(السيف والقلم)
(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)
(46)
ومن تفرد هؤلاء أنهم رغم كونهم سببا في تفريج كربة كل الحركات الإسلامية فقد تحالف معظم هؤلاء مع حسني مبارك ضدهم حتى سمعنا أمثال مأمون الهضيبي يقول ليس هؤلاء إخوة لنا، بل إرهابيون وقال قبله أ. التلمساني أعطوني الشرعية أقضي على التطرف وقال غيرهم هؤلاء مبتدعة وأفتى رويبضات بتحريم التعامل مع هؤلاء وعائلاتهم وحاصروهم اقتصاديا كحصار شعب أبي طالب وكانوا يستحلون التعاون مع الأمن ضدهم والإبلاغ عن هاربهم والتحريض على حاضرهم.ورغم ذلك كله لم يتوانوا عن نصرة من احتاج إلى النصرة من هؤلاء وغيرهم.
حتى كان بعضهم يقول لا تشكوا في نصرة الجماعة الإسلامية لنا.. سيأتي بهم دينهم.ومن تفردهم أنهم ما سمعوا طلب نصرة في مشارق الأرض ومغاربها إلا طاروا نحو الصوت.
فعرفتهم أفغانستان والشيشان والبوسنة وسوريا وأثيوبيا وذاقت الأرض هناك طعم دمائهم الذكية وضمت رفات أجسادهم الأبية. بل منهم من دفنت ساقه في قارة ثم استشهد ودفن باقي جسده في قارة أخرى. فعلوا ذلك بعد خروجهم من محنة امتدت ببعضهم ثلاث سنوات وبفريق آخر خمس وبثالث سبع. واستشهد منهم قيادات كبار مثل الإخوة خالد علي حفني وعلي عبد الفتاح وغيرهم كثير فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ممن أنفقت الأعوام على تعليمهم وتجهيزهم للقيادة فلما سمعوا صيحة الجهاد لبوا مستأذنين فأذن لهم، فمنهم من رفض أن يتزوج ورضي بالحور ومنهم من أخذ أهله وولده معه كي لا يقعوا في أسر الطغاة فعانوا معا شظف العيش وخوف العدو وكثرة الترحال. فعلوا هذا في وقت كان آخرون يضنون بأبنائهم على الجهاد ويقولون هم عدتنا لتوسيع رقعة الجماعة فإن شاركنا شاركنا في الأعمال الخيرية فقط (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) وحرموا على أبنائهم القتال حتى كان الواحد منهم يتسلل كسارق ليرابط مع المجاهدين ليلة أو بعض ليلة.بل وصل الأمر ببعض المجموعات أن أصدروا الفتاوى بحرمة الجهاد مع هذه الشعوب المستضعفة بحجة أن بهم بعض ابتداع أو أنه ليست هناك راية للجهاد واضحة.
《الفصل السادس》
《بوادر الصدام مع النظام》
نحن الآن في أسيوط وقد طارت إلينا الأخبار بأن إخواننا بالمنيا تحاصرهم قوات الأمن مع كثير من طلبة المدينة الجامعية داخل مبانيهم (كانت وقتها في حي الإخصاص قبل أن تنتقل إلى الحرم الجامعي)
وأصل الحكاية أن أخوين من المنيا قبض عليهما بالقاهرة وهما يتعاقدان لشراء سلع تباع في السوق الخيري الذي تقيمه الجماعة كل فترة حيث تباع السلع المختلفة بأسعار رخيصة وصادر الأمن ما معهما من أموال وكانت ثمانمائة من الجنيهات (بعدها قال السادات في خطابه بأسيوط طالب من الجماعة معاه تمنمية جنيه دا أنا رئيس الجمهورية مافيش في بيتي تمنمية جنيه !!) وتم إحالتهما للنيابة. فاحتج الشباب بالمنيا بأن خرجوا في مسيرة انطلقت بعد صلاة الجمعة من مسجد المدينة الجامعية واخترقت شارع طه حسين صوب وسط مدينة المنيا لكن مساعد وزير الداخلية لشمال الصعيد (المجرم زكي بدر الذي صار بعدها بسنوات وزيرا للداخلية) أصدر أوامره لمدير الأمن بالتصدي بالقوة. وبالفعل حصلت المواجهة عند مساكن المشتل وكانت تحت الإنشاء واضطر الشباب للانسحاب للمدينة الجامعية فتعقبتهم قوات الأمن وحاولت اقتحام المدينة فانضم إليهم طلاب المدينة مدافعين عن مبانيهم وأعلنوا الاعتصام بها. ومنع الطلاب النصارى من مغادرتها للضغط على الأمن كي لا يقتحم المباني.
