(السيف والقلم)
(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)
(31)
كتمت ضحكتي وأنا أقول له (بالإقناع طبعا !!) ليس فقط لأن هذه هي سياستنا المتبعة في تغيير هذا المنكر. بل أيضا لأن بطل الملاكمة الواقف أمامي تعلو قامته قامتي -الطويلة أصلا- يستطيع بتكتيك سريع قد تدرب عليه مرارا أن يصل لفكي فأفقد صف أسناني قبل أن أستطيع الرد عليه.
لكن في حادثة أخرى فقد بعضهم بالفعل بعض أسنانه.
وذلك عندما نصح الأخ محمود فرج طالبا بترك من يتجول معها فلما تركه عاد لها ساخرا فعاد له محمود وما أدراك ما محمود الهادئ اللطيف الودود ما لم يغضب وما رأيته قط يغضب إلا لله.
رجع ليعاتبه فتحول الأمر إلى مشاجرة وسب الطالب الدين وتبين انه نصراني فسقطت سنتان من فكه الصغير.
وفي المدينة الجامعية عقد الأخ ناجح مجلس تحقيق للأخ محمود وتم لومه لا لأنه انتصر ممن سب دين المسلمين، ولكن لأنه ترك الأمور تتدهور على خلاف سياسة الاستيعاب المتبعة.
لم يكن هذا هو التحقيق الوحيد الذي أجري لمخالفة حدثت في هذا الأمر. فقد حقق أيضا مع الأخ علي الشريف بشأن مشاجرة حصلت بكلية التجارة -كان مبناها بالوليدية فيما كان يعرف بالجامعة القديمة- لكن قيادات كلية التجارة -وهو أحدهم- أرسلوا بدلا منه الأخ أبا بكر عثمان الذي بين أنه تعرض لفخ نصبه له أحد بلطجية الكلية إذ ناداه فلما أقبل الأخ علي إليه فوجئ به ينادي على فتاة ويتجاذب معها الحديث ممازحا. فعاتبه وعنفه لماذا يتعمد إحراجه بهذه الطريقة وتشاجرا وانهزم البلطجي وأصيب.
لكن إدارة الجامعة كان لها رأي آخر فتم فصل الأخ علي الشريف فصلا نهائيا فتلقى هذا الأمر باستهانة. لأنه وغيره من إخواننا كانوا يعلمون أنهم سيدفعون ثمنا، بل أثمانا أكبر من ذلك جراء جرأتهم في معارضة النظام وتغيير المنكرات وإحياء الدعوة.
وهذا الشعور الغالب علينا هو ما دفعني للإعراض عن الدراسة في هذا العام فأهملت المحاضرات ثم امتنعت من دخول امتحانات نهاية العام ورسبت باختياري بينما رسب كل قيادات هندسة أسيوط ذلك العام مع دخولهم الامتحانات. حتى قال زميلي وشيخي الأخ طارق ساخرا (الجماعة الإسلامية هندسة أسيوط.. لم ينجح أحد) إذ لم يكن لدى أحد الوقت الكافي للمذاكرة أصلا. فقد كان عاما مشحونا بالأعمال والإنجازات والأحداث بصورة عجيبة لم نشهدها في غيره من الأعوام، بل أجزم أن جامعة أخرى من جامعات الجمهورية لم تشهد عاما كهذا.
ومما شهده هذا العام توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وتفجر موجة من الاحتجاجات في الجامعات المصرية كان لأسيوط نصيب منها.
لم يكن الاعتراض فقط على بنود المعاهدة المجحفة، بل على إخراج مصر من الصراع بما يعني انفراد إسرائيل ببقية الأطراف. وهذا ما حدث فقصفت إسرائيل المفاعل النووي العراقي وأعلنت ضم القدس وعبثا حاول السادات إغراء رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه سيمد النيل ليصل لإسرائيل في مقابل أن يتخلى عن ضم القدس فصفعه بيجن بالقول (إن المبادئ لا تباع بالمصالح)
على أن الأخطر من ذلك كله هو أن السادات جعل الجيش المصري تحت وصاية قيادة الجيش الأمريكي وهو شيء خفي لم يظهر في الاتفاقات المكتوبة لكنه تحقق بعد ذلك فصارت الترقيات لرتبة عميد لا تتم إلا لمن حضر دورات في أمريكا وتم اعتماده هناك. وبعبارة أوضح لمن نجحوا في تجنيده!!
