القائمة إغلاق

السيف والقلم.. رحلتي مع الجماعة الإسلامية – عاصم عبد الماجد – الحلقات من 41 إلى 45

 

(السيف والقلم)

(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)

(41)

عدت إلى مدينتي (المنيا) عقب انتهاء العام الدراسي لكن قلبي كان متعلقا بأسيوط وتحديدا بجامعتها لأسباب كثيرة في مقدمتها أني خطوت بها أول خطواتي في الطريق إلى الله وذقت بها حلاوة الإيمان. ويالروعة حلاوة الإيمان التي تسكن القلب فتطرد منه أهواءه ووساوسه فيهنأ بعد شقاء ويسكن بعد اضطراب وينعم بعد بؤس ويتحرر بعد عبودية.

ولكم وددت أن أمسك بطرف قلمي بحلاوة الإيمان هذه لأخطها فوق الورق ليقرأها من لم يعرفها كي يهرع تواقا إلى ما يوصله إليها. لكن القلم يعجز كما يعجز اللسان لأن هذه الحلاوة تدرك بالذوق لا بالحواس. ولأن القلب -وياحسرتاه- قسا فضاعت منه أكثر هذه المعاني.

والإنسان يحن -كما تعلمون- لمواطن سعادته وإلى هواه الأول. لذا وجدتني دائم الحنين لجامعتي. حتى كنت أشعر بشيء من غربة كلما عدت لمدينتي رغم أن بها أسرتي التي أحبها كثيرا.

لذا كنت أفتعل الأسباب افتعالا كي أذهب لأسيوط وهناك يلتئم الشمل مع بعض الفارين مثلي إلى موطن حنينهم أو من جاء لحاجة وكذا بعض طلاب كلية الطب في بعض سنوات دراستهم المتصلة بلا إجازة.

نعم كانت المدينة الجامعية تبدو موحشة بغياب الزخم الطلابي الكبير. لكنها تظل محببة لنفوسنا. بالطبع لم تكن اللوائح تبيح لنا السكن فيها في الإجازة لكن اللوائح كانت بالنسبة لنا في إجازة. تبقى مشكلة تدبير الطعام وهذه تحلها ساندويتشات طعمية من أقرب مطعم وتشارك في حلها شركة (قها) بمعلباتها المشهورة آنذاك خاصة معلبات المربى المشكلة بفتح الكاف المشددة والتي كنا ننطقها -عمدا- بالكسر وبلا تشديد!! وقد وقعنا في غرامها رغم أنها أردأ أنواع المربى؛ إذ هي مصنوعة من بقايا الفواكه؛ وذلك لرخص سعرها. فلك أن تتخيل أن تكفي 16 قرشا -هي ثمن علبة من هذا الصنف- لإطعام ثلاثة أو أربعة.

فيما عدا هذه الأيام المقتطعة كنت أقضي الصيف بالمنيا مترددا على مسجد (عثمان) وهو أقرب مسجد يقيم السنة لبيت والدي أو مسجد (الفتح) بجوار بيت جدتي لأمي. وكنت في أحيان قليلة ألقي موعظة قصيرة في هذا المسجد أو ذاك. وكم كان حرجي -بعد أن انتهيت من كلمة لي بمسجد عثمان- عندما وجدت الرجل الوقور الشيخ عبد الحافظ يقبل نحوي من إحدى زوايا المسجد ليصافحني بحرارة ويثني على شخصي الضعيف. حاولت أن أعتذر له بأني لم ألحظ وجوده وإلا لما تحدثت بين يديه لكنه لم يعطني فرصة للاعتذار.

والشيخ عبد الحافظ هو أحد مشايخ الجمعية الشرعية بالمنيا وهو أحد أبناء قريتنا وكان صديقا لجدي الأزهري الشيخ محمد ماضي وقد وضع الله للشيخ عبد الحافظ قبولا عند الناس وأحسبه مكتوبا عند الله من الصالحين.

