلى مسجد صغير للوضوء والصلاة حتى اقتحم علينا من راح يجول ببصره في المسجد ثم في الميضأة ليخرج من فوره فلا هو صلى ولا توضأ. فاكتفينا بوضوء سريع وأما الصلاة فأرض الله واسعة.
ومرة ثانية استقامت خطواتنا فوق شريط السكة الحديد صوب قرية المطيعة التي راحت أضواؤها تبتعد كلما واصلنا السير نحوها. فتوقفنا للصلاة واستلقينا فوق التراب نستريح ونعيد التخطيط.(53)
كانت النظرة العجلى لأضواء القريتين كفيلة بإقناعنا أن العودة إلى شطب أضمن إن أردنا إدراك القطار الذي سيتحرك بعد قليل من أسيوط متجها للجنوب. وأننا إن لم نفعل وأكملنا المسير للمطيعة فسيدركنا القطار في الطريق. لكن العودة صارت محفوفة بالمخاطر بعد أن رصدتنا عينا الرجل الدائرتان في محجريهما وما يدرينا أن صاحب هذه النظرات المتلصصة لم يبلغ نقطة شرطة أو دوار عمدة أو سعادة جناب شيخ غفر أن صيدا بالمكان. غامرنا بالرجوع وتربصنا بجانب شريط القطار فلما أقبل القطار قفزنا مرتين مرة فوق الرصيف ومرة إلى داخله من أقرب باب لعرباته المتهالكة. وكان في انتظارنا مفاجأة غير سارة إذ تلاقينا وجها لوجه مع مجموعة من حرس جامعة أسيوط بزيهم الرسمي الكئيب كانوا في طريق عودتهم لقريتهم فهبطوا من القطار في اللحظة التي صعدنا فيها مرددين كلمات تحية ووصية بالحذر وتمنيات بالسلامة.مرة ثانية ساورنا القلق فهم يعرفوننا جيدا ولربما توجهوا لهاتف المحطة وأسروا بكلمتين فنفاجئ بالقطار البطيء المتسكع محاصرا في أي محطة تالية.
قبل أن نفكر في التصرف المناسب كان الأخ (ط ص) ينادي علينا مرحبا. كان يستقل القطار عائدا من الجامعة -المغلقة بقرار- لقريته باقور وهي قرية محبة لنا محببة لقلوبنا وقد زرناها مرارا. حكينا له مخاوفنا فاقترح أن يستضيفنا ريثما نعيد تخطيط الرحلة فوافقنا على الفور فلم يكن لدينا خيار آخر. سألته هل سنمر في ذهابنا لمنزلكم على نقطة شرطة القرية فقال للأسف نعم فقلت ألا يوجد طريق آخر يجنبنا المرور أمام نقطة الشرطة قال للأسف لا. لكن عندما لامست أقدامنا تراب القرية قال تذكرت طريقا آخر. لم يكن الوقت وقت مزاح قطعا لكني فعلت ساخرا من رجل لا يعرف الطريق إلى منزله (كانت علاقتنا القوية تسمح بمثل هذا المزاح) بعد ضيافة كريمة ونوم قليل وصلاة صبح جاء أحد أعمامه مقترحا خطة التحرك (سأصطحبكم في كابينة سيارتي النقل الكبيرة إلى خارج المحافظة) كذا قال واثقا. ورغم أننا أخبرناه أن كل الأخبار المتجمعة لدينا منذ صباح أمس تؤكد أن كل نقاط المرور صارت ثكنات عسكرية في انتظار وصول أمثالنا إلا أنه كان مصرا على أنه يستطيعربما كان صاحب توكل كبير ولذا لم يخذله الله فبعد أن تحركنا بعشرات الأمتار وقبل المزلقان صاح (القطار مخزن) كان قطار سريع يمر فاضطر قطار آخر أن يفسح له الطريق بالوقوف على غير موعد في تفريعة جانبية بمحطة باقور وفي لحظات كنا داخل القطار الواقف الذي تحرك صوب سوهاج وهي آخر محطاته. ومنها انتظرنا قطارا آخر متجها أيضا للجنوب وفي مدينة نجع حمادي بقنا حللنا ضيوفا على الأخ على الشريف. بعد الضيافة والصلاة نمنا نوما عميقا. فلقد وصلنا أخيرا لمكان آمن يبعد حوالي مائتي كيلو متر عن أسيوط التي تحولت لكمين أمني كبير تغلي مراجله شوقا لخمستنا.