ومما شهده هذا العام ما سمي الثورة الإيرانية وقد فرحنا بها وقتها خاصة عندما أكد لنا عالم أزهري كبير ومحدث مشهور استضفناه في لقائنا الأسبوعي الجماهيري أن الشيعة مجرد مذهب فقهي لا يخالف معتقد أهل السنة!!
لا تعجب فلم يك هناك شبكة إنترنت تسألها فتجيبك ولا كان هناك كتاب مطبوع نعرفه يتحدث عنهم.
بعدها بفترة لما تفرغنا للقراءة والبحث عرفنا الحقيقة التي يكتمها الأزهر حتى اليوم!!
وعرفنا أيضا أن الخميني رعته فرنسا وآوته وسهلت له إشعال الشارع الإيراني وقيادته بأشرطة الكاسيت التي تخرج من مقر قيادته حيث احتشد معاونوه بفرنسا أكثر بلاد الغرب حقدا على الإسلام.
وفي مشهد ختامي واضح الدلالة حملت طائرة فرنسية الخميني وعصابته في رحلة خاصة إلى طهران ليستولي على السلطة.
لم تكن أمريكا غائبة عن المشهد فقد كان رأي الحزب الديمقراطي الحاكم وقتها أن الشاه فقد صلاحيته وانهارت شعبيته وأن ثورة شيوعية على وشك الاستيلاء على الحكم هناك وبذا يكون الاتحاد السوفييتي -الخصم الغشيم المرعب وقتها- قد تقدم خطوة كبيرة محاصرا حلف الناتو.
فكان الحل الأمثل هو أن تسقط التفاحة الإيرانية في حجر رجل دين شيعي يمكن التفاهم معه لتأمين البلاد من الشيوعية.
فيما بعد قيل ما قيل عن نسب الخميني وأنه من السيخ واندس في وقت مبكر بين الشيعة!! لكن المتيقن منه أن أصوله هندية وليست فارسية.
(32)
ثم جاء الحدث الأكثر إثارة في العام الجامعي (79/78) ألا وهو زيارة السادات لأسيوط وأول مواجهة مباشرة بينه وبين الجماعة الإسلامية.
صعدت على سطح مبنى (د) وقد احتشد طلاب المدينة فوق أسطح مبانيها لمشاهدة طائرته الهليكوبتر وهي تهبط في منتصف إستاد الجامعة المواجه للمدينة الجامعية لا يفصله عنها سوى شارع لا يزيد عرضه عن اثني عشر مترا. وقد اصطف جنود الحرس الجمهوري في سلسلة طويلة وظهرهم للإستاد ووجههم للمدينة الجامعية.
خيل للسادات عندما مرت طائرته منخفضة أن هذه الحشود صعدت لتحيته فأخرج يده ملوحا. وفورا انطلقت صيحات استهجان وصفارات احتجاج من الجميع بلا توجيه من أحد.
قيل وقتها إن الحرس الخاص الواقف في الإستاد انزعج بشدة وارتبك وزجوا به في سيارته فور نزوله من الطائرة وألغى مراسم الاستقبال التي اجتهد محمد عثمان المحافظ في إعدادها.
وفي المساء عندما اجتمع السادات في حديقة بيت المحافظ بكبار المسؤولين بأسيوط كان لكبار أعضاء هيئة تدريس الجامعة أماكن محجوزة.
وبدأ السادات هجومه على الجماعة الإسلامية بقراءة تقرير أمني بما وقع من الجماعة خلال عام.
لاحظت أثناء سماعي التقرير أن كاتبه تعمد حذف كل انتقاداتنا التي وجهناها للسادات شخصيا في مظاهراتنا ومؤتمراتنا فيقول مثلا ثم انطلقوا بعد المؤتمر في مظاهرة ورددوا هتافات. والذي أعلمه أن الهتافات التي رددناها ليلتها كانت ضده هو شخصيا وضد زوجته (بوصفها من صناع القرار في مصر يومئذ لا لكونها مجرد زوجته) وعرج التقرير على بعض الصدامات في المدينة الجامعية بين المسلمين والنصارى وذكر في هذا السياق اسم الأخ ناجح إبراهيم كأحد المشاركين فيها ونطق اسمه مرتين وفي المرة الثانية أخطأ في قراءته. وذكر حادثة كازينو النقرة وغيرها. ولما تصاعد غضبه قطع تلاوة التقرير وقبل أن يستأنف التلاوة كان قد رمق المحافظ بنظرة غضب قائلا:
إيه قلة الأدب اللي عندك دي يا محمد يا عثمان)
ثم أطلق تهديداته مشددا على أنه لا مكان بالجامعة إلا لمن يريد الدراسة فقط.