ومن مآثره أنه لما جاء دوره للذهاب للحج على نفقة الدولة رفض وقال أنا فقير ولم يفرض الله على الفقير حجا فقيل له لكنها تكرمة من المحافظ لمشايخ الجمعية الشرعية وقد ذهب قبلك فلان وفلان فقال لن أذهب. رفض رحمه الله أن يكون لذي سلطان نعمة عنده ويد عليه. وشهدت يوما خلافا بين الهيئات والجماعات الإسلامية في المنيا حول خطيب العيد فلم يسكن الخلاف إلا لما طرح اسم الشيخ عبد الحافظ خطيبا.

ويرحم الله مالك بن دينار القائل (إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف)

كان مسجد عثمان يقع بجوار السوق في حي فقير نسبيا فكانت فرصة لأختبر استجابة هذه الشريحة للدعوة. بينما كان مسجد الفتح يقع في أرض سلطان وكان وقتها حيا ناشئا تسكنه الطبقة الثرية.

فاختبرت فيه هو الآخر استجابة هذه الطبقة.

والنتيجة التي خلصت بها أن أفضل الشرائح وأسرعها استجابة هم الشباب من أي طبقة اجتماعية جاؤوا. لذا كنت في أيام الدراسة لا أكاد أخرج للدعوة خارج الجامعة. وكنت أعتقد أن ثمرة الدعوة بها أسرع ظهورا وأنقى قلوبا وأصدق بذلا وأمضى عزما.

في مسجد الفتح كنت ألتقي رفيقي القديم الذي صار اليوم محط أنظار بعض الشباب الملتزم بأرض سلطان. إنه أخي عصام دربالة. عانينا في هذا المسجد من طبقة الموسرين كبار السن الذين لهم صلة بالعلم الشرعي ومعظمهم من معلمي اللغة العربية. كانوا ينظرون إلينا بتعال ويحذروننا وكأننا جئنا نسلبهم مكانة كانت لهم في نفوس المترددين على المسجد. لكن وللإنصاف كان بينهم أهل صلاح وتواضع. وخاصة موجه اللغة العربية العظيم الذي سار بجواري بعد أن ألقيت موعظة قصيرة فلما صرنا بمفردنا قال (فإذا أحببته كنت….) وسكت يستنطقني فانتبهت أنه يصحح لي خطأ وقعت فيه وأنا أذكر هذا الحديث القدسي الشريف فأكملت على الصواب (سمعه…. وبصره…. ويده….. ورجله) بفتح العين، والراء، والدال، واللام.

فلم يقل لي أخطأت ولا قال لي الصواب، بل نبهني بذكاء شديد وتواضع أشد وتركني أصحح الخطأ بنفسي. وفي هذا المسجد تعرفت على حامل القرآن الشيخ أحمد عزت وقد قص على كيف حفظ القرآن في ثمانية أشهر فقط كل يوم (ربعا) وأنه اتبع خطة في المراجعة لا أظن أن أحدا غيره فعلها.

 

(42)

كانت خطته في المراجعة أن يسرد كل يوم جميع ما حفظه من قبل. فإذا انتهى منه بدأ في حفظ (الربع) الجديد.

وهذا قد يكون سهلا في الشهر الأول أو الشهرين الأولين لكن أن يستمر على هذه الطريقة طوال أشهر الحفظ الثمانية حتى عندما تبلغ محفوظاته خمسة وعشرين جزءا مثلا فيكون المطلوب منه قبل أن يبدأ في حفظ أول ربع من الجزء السادس والعشرين أن يسرد خمسة وعشرين جزءا (غيبا) فهذا شيء شديد المشقة. ولكن الله أعانه عليه.

وقد رأيت أخلاق القرآن تكسو هذا الرجل الصالح وتزينه وكان شديد التأثر بما يتلوه فقد جلست إليه وهو يتلو سورة التوبة فلما بلغ قوله تعالى (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) فوجئت به يكبر تكبيرة فرح واستبشار ورجاء لا أظن أنها انطلقت من لسانه، بل من قلبه. فصرت بعدها كلما مررت بهذه الآية أتذكر هذا الرجل الصالح وتكبيرته.