لكننا كنا واهمين. فقبيل الفجر أيقظنا الأخ صلاح الشريف قائلا لقد قبضوا على علي الشريف. فتحت نصف عين وأومأت كأني فهمت ثم أغمضت عيني ثانية وقبل أن أغوص في النوم مرة أخرى انتفضت كالملدوغ (ماذا !!!) راح يكرر الكلام وقد استيقظ باقينا مذهولا. لقد عممت البلاغات ضدنا إذن خارج أسيوط. نحن مطاردون إذن حتى خارج أسيوط. الذي أنقذنا ليلتها هو أن القوة الأمنية التي جاءت استقبلها الأخ علي الشريف الذي نام بالصالة مؤثرا خمستنا بغرفة نومه الواسعة. فوجئوا -عندما سألوه عن علي الشريف- به يخبرهم أنه هو الواقف أمامهم فخرجوا فرحين بالصيد الثمين الذي استسلم بلا مقاومة، بل بلا أدنى محاولة للهرب. فعل ذلك ليفدي خمسة بالداخل فأنجاه الله سريعا. سرى إلينا قبل الفجر صوت والدته تدعو:(يارب إن كان ظالما فهو عندهم ينتقمون منه. وإن كان مظلوما رده إلي)
وكان الله سميعا عليما قريبا مجيبا رحيما ودودا عزيزا قديرا فاستجيب دعاؤها كما سنرى. بعد دعائها أمرت ولدها أن يشتري لحما وكذا وكذا للضيوف. غصنا داخل ملابسنا -التي اتسخت من طول السفر- خجلا من كرم هذه الأم العظيمة التي لم يشغلها مصابها في ابنها عن إكرام ضيوفه.أقسمنا عليه ألا يفعل لأننا سننصرف بعد صلاة الصبح التي صليناها في بيتهم لأننا منذ الأمس أصبحنا لا نأمن دخول المساجد خاصة بعد أن سرى في كل محافظات الصعيد خبر مطاردة الأمن بأسيوط للجماعة الإسلامية. لم يخرق قرارنا (أو قل إجماعنا السكوتي على) اجتناب المساجد إلا عندما نزلنا بعد أيام ضيوفا على الأخوين عاصم ومعتصم بمنزل يقع بين قريتهم بمركز ساقلته بسوهاج وبين النيل الذي تمتعنا به كثيرا في رحلة هروبنا التي طالت
فقد سرت شائعة أن طلاب أسيوط مختبئون بالقرية ولا يستطيعون المشي لأن عصي الأمن المركزي طحنت عظامهم. عندها أصر اثنان من خمستنا على الصلاة بمسجد القرية فارتديا الجلابيب البلدي الشهيرة ولفا العمائم وتقلدا العصي كعادة الصعايدة ودبا نحو القرية.(54)
توافق قدومنا إلى نجع حمادي مع إقامة السوق الخيري هناك وهو معرض سلع متنوعة تطوف به الجماعة على مدن الصعيد ويقبل عليه الجمهور لرخص أسعاره. وكان القائمون عليه إخواننا من مدينة المنيا وفي مقدمتهم الأخ كرم زهدي. فلما علم بالقبض على الأخ علي الشريف جمع إخواننا القائمين على السوق وبعض إخواننا بنجع حمادي وذهبوا لقسم الشرطة الذي يحتجز بداخله. تعجب أحد الحراس من هذا الطابور الذي يتقاطر بهدوء إلى الداخل فقال له زميله (إنهم السنية جاءوا للاطمئنان على صاحبهم) يحكي الأخ علي فيقول عندما رأيت الأخ كرم يغامر بنفسه للسلام علي قبل ترحيلي رغم أنه مطلوب القبض عليه قلت ما أشجع هذا الأخ. لكن السلام أعقبه إيماءة بالرأس نحو الخارج وسرعان ما أعقبتها إيماءة ثانية فأطلق صاحبنا ساقيه للريح وسط ذهول الجنود الذين هددهم الأخ (ش) بمسدس واحد بيده!!ارتبك الجنود وخاف بعضهم من المسدس وتشجع آخرون فأخذوا في إطلاق النار لكن الصيد كان قد هرب ومعه انسحب الجميع بسلام. بعد يوم حكى لنا الأخ (ش) أن مسدسه كان معطلا لا يطلق الرصاص!!