بسرعة اتخذنا قرارا بأن يتوجه الأخ ناجح للمنيا للتوسط لحل الأزمة.وقبيل الفجر عاد محبطا يروى لي أن قيادات المنيا (الإخوة محيي عيسى وكرم زهدي وأبو العلا ماضي) يحلقون في الخيال بعيدا وأن ثانيهم عندما عرض تصوره لإنهاء الأزمة قال نصعد ثم نصدر نداء للخميني بالتدخل (كان ما يسمى بالثورة الإيرانية نجح في إسقاط الشاه قبل حوالي شهر من هذه الواقعة)
قلت للأخ ناجح وماذا ستفعل قال سنساعدهم وأمر بتعطيل الدراسة بالجامعة ومنع الطلاب النصارى من مغادرة المدينة لحين انتهاء الأزمة بالمنيا. وقد حدث واستجاب الطلاب وأعضاء هيئة التدريس لقرار تعطيل الدراسة بصورة مشرفة وإن كان بعض أعضاء هيئة التدريس بكلية الزراعة طلبوا الدخول لكليتهم لإطعام فئران التجارب فكان لهم ما أرادوا. ولم يشعر الفئران بالأزمة!! التي كان لدخول الإخوة بجامعة أسيوط على خطها بقوة أثر كبير في تفاوض الأمن مع مجموعة المنياوحلت الأزمة بسرعة بعد أن أصدر وزير الداخلية وقتها أوامره بأن يتولى مدير أمن المنيا هذا الملف بمفرده ولا يخضع لسلطة مساعد الوزير لشمال الصعيد الذي تسبب في تفجيرها وكان حريصا على زيادة إشعالها حتى إنه قطع الكهرباء والمياه ومنع الطعام والشراب عن ألوف الطلاب داخل مدينتهم.
كان د/ كمال عبد المولى هو من سرب لإخواننا خبر منع زكي بدر من التدخل. وللدكتور كمال معنا موقف، بل مواقف.(47)
التقيت به أول مرة في المنيا بصحبة قيادات الجماعة هناك وذلك بعد أسابيع من تعرفي بهم. كان يجادلهم حول مشروعية ما يسمى بتنظيم الأسرة أي السعي لتقليل المواليد إذ كان وقتها يرأس جمعية من جمعياتها. ثم تطرق الحديث لمشروعية النقاب فتدخلت وذكرت له خبرا نقله ابن كثير في تفسيره أن الفساق بالمدينة كانوا إذا رأوا منتقبة لم يتعرضوا لها قائلين هذه حرة فإذا رأوا امرأة سافرة الوجه قالوا هذه أمة فقفزوا إليها. وهنا انطلق يضحك بصوت جهوري تغذيه حنجرة قوية ويكرر الكلمات الأخيرة ساخرا. أدركت أنه لم يكن صوابا أن أحكي الخبر بحروفه. لكني كنت قد وقعت وأنا الشاب الذي لم يتجاوز العشرين في قبضة سخريته المريرة. فيما بعد شهدت له مواقف حميدة. فقد تغير الرجل الفخم الضخم شيئا فشيئا. فشاهدته يصطحب قيادات الجماعة بالمنيا لأحد المؤتمرات وقد جهز سلاحه الشخصي المرخص للدفاع عنهم إذا اقتضى الأمر. ثم شاهدته محاضرا في اللقاء الأسبوعي بمسجد الرحمن بمدينة المنيا. ثم شاهدته يلملم فتنة تفجرت بالمنيا عقب اعتداء بعض رفاق الأمس على الأخ علي عبد الفتاح أمام مسجد الرحمن. ثم سمعت أنه وقد صار مديرا للإسعاف كان يركب إحدى سياراتها الحديثة ويشغل لاسلكي السيارة متنصتا على اتصالات اللاسلكي الخاصة بمديرية