وكان رحمه الله من أحسن الناس خلقا وكان بسيطا شديد التواضع. ولم يكن يتواضع تكلفا، بل كان لا يرى لنفسه فضلا ولا مكانة. وقد سبب تواضعه هذا لي إحراجا وجلب على عداوة أو لنقل زاد من عداوة بعضهم لي من حيث لا يدري الرجل ولا يحتسب. فقد جلست يوما بين يديه أصحح عليه سورة الزمر فاستمع ثم قال ما شاء الله أنت تصلح إماما لنا في صلاة القيام.

وكان الأخ عصام دربالة ينظم في بعض الليالي صلاة القيام بهذا المسجد (وفي ليال أخرى كان هو ومجموعة شباب معه من أهل الحي يصلون في بيت أحدهم) انتفضت لكلمته -رغم أني فرحت بشهادته لي التي كان فيها كثير مبالغة- فأنا أعلم أن أقطاب هذا الحي لن يستسيغوا هذا الأمر. هذا فضلا عن أنه يحفظ القرآن كله ويتقنه وأنا لا أحفظ إلا أقل القليل ثم إني أصغر سنا وأقل علما. رجوته أن يؤمنا هو الليلة كما هي عادته وأضمرت أنه إذا حاول تقديمي للإمامة فلن أفعل بأي حال من الأحوال لكنه فاجأني وفاجأ الجميع بعدما انتهى من إمامتنا بصلاة العشاء -بعد التذكير بموعد القيام- بالقول وسيؤمنا الأخ فلان. انكمشت داخل ثيابي وأنا أعلم أن نظرات غضب صوبت نحوي من أكثر من اتجاه. عندما ذهبت للمسجد في موعد الصلاة عازما أني لن أفعل كان باب المسجد مغلقا بإحكام وقد ذهب حامل المفتاح ولم يرجع إلا مع آذان الفجر.

تعرفت على الشيخ المقرئ الذي حفظ على يديه الشيخ أحمد عزت. وهو شيخنا الشيخ محمد حلمي. كان في السبعينيات من عمره لكنه بصحة جيدة وهمة عالية وتلقيت منه شيئا يسيرا ولم أنتظم للأسف. وقد أقرأني بقصر المنفصل وترك السكتات الأربع فسمعني إمام مسجد مرة وأنا أقرأ على الشيخ حلمي بالقصر فأنكر علي فوبخه شيخي بشدة وقال دعه هو يعرف ماذا يفعل هو يقرأ بطريق المصباح بقراءة حفص عن عاصم. في الحقيقة كانت تلك أول مرة أسمع عن طريق المصباح. فيما بعد أرسلت له من سجني أسأله عن بعض أحرف اختلف فيها عن حفص ليرشدني كيف أقرؤها من طريق المصباح فأرسل لي ردا وافيا ثم قال فيما بعد لحامل الرسالة وهو شقيقي الأخ شريف هل نجح الشيخ حلمي في الاختبار الذي عقده له الشيخ عاصم!!!

وبلغ من تواضعه أن حاول تقديمي مرة لأصلي به فانتفضت رافضا فصلى وقرأ بالمعوذتين فلما سلم لامني لأني لم أستجب لطلبه!!

ولقي مرة بعض الشباب الملتحي فاستوقفهم في عرض الطريق وصاح ربكم يباهي بكم الملائكة الذين (قالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) يقول لهم ها هم أولاء يصلون ها هم أولاء يصومون وراح الشيخ يعدد صنوف الطاعات.

ومما نصحني به الشيخ ألا أزيد في اليوم عن ربع واحد حفظا وكنا على أعتاب رمضان فقلت له أريد أكثر. فقال لو حفظت ربعا عن ظهر قلب لقلنا قد أنجب الشافعي (والإمام الشافعي مشهور بسرعة الحفظ وقوته كما هو معلوم)

فلم أطعه وجلست بعد صلاة ظهر أول يوم من رمضان بمسجد (المبرة) فلم أنصرف إلا بعد أن حفظت ثلاثة أرباع ونصف من أول سورة آل عمران (لم أكن ختمت البقرة، بل كنت أحفظ منها اليسير) قمت معجبا بنفسي لكن كان هذا هو كل ما حفظته في رمضان!!