ثم تحدث بعض الحضور ولفت نظري كلمتان:
الأولى كلمة رئيس الجامعة د/حمدي النشار والتي قال فيها مشيرا إلى جيب بذته إنه جهز كلمة مكتوبة، ولكنه سيتحدث من القلب لا من الورقة ثم انطلق يذكر السادات أن هؤلاء الطلاب أبناؤه وأن معاملتهم تكون على هذا الأساس، حتى لو وقعت منهم تجاوزات.
في الحقيقة لم أتوقع من مسؤول في منصب رفيع كهذا ألا يساير رئيس الجمهورية في غضبه.
وعلى العكس منها جاءت كلمة رئيس جامعة الأزهر بأسيوط الذي شكا للسادات أن هؤلاء الطلاب يكفرونه
(إنهم يكفرونني يا سيادة الرئيس وأنا الحامل لكتاب الله يكفرونني)
لم يكن الرجل صادقا قطعا فلم نكفره وقتها. هو كان يكرهنا أصلا ويشتم طلاب الأزهر لو وجدهم يقدموننا للإمامة (كانوا يفعلون ذلك حتى في مسجد مدينتهم الجامعية) ولكنه أيضا لم يكن كاذبا.
فقد كان ثمة لقاء متوتر بينه وبين مجموعة مبتدعة محدودة العدد في الجامعة لا يتجاوز عددها ستة أو سبعة يقودهم طالب بالجامعة من حي شبرا بالقاهرة. وما أدراك ما حي شبرا حيث يوجد بجوار دعاة الحق دعاة لكل البدع حتى سمي هذا الحي (مجمع الأديان)
ولا أدري هل تعمد الشيخ الخلط بيننا وبين هؤلاء لاسترضاء الرئيس ولتقديم نفسه كعدو لخصوم الرئيس أم أنه بالفعل كان يجهل أحوال الجماعة وأقوالها فظن هذه الثلة هي المعبرة عنها.
انتهى اللقاء وبدأت تداعياته. كان أولها موجة تشاؤم عمت أسيوط كلها، بل وتسللت إلى ما وراءها. فالرئيس هاجم وتوعد، بل وذكر وقائع وأسماء ووبخ المسؤولين تحته لإهمالهم ولا بد أن الأجهزة الأمنية وغيرها ستترجم ذلك لإجراءات قاسية جدا.
ولاحت في المخيلات ما فعله عبد الناصر عامي 54 و65
وقد كان عموم الناس يرددون دائما على مسامعنا أن مصيركم سيكون كمصير الإخوان وكنا نقول لا. لا أعرف لماذا كنا نؤكد أن مصيرنا سيكون مختلفا وأن السادات لن يتمكن من افتراسنا. لكني أعلم أن الذي رجوناه قد حصل بفضل الله فكان هو الفريسة لا نحن.
لرفع الروح المعنوية لأهل أسيوط نظمنا طوابير استعراض منظمة وقليلة العدد تجوب شوارع المدينة.
لكن هذا لم يكن كافيا من وجهة نظر الأخ محمود فرج فاستأذن للسفر لأنه لا يحتمل نظرات الشفقة التي تقابله أينما ذهب. ودعته وهو ينطلق لمحطة القطار ثم فوجئت به بعد ساعات في المدينة الجامعية لقد نزل من القطار بعدما ركبه بالفعل لأن سيدة نظرت لزوجها (وتصعبت) إشفاقا على الشاب الذي جلس للتو أمامهما.
صاح محمود في تأثر (بيتصعبوا علينا يا عم عاصم)
والتصعيبة لمن لا يعرفها صوت يطلق عند التحسر.
ومرض محمود ثلاثة أيام تأثرا بهذا الموقف.
يرحم الله أخي محمودا كان نسيجا وحده. وكان أمة وحده.
وسرعان ما جاءتنا الفرصة لنثبت لأنفسنا ولمن حولنا أننا لم نرتعب من تهديدات السادات.
(33)
كان العرف قد استقر منذ مدة على منع الحفلات الغنائية المختلطة في الجامعة. لكن تحت مظلة القصف الرئاسي الذي قام به السادات توهم بعضهم بكلية الزراعة أنه يمكن خرق هذا العرف. فنظم في سرية حفلا بهذه الكلية الواقعة أقصى شمال الجامعة في أبعد نقطة عن المدينة الجامعية وما أدراك ما المدينة الجامعية -وقتئذ- طهرا ونبلا وشجاعة. حيث المخزون البشري الأضخم الذي هو على استعداد دائم لتلبية النداء.