الأمن لينقل لإخواننا أوقات الأزمات اتصالات كبار القيادات والتوجيهات التي تصدر للقوات على الأرض. لكنه في كل مراحل تطوره ظل كما هو عاصفة عاتية إذا غضب.. ثم طفلا وديعا إذا سكن.. يرحمه الله. شيء كهذا، بل أخطر حدث بأسيوط في نفس الفترة الزمنية ونحن هنا تخطينا التسلسل الزمني الذي نحكيه وذهبنا للأمام أعواما. فقد كان أحد الفنيين بوزارة الاتصالات ينقل ما يدور عبر الهواتف الأرضية الخاصة بمباحث أمن الدولة أولا بأول. فكانوا يفاجؤون بأن كل خططهم تفشل ولم يكتشفوا السر إلى يومنا هذا. أما أكبر المواجهات بين الجماعة والنظام في هذه الفترة فكانت في شهر مارس عام 1979 وكانت بسبب استقبال شاه إيران المخلوع في مصر. كان السادات قد أعلن بنفسه في خطاب من خطاباته المملة التي كان يظن أنها مهمة حتى إنه كان يكرر في كل منها تقريبا (أنا أتكلم الآن والعالم كله يسمعني) أقول كان قد أعلن أنه سيستضيف الشاه رضا بهلوي في مصر. وقد ظل الشاه قبلها عاما يدور على دول العالم كالكلب الأجرب لا يستقر به المقام في دولة بعد أن تخلت عنه أمريكا. استفزنا القرار فقررنا الاعتراض وأعلنا عن مؤتمر بمسجد ناصر وانتوينا أن نخرج بعده بمسيرة. وتوتر الأمن وراحت الرسائل والأخبار تتوالى إلينا أنهم سيواجهوننا بالقوة. وعقد المؤتمر وكانت كلماته المعادية للشاه وللسادات معا عنيفة وخاصة كلمة الأخ محمود حب الله. وهو طبيب أزهري. فقد حكى قصة الغراب الذي صاحب حمامة فتعجب الناس فلما اقتربوا منهما وجدوهما أعرجين فهتفوا جمع بينهما العرج. كان الحضور كثيفا. وكانت عربات الأمن المركزي ترابض على عدة محاور تؤدي للمسجد لكن أحدا لم يتدخل لمنع الذاهبين للمسجد. وجاءنا خبران مهمان الأول أن المحافظ وقيادات الأمن متواجدون قبيل المؤتمر بساعات بشقة تشرف على مكان انعقاده. أما الثاني فهو أن عربات الأمن المركزي على غير العادة قد غطي زجاجها بستارة من الشبك الحديدي. إنه الاستعداد للاشتباك إذن. ظل عندي أمل أننا سنتمكن من الخروج بمسرتنا والوصول للمدينة الجامعية مخترقين شوارع أسيوط بسلام. ورسمنا مسارا يتجنب المرور بكنائس كبرى تحرزا لانفلات بعض المتظاهرين. قبيل المسيرة ألف أخ من كلية الطب البيطري لا يحضرني اسمه عدة شعارات ستكون هتافات الليلة. كان منها (يا فرعون هذا العصر… مش عاوزين الشاه في مصر) و (مصر بلد المسلمين… مش مأوى للسفاحين) وكانت الميكروفونات اليدوية تنقل الهتاف من فم قائد المسيرة لتجلجل خلفه الأصوات بصورة لم أعهدها في كل مسيراتنا السابقة. ظللت أروح وأجيء أمام المسيرة كي أطمئن أن الطريق خال من قوات الأمن.وقلت لو عبرنا بسلام تقاطع يسري راغب (شارع به كنائس) فسنصل بأمان.