ولم أختم القرآن إلا بعد اعتقالنا بفترة عندما أكملت ثلاثين عاما. فليتني أطعت الشيخ.

يرحم الله أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

 

(43)

ومن أهل القرآن الذين سعدت بمعرفتهم شاب يدعى (عصاما) كنت لا أراه إلا في صلاة أو منكبا على مصحف بمسجد (المبرة) يتلو أو يحفظ أو يعلم فتية صغارا تلاوة القرآن. وكان نور القرآن في وجهه لا تخطئه عين. وكان محبوبا من الجميع قريبا من قلوب الجميع فلما وقعت فتنة الخلاف ظن الإخوان أنه لهدوئه أقرب لهم وظن السلفيون أنه لاهتمامه بالتعلم والتعليم أقرب ومضى هو -معتذرا بلطف- في طريقه مع القرآن.

وهكذا صارت إجازتي الصيفية بمدينتي دون أن أقصد فترة تزود لعام دراسي تال يكون كالعادة أشد ازدحاما من سابقه وأشد خطورة أيضا. وكان اعتكاف العشر الأواخر من رمضان أهم محطات هذا التزود الإيماني والعلمي أيضا.

وسنة الاعتكاف كانت وقتها ككثير غيرها من شعائر الإسلام وشرائعه مهجورة، بل مجهولة. فأعادها إخواننا بارك الله فيهم. وكان أول اعتكاف قصدته في صيف عام 1979 (ذكرت من قبل أني اعتكفت في عام سابق بمسجد المدينة الجامعية بالمنيا لكنني في الحقيقة تهربت بدعوى الاعتكاف من البقاء بالمنزل لأننا كنا نجهز للسفر للقاهرة لمساعدة إخواننا بجامعة القاهرة على إقامة معسكرهم الصيفي الذي رفض الأمن والجامعة السماح به)

كان اعتكافي الأول بمسجد الفتح وكان العدد قليلا جدا فكان الانتفاع بالاعتكاف عظيما جدا. في العام الذي يليه زاد العدد لكن مسؤول الاعتكاف (الأخ عصام دربالة) أحسن إدارة الاعتكاف فانتفعنا أيضا بلياليه العشر. حتى الخلل الذي وقع في ترتيب إمداد المعتكفين بالطعام والذي تسبب في مكثنا حوالي سبعة أيام نقتسم طعاما يسيرا.. أقول حتى هذا الخلل جعلنا أكثر تفرغا للقرآن والصلاة وأكثر خشوعا. ولا زلت أذكر ذلكم الأخ المعيد بكلية الزراعة الذي كان طعامه إفطارا وسحورا قطع بسكويت محشوة تمرا. وقد تخلى عنها في منتصف الاعتكاف ليكتفي بالتمر فقط لما قلت له ممازحا هذا إسراف وتنعم وعبثا حاولت إثناءه عن قراره هذا. وفي الليالي الأخيرة تزاحمت الأطعمة علينا فأفسدت علينا متعة العبادة التي كنا نجدها مع الجوع وافتقدناها مع الشبع. أما اعتكافنا الثالث بنفس المسجد في عام تال فكان مزدحما مشوشا فافتقدت فيه ما كنت أجده فيما سبقه ثم قطعته قبيل نهايته وخرجت لأمر سولت لي نفسي أنه ضروري ولم يكن كذلك. أما الاعتكاف الرابع فكان بزنازين عنبر (التجربة) بليمان طرة!!

وعقيب الاعتكاف نخرج لصلاة العيد فتجتمع علينا فرحة إتمام رمضان وفرحة تحصيل فضيلة الاعتكاف وفرحة العيد.