وللأخ (ش) حكاية تستحق أن تروى وهي تشبه حكاية الأخ نصر صالح (منفلوط) التي قصصتها من قبل. كان قاطع طريق فاكتري (بضم التاء وكسر الراء) يوما لقتل رجل فتسلل من شرفة منزله ليلا فوجده نائما بين أطفاله الصغار فرحمه ورحمهم وبكى وتسلل عائدا دون أن يشعروا به. ثم هداه الله. سبحانك ربي ما أرحمك وما أكرمك وما أعظم لطفك الخفي. انظروا كيف قدر له سبحانه أن يعقد صفقة ظاهرها الإجرام والقسوة المتوحشة. وأمكنه من الوصول بهدوء للضحية فلم يشعر به أحد ولو شعروا لربما عجل ذلك بتنفيذ الجريمة والانصراف. لكنهم لم يشعروا فرآهم نائمين في وداعة فتحركت كوامن رحمة في قلبه القاسي فرحمهم وفاضت عيناه وانصرف فرحمه الله وهدى قلبه. فاللهم اكتب لنا نصيبا من رحمتك ولطفك وعفوك تدخلنا به جنتك.بالطبع كان لا بد من أن نرحل من نجع حمادي، بل من محافظة قنا. فكانت وجهتنا مدينة سوهاج وهناك استقبلنا الأخ حمدي عبد الرحمن في شقة شقيقه الأكبر التي ما إن دخلتها وصافحت عيناي صالون الاستقبال ذا اللون الأخضر حتى اهتز قلبي وكأنما حزت الدنيا بحذافيرها.
ثم انتقلنا لشقة عروسين تحت التجهيز تحرجنا أن ننام على أسرتها وهناك أدركتني الرحمة بأجسادنا نحن الخمسة التي تشكو من ثياب تمكن منها الوسخ والعرق فطلبت شراء غيارات داخلية بمعدل غيارين لكل منا ولما كنت ماهرا بالحساب خمنت كم سيبلغ ثمن عشرين قطعة من الملابس القطنية وأخرجت ورقة من ذوات الجنيهات الخمسة ودسستها في يد من سيقوم بالشراء فصارت نكتة تحكى أن إخوة أسيوط يعظمون جنيهاتهم الخمسة ويظنون بها الظنونا. ووالله ما فعلت ذلك بخلا، بل جهلا بالأسعار، والأسواق، والبيع، والشراء. ومن مدينة سوهاج إلى مركز ساقلته ومن قرية إلى أخرى وحيثما حللنا سعدنا بحفاوة استقبال كبيرة من إخوة كرام. ولما توقعنا أن أيامنا ستطول بدأنا نحدد برنامجا لحفظ بعض السور وبدأنا بسورة الأحقاف وإلى يومنا هذا تذكرني سورة الأحقاف بهذه الصحبة الطيبة وهذه القرى المباركة وأهلها الكرام. كل هذا وخمستنا مجتمعون لا نتصور أن نفترق لكن هذا العدد الكبير نسبيا لم يكن يصح أن يتحرك مجتمعا ولا أن يبقى أفراده في مكان واحد معا. فافترقنا آسفين وخلفنا ذكريات جميلة وروابط أخوة قديمة زادتها هذه الرحلة والمحنة قوة.كان المكان الذي احتواني بعد ذلك هو جزيرة محروس. وهي ليست جزيرة بالمعنى المعروف، بل نتوء داخل في النيل من ناحيته الشرقية وفي مقابله من الناحية الأخرى تقع مديرية أمن سوهاج.