لكن قبيل أن نصل للتقاطع انهمر الرصاص والقنابل من حارة صغيرة بجوار الهيئة العامة للكتاب وسرعان ما خرجت القوات لتشتبك مع المسيرة التي انقسمت شطرين كنت في أصغرهما وهو الأمامي رجعت محاولا احتواء المواجهة لكن حشود الأمن المندفعة كانت كفيلة بإقناعنا بأن القرار كان حاسما. طلبت من الشطر الأمامي إكمال السير نحو المدينة الجامعية فصاح بعض إخواني ونترك الباقين قلت سيعودون للمسجد والميدان فرفض وأشار لقوات الأمن التي شكلت كردونا كثيفا في الشارع والعصي ترتفع وتهوي وسط الكردون بما يوحي أنهم يبطشون بالمتظاهرين. فجأة حدثت فرجة بين صفوف الجنود فبان لنا أنها خدعة وأن هناك فقط صفين من الجنود بينهما مسافة طويلة لا يوجد بها أحد من المتظاهرين.
(48)
أشرت للأخ علي طه طالب الطب الذي كان مصرا على أن نعود لاستنقاذ من حاصرهم الأمن على الثغرة التي بدا منها الشارع خاليا وعنفته بقسوة لأنه كان سيوقعنا جميعا في الكمين. ثم احتضنته معتذرا واستسمحته لقسوة كلماتي. والحمد لله أنني استسمحته فقد سبقنا إلى الدار الآخرة في أحداث 1981. عندما وصلنا المدينة الجامعية ذهبنا لمسجد الرحمن (ولتسميته قصة ستأتي) بعدها بدقائق جاءني شاب يصطنع الجزع ويلح علي أن نذهب فورا لمسجد ناصر الذي أقيم فيه المؤتمر لأن الإخوة هناك يعذبون. لم أصدقه فقد كنت أشك فيه من قبل لم أشك فيه بالطبع لأنه حليق، بل لشيء كنت أراه في عينيه. أيأسته من الاستجابة لطلبه ثم أوعزت لبعض إخواني أن يتسللوا عبر شريط السكة الحديد مشيا على القضبان لاستطلاع الأمور هناك. فكان الأمر كما توقعته فقد انصرف أهل أسيوط إلى بيوتهم وتحصن طلاب الجامعة بالمسجد وأطفأوا الأنوار وشرع بعضهم في النوم. بعد تفاوض مع الجامعة والأمن تم رفع كردون الأمن وعادوا للمدينة الجامعية. بالطبع كان هناك معتقلون وجرحى، بل كان هناك ما هو أكثر. ومن مبنى (أ) حيث كان أحد مندوبي التفاوض الأخ سعد عبد اللطيف يتصل بزملاء له في المستشفى الجامعي. التقطت أذني كلمة (dead) فكانت صدمة لي. وكان الأخ عنتر كمال أول شهيد في تاريخ الصحوة الإسلامية. لكنه لم يكن الأخير طبعا. بل دخل خلفه من هذا الباب الطاهر قرابة خمسة آلاف. سألت عنه فعرفت أنه شاب صغير لا يكاد يعرفه أحد هنا في الجامعة. كان يعمل بمطعم قريب من المدينة الجامعية. فلما علم بموعد المؤتمر -وكان بعد العشاء في أواخر مارس من عام 1979 كما ذكرنا وأظنه كان يوم ثلاثاء- استأذن صاحب المطعم في الانصراف مبكرا فرفض وهدده أن أجر يومه سيضيع بالكامل إن انصرف مبكرا فخلع ثياب المطعم وترك أجره، بل ترك حياته فوقع أجره على الله. وجاءته طلقة خرطوش من مسافة قريبة جدا حسب تقرير الطب الشرعي حتى إن كرياتها الصغيرة والكثيرة لم تنتشر، بل ولم