وللعيد بمدينتي فرحة خاصة ونحن نسعى مكبرين صوب كورنيش النيل فنكتشف أن المدينة كلها تزحف من حولنا. وهذه إحدى السنن التي أحيتها الصحوة الإسلامية في كل مدن وقرى ونجوع مصر. كان الناس من قبل يصلي بعض رجالهم العيد بالمساجد. لكن اليوم صار الجميع رجالا ونساء وأطفالا يتسابقون للمصلى في مشهد كنت أراه قديما فقط في ليلة شم النسيم. فسبحان الله خبت بدعة شم النسيم هذه وحيا مكانها سنة صلاة العيد.

ومن الحسنات التي تميزت بها مدينتي فضلا عن الحشد الكبير أن صلاة العيد كانت موحدة وأن كل الهيئات الإسلامية والجماعات (فيما بعد عندما انقسمت الصحوة لجماعات بفعل فاعل كما سيأتي) كلهم مجمعون على أن تكون صلاة واحدة، حتى لو اختلفوا خلافا سخيفا حول من يخطب ويؤم الناس وحول دور كل فصيل في الترتيب والتنظيم وحظه في الظهور!!

وقد كنت أظن أن هذه الميزة توجد بكل البلاد حتى فوجئت أن أسيوط بها صلاتان للعيد صلاة بإستاد الجامعة تهوي إليها جموع الأهالي من مختلف أحياء المدينة القديمة والحديثة وتنظمها الجماعة الإسلامية وصلاة أمام مسجد أبي الجود بحي (شركة فريال) في شارع ضيق بين المسجد وشريط القطار تنظمها جماعة الإخوان يحضرها عشرات هم أعضاؤها وبعض محبيهم!!

كان شيئا مستهجنا فالعيد اجتماع وفرحته في اجتماع الناس فيه. لكن فيما بعد عرفت أن بعض المصالح الحزبية مقدمة على الشعائر والسنن، بل وعلى الشرائع والواجبات!!

سبب آخر وهو أن الصف القيادي لإخوان المنيا نشأ أول ما نشأ في صفوف الصحوة الإسلامية فتشرب معاني لم يتشرب بها قيادة إخوان أسيوط. وهذه النشأة سيكون لها آثار ستظهر في عدة مواقف قد يأتي ذكرها إنصافا وإحقاقا للحق وإعطاء لكل ذي حق حقه.

ولضخامة صلاة العيد بالمنيا أتى في أحد الأعوام بعض المراسلين الأجانب لتغطية أخبارها فلما حاول بعض إخواننا إبعادهم قال لهم الأخ كرم زهدي دعوهم وتلا (وقد أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ)

وما دمنا نتكلم عن الوسائل التربوية فلن يفوتنا الإشارة للأذكار وما وجدته من شدة اهتمام بها عند الرعيل الأول من الصحوة الإسلامية. حتى كانت الأعمال تؤجل والأحاديث تتوقف عندما يقترب غروب الشمس أو شروقها لأن لهذه الأوقات وظائف وأذكارا معلومة. وقد طبعت بعد ذلك عدة كتيبات تجمع الأذكار الواردة في مختلف الأحوال.

 

(44)

وللذكر دور كبير في تزكية النفس وإصلاحها وقد قال الله تعالى كما في الحديث القدسي (وأنا معه إذا ذكرني) وهذه (المعية) معية خاصة. وبها يكون صلاح العبد وزكاة نفسه واستقامة جوارحه وطهارة قلبه. فإن رأيت عبدا مداوما على الذكر فاعلم أنه على خير عظيم.

وقد طال بي عمر حتى رأيت في الحركة الإسلامية من يهمل هذا الأمر، بل ورأيت من نفسي تقصيرا أوجبته قسوة القلب. فإلى الله المشتكى.