كان بيت ضيافتنا من طين غرفة وصالة أما الحمام ففي الخارج يبعد أمتارا وهو عبارة عن سيقان خوص خيط منها حصير عريض ثبتت أطراف سيقانه بالأرض فارتفع نحو السماء على هيئة مدار حلزوني يدور بالداخل إليه حتى يغيب عن الأنظار. وأمام البيت على بعد أمتار يترقرق ماء النيل. كان الأخ ناصر صاحب الدار ودودا كريما وقد أتحفني بمقطف من الفول السوداني وآخر من التمر. وما أعظم أن تحشو التمر بالسوداني وهي أكلة لا أستطيع مقاومتها حتى بعد ثلاثين عاما من المعاناة مع مرض السكر والقولون وصرخات الأطباء إياك والتمر وإياك والفول السوداني. كان الأخ ناصر متأثرا ببعض المبتدعة من أهل التوقف، بل كان عضوا في جماعتهم لكنه كان محبا لنا وقد حاججني مرارا ببعض أقوال الأستاذ محمد قطب فكنت أحاول صرفه عن التعلق بظاهرها وأذكر له ما أحفظه من أقوال للسلف فكان يبدي اقتناعا. ثم لا يلبث أن يعود لكتيب الأستاذ محمد قطب فأعود وأذكر له كلام السلف.حتى دخل علي ذات مرة بليل يتقدمه شخص يلبس عباءة يضعها لا على كتفيه، بل فوق رأسه. وفي ضوء المصباح الكيروسيني الخافت رأيت وجه شيطان وبلا قصد استعذت بالله جهرا من الشيطان الرجيم!!
(55)
مد (الرجل الشيطان) يده بورقة صغيرة وبينما كنت أقرؤها كان صوت بكاء ناصر يعلو وراءه شيئا فشيئا مرددا حسبي الله ونعم الوكيل وعندما قمت للاستعداد للرحيل صار البكاء نحيبا. كانت رسالة من إخواني بسوهاج بضرورة الرحيل الآن. وفي سوهاج علمت أن مجموعة التوقف لما علمت باستضافة الأخ ناصر لي خيروا إخواني بسوهاج بين تركي الجزيرة أو إبلاغ الأمن. حمدت الله على بغضي لهم وعلى أننا واجهناهم بالحجة البالغة حتى قطعنا دابرهم في أسيوط قبل عامين (أتذكون قصة الطالب الشبراوي وثلته) في نفس الليلة وفي المنزل الذي بتنا فيه للصباح سرت إلى مسامعنا أنا وأخ كان برفقتي منذ ليال أظنه الأخ عثمان السمان من المنيا وقد كان بنجع حمادي ورحل عنها عقب تهريب الأخ على الشريف..٠ أقول سرى إلى مسامعنا تلاوم بين صاحب البيت وولده الذي استضافنا. لا أستطيع أن ألوم أبا يخاف على ولده. ولكن لا أستطيع البقاء في مكان أسبب فيه قلقا لغيري. ولأني أتفاءل بما سهل ولان وقرب وتيسر من الأمور قررت الرحيل. واخترت العودة للمنيا وهي مدينة مترامية الأطراف فليكن نصيبي في بيتنا ساعات كل عدة أيام وبعد ذلك ففي نواحي مدينتي الواسعة مراغما كثيرا وسعة. قبل السفر صوب الشمال قرأت رسالة أبي الثانية منذ بدء الأزمة (علمت بالحكم الصادر ضدك من مجلس التأديب وهو قاس قسوة من أصدره …. ثم راح يسري عني) كنت قد فصلت من الجامعة لمدة عامين وكذا فصل عدد آخر منهم باقي خمستنا. فضلا عن قضايا تنتظرنا وفصل عدد كبير من المدينة الجامعية عقب اقتحام القوات الخاصة لمدينة الطلاب. وهي قوات استقدموها من القاهرة لمواجهة الطلاب عقب فشل قوات الأمن بأسيوط في المواجهة التي حكيت لكم عنها ليلة تدمير السور. ولأنها قوات خاصة ومن القاهرة فلا بد أن يكون لباسها مميزا وأفعالها -كذلك- لا بد أن تكون مميزة. فبعد انصراف الطلاب قامت القوات باقتحام استعراضي للمباني الخاوية يشبه العمليات التي ترونها في الأفلام البوليسية المثيرة لتحرير مخطوفين والقبض على الخاطفين المدججين بالسلاح مع فارق بسيط وهو أنه لم يكن هناك سلاح ولا خاطفون ولا مخطوفون، بل لم يكن في جميع المباني -التي زادت من سبعة مبان لتصير عشرة- أحد قط.إلى المنيا إذن ومنها بعد قليل للقاهرة ولمسجد النور بالعباسية المسجد الذي أنشأه الحاج حافظ سلامة على مقربة من الكاتدرائية التي جامل بها جمال عبد الناصر الكنيسة المصرية. وهناك عقدت الجماعة الإسلامية بأسيوط مؤتمرا ردا على ما فعله النظام بالجامعة.