تخرج من غلافها البلاستيكي الأسطواني فدخلت بغلافها في صدره ممزقة شرايين القلب لتستقر في أقصى تجويف الصدر من الخلف. في اليوم التالي لم يدخل طلبة الجامعة مدرجات الدراسة دون دعوة منا لتعطيل الدراسة. نعم ذهبوا للجامعة، ولكن لصلاة الغائب على شاب لا يعرفه أحد منهم ثم سرنا زحفا نحو المستشفى في غضب صامت. هناك وجدنا عددا كبيرا من الطلاب والأهالي محتشدين بساحتها. وفي أحد غرف الأطباء الكثيرة المتداخلة جلسنا نتداول الأمر كان الأخ ناجح يترأس النقاش وحوله مجموعة متحمسة من الأطباء حديثي التخرج وبجواره الأخ محمد عمر وقد وصل للتو من القاهرة مرسلا من الأخ حلمي الجزار لمتابعة الموقف المتفجر. عندما بدأ كل من الحضور يبدي رأيه فيما يجب فعله وجدت أن الاتجاه الغالب هو الرأي القائل نخرج بالجنازة من المستشفى مخترقين شوارع أسيوط. كنت قد جلست قبلها بدقائق في مكتب مدير المستشفى الجامعي مع لواء مبعوث من وزير الداخلية للتعامل مع الأزمة لأن الأمر كان أخطر من تركه لمدير الأمن. هذا اللواء أكد لي بهدوء، ولكن بحسم أن الوزارة ستمنع خروجنا بالجنازة أيا كان الثمن. فقد كانت الجنازات هي السلاح الذي أسقط به الإيرانيون الشاه. فعقب كل تظاهرة يجمع أهالي كل مدينة جثامين من سقطوا برصاص الجيش ويخرجون في اليوم التالي بجنازاتهم فيسقط آخرون ويخرجون أيضا بجنازاتهم. وهكذا وهلم جرا. قلت له هناك حل وسط. هناك طريق ضيق لا يفضي إلى وسط المدينة ستسلكه الجنازة لمسافة ثم يتم حملها على سيارة تنطلق إلى قريته ونعود نحن. بعدها بدقائق خرجت أعاين الساحة أمام المستشفى فوجدت قوات الأمن أغلقت هذا الطريق هو الآخر كما كانت أغلقت من الصباح كل الطرق المؤدية إلى المدينة وتركت فقط طريقا يؤدي للجامعة ومنه جئنا.عدت للاجتماع لأجد الأطباء يضغطون في اتجاه خروج الجنازة ولما جاء دور الأخ محمد عمر في الحديث قال أرى الاكتفاء بالصلاة على الأخ داخل المستشفى فلما أشار الأخ ناجح لمن بعده لإبداء رأيه حاول الأخ محمد عمر القول بأن رأيه ليس مجرد مشورة وإنما تكليف ملزم لأنه يمثل الأخ حلمي الجزار (كان وقتها رئيس مجلس شورى أمراء الجامعات) يريد أن يقول إنه ليس من حق الأخ ناجح مخالفة أمره. لكن ابتسامة عريضة أعقبها انتقال لسماع رأي من بعده أفهمته أن جامعة أسيوط ليست خاضعة للأخ حلمي. فقد كنا نعرف أنه انضم للإخوان وإن كان كالعادة ينكر.
عندما خرج الأخ ناجح لإعلان قراره أمام الحشد المتجمهر بساحات المستشفى لم أتفاجأ بكونه قرر الخروج بالجنازة قدر ما تفاجأت بأنه قرر أن يقودها العبد الفقير مع أنه يعرف أن رأيي هو عدم إمكانية خروج الجنازة أصلا. فنحن محاصرون في المستشفى ولا نملك ما نجبر به الأمن على فتح الطريق ولا ما ندافع به عن أنفسنا.