وهناك في المقابل من خرج بهذا الأمر عن حدود المشروع فوقع في البدعة وهو يظن أنه يحسن صنعا. فمن ذلك أن بعض المتبوعين يضع لأتباعه أذكارا مخصوصة ويجعلها كوظائف في أوقات أو أحوال معينة مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما شرع ذلك. فإن قيل الذكر كلام حسن في ذاته أو على الأقل مباح -طالما لم يشتمل على باطل- فأي عيب والحال هكذا من أن نجعله وظيفة لبعض الأوقات يلزم بها المتبوع أتباعه. قلنا العيب في هذا أنه نوع تشريع. والتشريع وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولسنا نلوم شخصا جمع آيات ودعوات وصيغ تسبيحات فالتزم هو بها لكننا نلوم أن يشرعها أحد للناس ويجعلها وظيفة لهم ووردا في أوقات أو أحوال معينة.

ومن الخروج عن الصفة المشروعة للذكر ما رأيناه من إلزام بعض المتبوعين أتباعهم أن يذكروا الله على وضوء جالسين مستقبلي القبلة وهذه كلها حسنة مستحبة لكن الإلزام بها ينقلها من المستحبات للواجبات وهذا تشديد ليس في محله. كيف وقد مدح الله تبارك وتعالى (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) ومن التشديد إلزام بعض المتبوعين أتباعهم بختم القرآن في مدة معينة مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يلزم أحدا من أصحابه بذلك. وقد اعتذر بعض المدافعين عن هذا الأمر بأنهم إنما يفعلونه في أوقات الشدة والبلاء كي يرفع الله البلاء بكثرة الذكر والتلاوة وقيل في الرد عليهم كم من شدة وبلاء مر بالمسلمين الأوائل ولم يأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك. والقاعدة تقول إن ما وجد سببه على عهد الرسول فلم يشرع صلى الله عليه وسلم عبادة تخصه -مع انتفاء موانع ذلك- فلا يجوز استحداث عبادة له بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. ومن حفظ هذه القاعدة عصم من البدع.

وقد حاول بعض إخواننا تخريج وجوب ذلك بأن طاعة الأمير واجبة في غير معصية وهذا ليس بمعصية، بل أمر مستحب فتجب طاعته فيه. ورد عليه بأن طاعة الأمير واجبة فيما نصب لأجله أميرا فقط. أما تحويل المستحب الذي لم يلزم الشارع الناس به إلى واجب ملزم للخلق فهذه ليست وظيفة الأمير ولو كان خليفة المسلمين الأول رضي الله عنه، بل هذه وظيفة الرسول. ويؤكد ذلك أنه ليس من حق الأمير مثلا أن يأمر الزوج بمعاشرة زوجه ليلة كذا وتركها ليلة كذا. فهذه جعلها الله للزوج لا لأمير ولا لخليفة، بل ولم يتدخل فيها حتى الرسول صلى الله عليه وسلم.

والذين يفعلون ذلك فيهم شبه من رهبان النصارى فقد شرع بعضهم صيام كذا وكذا ثم جاء آخر فشرع صياما جديدا وهكذا وهؤلاء هم الذين (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) فالواجب إبقاء ما كان من العبادات على الصفة التي كان عليها من وجوب أو استحباب. وإنما وظيفة الأمير أو الشيخ المتبوع حيال مستحبات الشريعة هي التذكير والحث والترغيب. لا الإلزام والإيجاب. والله أعلم. ثم ها نحن أولاء عائدون لأسيوط وجامعتها مع انطلاق عام جامعي جديد (80/79) لكني وللمرة الأولى في حياتي -لكنها ليست الأخيرة- أحمل صفة (راسب وباق للإعادة) وانا في الحقيقة كنت غائبا عمدا عن الامتحانات رافضا لإشغال الوقت بعلوم الهندسة -التي كنت أحبها، بل أهيم بها عشقا- لأن الرأس الذي سأحشوه بها سيطاح به يوما في معركة آتية لا محالة بين الصحوة الإسلامية والطواغيت!!