وكانت هذه أول مرة تقيم جماعة بجامعة مؤتمرا جماهيريا بمحافظة تبعد عنها أربعمائة كيلو متر. وهناك كان أول لقاء لي بالشيخ الغزالي الذي خطب الجمعة فأعطيته فكرة سريعة عما يحدث بأسيوط قبل أن يصعد المنبر. وبعد نزوله وصلاته استحال مكبر الصوت وهو يبث كلمات شبابنا منصة إطلاق لخطاب عزة وتحد واستعلاء لم تعرفه القاهرة من قبل.
وهكذا صارت مطاردة هؤلاء بأسيوط سببا في انتشار دعوتهم ورسالتهم خارج أسيوط، بل خارج الصعيد. فالأمر لم يقتصر على كلمات قيلت في مؤتمر، بل كان هناك العديد من الدعاة الصغار سنا الكبار عزما متفرغين الآن للدعوة أينما ألقوا مراسيهم.
بعد المؤتمر وبينما الجموع تنصرف فوجئت برجل رياضي القوام يخفي عينيه بنظارة سوداء ويلبس بذلة فاخرة يتجه نحوي. قلت هل من المعقول أن يتجرأ ضابط أمن دولة ويتعرض لي في مثل هذا الجمع. وعندما عاجلني بنزع نظارته عرفته أنه الأخ خالد شوقي الإسلامبولي بوجهه البريء وابتسامته العذبة.كنت رأيته من قبل في مستعمرة شركة السكر بنجع حمادي وهو مجمع سكني فاخر لكبار مهندسي وموظفي شركة السكر بنجع حمادي. كنت في ضيافة شقيقه الأكبر الأخ محمد شوقي القيادي بجامعتنا وهناك استراحت عيناي بمجرد أن دخلت الفيلا الخاصة بهم فرأيته جالسا على الأرض وأمامه مصحفه. كان سبب التزامه رسالة من شقيقه الأكبر دسها في يده وهو يودعه على محطة القطار عائدا لكتيبته بالقاهرة. ومن يومها صار له من الألقاب اثنان الملازم أول خالد والأخ خالد.
أقول الآن كم كان الأخ ناجح محقا لما كتب في كتابه عن الدعوة إلى الله فصلا عن أهمية الرسالة ودورها في الدعوة والهداية. وكان يعقد دروسا في ليمان طرة وفي قاعة المحكمة عن أثر الرسالة ويستشهد برسالات كان يرسلها لي أبي.
لا تسألني أين كتاب الدعوة هذا فقد أصر صاحبه أن ينشره مطولا ونصحه بعضنا أن يختصره لأنه طويل جدا. فأبى فلم يجد الكتاب -الذي لم تكتمل فصوله أصلا- طريقا للمطبعة وإن كان طبع منه بعض فصول طبعات ليست جيدة.
وهكذا تنقلنا خلال رحلة هروبنا إلى محافظات عدة في الوجهين القبلي والبحري. وكان منها محافظة السويس فنزلنا عدة مرات ضيوفا على الحاج حافظ سلامة كما جلسنا معه بمسجده بالقاهرة وتعرفتا عن قرب على شخصيته الفريدة.