(49)
سبب آخر كان يدفعني لعدم الموافقة على الخروج بالجنازة وهو الرغبة في عدم تعريض الشباب للقهر الأمني مرتين متتاليتين دون رد أو حتى دون فسحة كافية من الزمان للتعافي. فقد كان الجميع يشعر بالقهر بعد سقوط أول شهيد ولم يكن بمقدورنا الرد على العدوان. فالجماعة لم تدخل بعد في طور الاستعداد لمواجهة مثل هذه الاعتداءات وكنا من قبل نستطيع بفضل من الله تحويل بعض الضربات الأمنية لمكاسب في ساحة الدعوة فكان إقبال الناس عامة والشباب خاصة على الالتزام عقب كل مواجهة تعوضنا عن بعض التضحيات التي كانت حتى هذه المواجهة الأخيرة بسيطة. لكن عندما تتوالى الضربات الأمنية سيحدث خوف وإحجام وستتقلص الدعوة. كل هذا صار وراء ظهري الآن وقد كلفت بقيادة أخطر مسيرة جماهيرية (الجنازة !!) لم أكن خياليا حتى أتصور أننا دون إمكانات سنخترق حصار الأمن المدجج بالسلاح والذي ضربنا بالأمس بالرصاص وهو على استعداد لتكرار ذلك اليوم. فانتويت أن أخرج بالجنازة إلى الساحة الخارجية أمام المستشفى حتى أقرب حاجز أمني ثم نصلي صلاة الجنازة ونخطب إن وجدت فرصة ونكتفي بهذا. وعندما خرجت لمعاينة الموقف بالخارج للمرة الأخيرة. انهمرت القنابل المسيلة للدموع ورأيت بعضها يتلوى كثعبان مجنون بين أقدامي. تركت بعض المتواجدين بالخارج يحاولون الإمساك بالقنابل وإعادة إلقائها صوب القوات ودرت عائدا من باب آخر للمستشفى نحو الجموع المحتشدة فلم أجد أحدا فقد كان للمستشفى هي الأخرى نصيب موفور من القنابل فاضطر المحتشدون للاحتماء داخل المباني. وهناك صاح صائح بأن الأمن اختطف الجثمان من المشرحة وهرب به للخارج. وانتهت الجنازة قبل أن تبدأ!!وصار شغلنا الشاغل فك الحصار عن المستشفى ومنع اقتحامها واستنقاذ من بداخلها. وقد تحقق ذلك فلم يكن الأمن راغبا في التصعيد أكثر من ذلك. واكتفى بمنع الجنازة. وعدنا للمدينة الجامعية التي سرى خبر بعد أيام قليلة في أحد مبانيها بأن الشاه قد مات. فانتفض الطلاب مكبرين وسرى الخبر من مبنى لآخر وسرت معه التكبيرات. وسرعان ما اكتشفنا أن الخبر مكذوب وأننا في اليوم الذي اعتاد بعض التافهين إطلاق الأكاذيب فيه يوم الأول من إبريل.
ولما كان حال الحزن والغضب الساكن في هذا المكان لا يسمح بمثل هذه السفاهات فقد تم تتبع خيط هذه الكذبة والوصول لمن أطلقها وتوبيخه. كانت هناك خسائر أخرى فقد بترت بعض الأطراف وقد زرت بأحد المباني شابا بترت قدمه وواسيته وإن لم تخني ذاكرتي فقد كان اسمه عبد الباسط من كلية الطب البيطري بمبنى (هاء) فوجدته صابرا، بل راضيا يرضى الله عنه. في ذات الفترة كانت هناك مواجهة أخرى بالمنيا على خلفية نزاع طائفي وقتل الأمن أيضا رجلا مسلما مسنا. قتيلان إذن برصاص الأمن في مساحة لا تتعدى أسبوعين. إنها مرحلة جديدة. ومثلما كان الأخ عنتر كمال بأسيوط غير معروف لدينا كذا كان هذا الرجل يرحمه الله غير معروف بالمنيا. ومثل هؤلاء يصنفون لدى غيرنا على أنهم من المتعاطفين. لكن الأمر عندنا مختلف فهؤلاء ببذلهم وعطائهم أفضل منا. فلا فرق بين عضو بالجماعة ومتعاطف معها لأنه ببساطة لا توجد عضوية محددة بشروط ولا مقيدة ببيعة ولا مدونة في أوراق. هناك واجبات جاء بها ديننا فمن قام بها فهو منا -وإن لم نعرفه ولا التقيناه- وبيننا وبينه موالاة كاملة هي أقوى من روابط الجماعات والتنظيمات. وعرى هذه الرابطة أوثق من عرى البيعات. ومن أعرض عنها ضعفت الروابط بيننا وبينه. فإن عاد عادت وإن ارتقى استوثقت وزادت.لذا لم أجد في نفسي حاجة لأن أدعوا أحدا يوما لأن يكون من الجماعة أو أن ينضم لصفوفها وأنا بدوري لم يدعني أحد لأن أنضم للجماعة. بل وجدت نفسي مشدودا للتعرف على هؤلاء والاندماج معهم فيما يفعلونه من طاعات كالدعوة والحسبة وغيرها من أوجه الخير. راضيا بأن يكون لهم -لفضلهم وسبقهم وعلمهم- الحق في التوجيه ويكون علي واجب الطاعة وعدم خرق النظام.