قبيل السفر قال لي فارسي النبيل إنه نسي هذا الأمر -أي الرسوب- وإنه يدعوني لنسيانه. فوعدته لكن ظل يؤرقني أني حملته عبئا ماديا إضافيا. فبعد أن كنت في بعض الأعوام أقبض شهريا مكافأة مالية من الجامعة لتفوقي تغطي معظم مصاريفي وفي بعضها الآخر حيث أفقد ميزة التفوق أقتطع من راتبه ثماني جنيهات فقط خمسة للمدينة الجامعية وثلاثة لمصروف الجيب. صرت أقتطع عشرين جنيها كاملة كل شهر!! سبعة ونصف إيجار سرير في غرفة مفروشة يسكن أخي عصام معي فيها وعشرة كاملة لمطبخ الشقة وجنيهان ونصف مصروف جيبي الشهري.

في أوائل أيامنا بالشقة جلس خمستنا نوزع الأعباء فقيل نختار أولا أميرا لنا. فخفت أن يختاروني فاحتلت حيلة فانتهرتهم غاضبا وقلت كيف تختارون وأنا موجود أنا أحق بها. فقال أخي عصام هناك نهي أن نولي من حرص على الإمارة وأنت سألتها بلسانك فلن نوليك فقلت مصطنعا الندم أنا أتراجع عن طلب الإمارة ونبدأ الحوار من جديد فقال لا.

فاختاروا فيما بينهم فوقع اختيارهم على الأخ عصام وقمت مسرورا.

 

(45)

لكني لم أطق المقام بالشقة رغم طيب الصحبة فأنا ابن المدينة الجامعية وبها التزمت وعرفت طريق الله. فنادتني مبانيها وطرقاتها وصحبي فيها. فكان لا بد أن أعود -بصورة غير رسمية- ولو اضطررت للنوم في مسجد مبنى (د) يرافقني ويرحب بي جيش من الناموس!! في هذا العام كان واضحا أمامنا أن الصحوة انقسمت وأن فريقين خرجا منها وشقا طريقهما وصار لكل فريق أدبياته وشيوخه ورموزه وأن الصعيد بجامعاته ومحافظاته هو الباقي على العهد متفردا (سأؤجل الحديث عن ذلك وأجمعه قدر الإمكان في فصل واحد أسود مظلم لكيلا أوذي القارئ بهذه المأساة في أكثر من موضع.) الذي يهمني هنا هو أننا أدركنا أهمية تحديد منهج تربوي للجماعة كي نحافظ على رقيها الإيماني والشرعي. وبدأنا نمحص المطبوعات المنتشرة آنذاك ونختار ما يصلح لتكوين وبناء الشخصية المسلمة. بحيث تكون هي الزاد العلمي والإيماني الذي يتزود به المستجيبون للدعوة. ففي العقيدة رشحنا كتاب مائتي سؤال وجواب في العقيدة للشيخ حافظ حكمي. وفي القرآن وعلومه كانت مذكرة أحكام التلاوة وتفسير ابن كثير. وفي الحديث وعلومه كانت الأربعون النووية ورياض الصالحين وجامع العلوم والحكم وتيسير مصطلح الحديث. وفي الفقه وأصوله كان فقه السنة وأصول الفقه لخلاف. وفي السيرة كان محمد نبي البر وفقه السيرة للبوطي. وفي الرقائق والأخلاق والمجاهدة كان كتيب الجنة والنار ومختصر منهاج القاصدين والتوهم والداء والدواء وإغاثة اللهفان. وهذا منهج خاص بالمبتدئين. فيما بعد طورت المناهج وأضيفت مراحل أعلى. لكن هذه المناهج لم تكن لتثمر لولا أن تؤخذ المعاني المركوزة فيها على يد الصالحين. وهنا لا بد أن نعترف بفضل صف المعلمين الذين تولوا غرس هذه المعاني والعلوم في النفوس بعد أن تحلوا هم بها. فهم الجنود الأخفياء الأتقياء الذين لم تبرز أسماؤهم كقادة وصناع قرار ولا كخطباء تجلجل كلماتهم في صخب المؤتمرات والمظاهرات. بل كانوا قادة الحلقات التعليمية المصغرة في المعسكرات بالجامعات ثم في المساجد بالمدن والقرى والنجوع. ولقد كنت أطمئن إن وجدتهم أول الحاضرين في المعسكرات الصيفية فأستبشر بنجاح هذا المعسكر. وكم كان يؤلمني غياب أحدهم أو تأخر حضوره. وكان منهم من جامعة أسيوط الإخوة الكرام محمود فرج وأبو بكر عثمان وخالد حفني وثابت وطلعت يس وشريف عبد الرحمن وإيمان وصف طويل من الصادقين ممن اختاروا العمل بعيدا عن الأضواء فكانوا قدوة حسنة تأثر بها القادمون إلى طريق الله، بل كانوا هم أول من يدل الناس على طريق الله. (هذا وقد تعمدت أن أذكر منهم من استشهد أو مات دون من لا يزال على قيد الحياة يعطي ويبذل) هذه التربية بوسائلها المتعددة التي ذكرتها في هذا الفصل هي التي أنشأت للصحوة الإسلامية وللأمة ذلكم الجيل الفريد. ربما تظنني مبالغا عندما أسميه جيلا فريدا. لكنه حقا كان كذلك. ومواقف هؤلاء الفردية والجماعية تصرخ بذلك فتسمع حتى من به صمم. ولولا تفرد هذا الجيل لما يسر الله له إراحة البلاد والعباد من طاغوت كالسادات وهو في أوج حالات زهوه وبطشه وتجبره وأيضا في أشد حالات توجسه وحذره. ولولا تفرده لما صبر على البلاء الذي أوقعه المجرمون عليه انتقاما.