هكذا تشكلت الجماعة الإسلامية وهكذا يجب أن تستمر، بل هذا هو ضمان استمراريتها. فالتنظيمات يسهل استئصالها. أما الحالة الإيمانية التي تنتج ولاء بين أصحابها فلا يكن فصم عراها ومن تلبس بها (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) قال مجاهد (فقد استمسك بالعروة الوثقى) يعني الإيمان. وقال السدي هو الإسلام. وقال سعيد بن جبير والضحاك يعني لا إله إلا الله. وعن أنس بن مالك (بالعروة الوثقى) أي القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال هو الحب في الله والبغض في الله. قال ابن كثير: “وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها”فالإيمان والقرآن والحب في الله وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هي مفتاح الدخول لهذه الطائفة. وهو مفتاح كما ترى بيد كل مسلم وليس من سلطة قائد ولا أمير أن يمنع من امتلكه من الدخول.
والآن جاء دور محطة أخرى من محطات التصعيد.
(50)
جاء الدور على حادثة هدم سور المدينة الجامعية في خريف عام 1980 كأحد مراحل الصدام المتصاعد. وقرار بناء السور كان أحدث حلقات مسلسل محاصرة العمل الإسلامي بجامعة أسيوط. بدأت هذه الحلقات منذ خطاب السادات بأسيوط الذي كان قبل ذلك بحوالي عامين فاتخذت قرارات بمجالس تأديبية وتهديد للطلاب المتصدرين للدعوة وأسرهم. وكان من حلقات الحصار الفصل بين طلاب الكليات داخل المدينة الجامعية بتخصيص كل كلية بمبنى. وكان المستهدف أساسا هم طلبة كليتي الطب والهندسة. وذلك لكثرة النشطين في مجال العمل الإسلامي من هاتين الكليتين اللتين استحوذتا أيضا على نصيب الأسد من مجلس شورى الجماعة بالجامعة. وقد كانت الشكوى من هاتين الكليتين عامة على مستوى الجمهورية وامتد هذا الأمر لمرحلة ما بعد السادات. ولما فشلت الجهود الأمنية في علاج هذه الظاهرة أطلقوا أبواق الإعلام الرسمية مقروءة ومسموعة ومرئية تنهش في طلاب الطب والهندسة في سابقة عجيبة لا مثيل لها في أي دولة. فمعلوم أنه لا يصل لهاتين الكليتين إلا الشريحة المتميزة من الطلاب ذكاء وجدية. وهم محل فخر الأمم لأنهم قاطرة نهضتها. لكن في مصر وحدها صاروا محل تحقير وتسفيه من الإعلام لأنهما كانتا قاطرة الصحوة الإسلامية. ففيهما أكثر عدد من الشباب الملتزم وأعلى نسبة من الالتزام بالحجاب، بل والنقاب بين الفتيات. ومنهما خرج الدعاة المؤثرون والقادة. وقد سألني باحث يوما عن تفسير هذه الظاهرة فأجبته بقول الله تعالى (إِنَّمَا یَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ) فأعجبه الاستدلال وأبدى اقتناعا. لكن هذا الفصل لم يؤثر على انسياح الدعوة في كل الكليات ولا على كون المدينة الجامعية هي عقل الصحوة المفكر وقلبه النابض. فكان قرار إنشاء سور يعزل المدينة الجامعية عن الجامعة من ناحية وعن أحياء أسيوط كن ناحية أخرى، بل وعزل كل مبنى عن بقية المباني. فصارت المدينة مجموعة أقفاص حديدية قبيحة تخنق المباني وتحبس الطلاب داخلها. فلا يدخل طالب ولا يدخل إلا مبناه فقط وببطاقة هوية وبإذن من الحرس ولا يستقبل ضيفا ولا يزور أحدا. ولم يكن هذا نهاية المطاف فجاءت بعد ذلك خطوة شطر العام الدراسي نصفين وتقسيم نصف المواد الدراسية التي كانت تدرس على مدار عام كامل إلى قسمين كل منهما يحشر في نصف عام مع مضاعفة عدد ساعات دراسته. وعبثا حاول خبراء التعليم وأساتذة الجامعات الاعتراض والقول بأن الزمن عامل مهم في تشرب العلم واستيعابه وأنه لا بد من عام دراسي كامل لكل مادة وأنه لا يغني عن ذلك مضاعفة الساعات، بل قد يضر بالعملية التعليمية لكن عقلية الأمن كانت هي الغالبة على القرار. نعود الآن لقضية بناء السور التي قفزنا بها فوق عام دراسي لا زال مليئا بأعمال الدعوة والتربية وغيرها مما سنعود إليه لاحقا إن شاء الله. عاد الطلاب إذن من أجازتهم الصيفية ليجدوا ثعبانا يتلوى حول مدينتهم الجامعية وبين مبانيها محاصرا إياها بسور بشع المنظر أسفله من طوب وأسمنت مسلح بارتفاع قرابة متر يعلوه إطارات مربعة ضخمة من حديد تصطف داخلها قضبان حديدية غبية بارتفاع قرابة مترين آخرين. وقد تم تجنيد حرس جامعي يقف على بوابة كل مبنى. كانت هناك محاولة لإفشال المشروع أثناء الإجازة الصيفية لكنها فشلت. وأصبح اكتمال السور كابوسا يقترب كل يوم. وبعد أربعين يوما من ابتداء الدراسة كان كل شيء جاهزا ولم يبق سوى تركيب البوابات الحديدية الضخمة. وعندها قررنا تعطيل المشروع بقص أجزاء المفصلات المثبتة في أكتاف البوابات فيتعذر تركيب البوابات ريثما نجد حلا لهذا الحصار. وبالفعل أرسلنا لإحضار آلات قطع لكن قبل وصولها وصل ليلا موكب سيارات ونزل منه بعضهم عند بوابة مبنى (د) عرفت منهم عن بعد رئيس الجامعة وتوقعت أن من كان معه هم قيادات أمن أسيوط. وفي الصباح كانت قوات الأمن تقف على رأس كل بوابة تحرس عملية صب القواعد الأسمنتية للبوابات القادمة بعد قليل ثم تظل واقفة لتحرسها حتى تجف لئلا يدمرها الطلاب. فيما بعد عرفنا أن خطتنا البسيطة تسربت.كانت المدينة كلها تغلي فهذه أول مرة تدخل قوات الأمن للحرم الجامعي، بل وتقف بهذه الطريقة المستفزة شاهرة عصيها وسلاحها بوجه الطلاب. وزاد الغليان حينما اعتقلوا الأخ محمود فرج الذي تعمد التحرك بالشارع الذي يصطفون فيه أمام مباني (أ) و (ب)
وكسرا للحالة النفسية السيئة قررنا الخروج والذهاب للمسجد القائم على رأس المدينة مسجد الرحمن الذي سأحكي حكايته بعد حين إن شاء الله كما وعدتكم من قبل. وسلكنا طريقا يمر بالإستاد الرياضي للجامعة الذي هو بالمناسبة إستاد أسيوط أيضا. وسرنا بين ملاعبه المتعددة. فأدركنا شاب لا نعرفه مسرعا على دراجة ليحذرنا من كمين منصوب لنا. فلم نرجع، بل تقدمنا، ولكن بحذر. وبالفعل كانوا مختبئين خلف ملعب التنس أو السلة وانقضوا علينا