ولولا تفرد هؤلاء لما ثبتوا -فرحين- وهم يرون كل التيارات والجماعات إسلامية وعلمانية وشيوعية تخرج من السجون بعد هلاك السادات بأيام وأسابيع ويبقون هم وحدهم. وقد كنت أتوجس خوفا من هذه اللحظة لحظة أن تخلو السجون من الجميع عدا هؤلاء وأحذر منها عليهم ففوجئت بهم يصفعون هواجسي ويحطمون تخوفاتي.

لولا تفرد هؤلاء لما كتب الله على أيديهم وبمجرد خروج أول فوج منهم من السجون في أواخر عام 1984 الانطلاقة الثانية للصحوة الإسلامية في مصر.

فقد كان السادات كما سيأتي أوقف عجلة الدعوة، بل حطمها بقراراته الغاشمة في الثاني من سبتمبر (1981) وانطلقت أجهزته الأمنية تعتقل وتبطش وترهب وترعب كل من له صلة بالعمل الإسلامي في طول البلاد وعرضها وراح إعلامه المسموع والمرئي والمكتوب يسب ويلعن ويشوه كل رموز العمل الإسلامي بغض النظر عن انتمائهم لهذه الجماعة أو تلك. وتولى السادات بنفسه في خطابه الشهير أمام مجلسي الشعب والشورى يوم (5 سبتمبر) تولى تهديد الجميع وتوعدهم بأن الاعتقال المفتوح هو مستقبلهم.

فلما أمكن الله منه اهتز صانعو القرار من بعده فقرروا الإفراج عن الجميع ما عدا الجماعة الإسلامية وبعض مجموعات الجهاد، بل توسعوا في اعتقال كل من له صلة بالجماعة حتى ضمتهم السجون ورغم أن الآخرين من شتى التيارات أفرج عنهم بسرعة وتباعا فإن جميعهم بلا استثناء خافوا أو عجزوا عن إحياء الدعوة حتى خرج الجيل الثاني من الجماعة الإسلامية عقب انتهاء محاكمات كبرى عقدت لهم

وسيأتي إن شاء الله مزيد تفصيل عندما نصل لهذه المحطة المهمة من التاريخ

(يتبع إن شاء الله)

#السيف_والقلم

التعليقات

موضوعات ذات صلة