بحثنا عن الأمير فلم نجده فطلبت ممن يخلفه في مثل هذه الظروف أن يقود المشهد فكان رأيه أن نبحث ثانية وثالثة ثم كان رأيه أن نمتنع عن التغيير لأن ثلة محدودة العدد يقودها طالب من شبرا -حدثتكم عنه من قبل- قد ذهبت بلا إذن وهي معروفة بعدم انضباطها لا شرعا ولا عقلا.
ثم فجأة تغير رأيه وأخيرا قرر الأخ حمدي عبد الرحمن -بحمد الله- أن يدعو طلاب المدينة للاحتشاد. وتحرك الحشد في انضباط عال صوب كلية الزراعة. حيث كان طالب شبرا محاصرا في عدة أفراد داخل مصلى الكلية يبث فيهم بدعته ويشجعهم على الاحتساب. وقد أحاط بهم جوالة من الكلية فلا يجرؤون على مجرد الخروج من المصلى.
لكن الجوالة فروا مصطحبين عصيهم لما جاء الجمع وتحرر طالب شبرا ومن معه.
بعد قليل جاء رئيس الجامعة مع بعض أعضاء هيئة التدريس وراح يسأل الطلاب المحتشدين عن كلياتهم وما الذي جاء بهم. وكان الأخ محمود ممن التقاهم فلما سأله عن كليته قال (الطب) فلما استفهم منه عن سبب وجوده بكلية الزراعة أجابه (سل الأمير!)
أصر منظمو الحفل أنه لا توجد أية أشياء محرمة في هذا الحفل البريء وطلبوا ذهاب وفد للقاعة للتأكد. بالطبع كانوا يكذبون فهناك اختلاط ومشاعر مؤججة على وقع المعازف وأغاني الحب والغرام التي يعرفها جيدا هذا الحشد الشبابي ويعرف أكثرهم ممن عايشها -قبل أن يمن الله عليهم بالتوبة- آثارها العاجلة والآجلة.
على كل حال ولقطع حجة المنظمين للحفل همَّ وفد صغير بدخول القاعة واندفع في مقدمتهم بلا إذن عبد الغني ذو الشخصية الكاريكاتورية الذي حكينا عنه سابقا.
غمس رأسه من باب القاعة الكبيرة ثم أخرجه والتفت ليقول بصوت تعمد أن يجعله كالفحيح (زنا)!!
وبقدر ما كانت كلمته صادمة كانت قبيحة وبذيئة ومثيرة للاشمئزاز.
هنا قرر الأخ حمدي خوفا من العواقب الموافقة على عرض منظمي الحفل بإقامة الحفل الغنائي كما هو مع إزالة الاختلاط (لا أذكر الآن هل عرضوا عليه الفصل بين الجنسين داخل المدرج الذي هو قاعة الاحتفال أو صرف الطالبات بالكلية)
فقام الأخ محمود فرج بالاعتراض. فصاح به (التزم يا أخ محمود) فرأيت الغضب ومحاولة كبته معا في عينيه ورأيت لأول مرة شررا يتطاير من عيني بشر. مد محمود يديه إلى لحية نفسه وقبض بأصابعه المتوترة عليها حتى ظننت أنها ستنخلع من وجهه وهو يقول (حرام يا شيخ حمداااااي) يكررها ويمط حروفها.
هل استجاب الله لاستغاثة قلبه التي لم نسمعها عندما انشقت الأرض فجأة عن الأخ أسامة حافظ الذي قال (منذ متى ونحن نوافق على مثل هذا)
فجأة اندفع عبد الغني بكاريكاتورية ليقتحم المدرج وتبعه قوم فلحقت به وألهمني الله أن أقبض على قفاه متشبثا بملابسه ورغم أن جسده الضخم جدا يؤهله لأن يسحبني خلفه سحبا إلا أنه عجز وتعطلت حركته ويالجمال الأقدار بين عضدي الباب فانسد فما استطاع أحد الدخول ولم أتركه حتى جاءني مدد أوقفوا عملية الاقتحام الغشيمة.
صعدت فوق كتفي أحد إخواني وشرحت للطلاب المتجمهرين أنه لم يكن يصح الاندفاع خلف عبد الغني فلا هو قائد التحرك ولا ما كان سيفعله بجائز وتحدثت بكلمتين عن الموازنة بين المصالح والمفاسد (لأن مفسدة الاقتحام وتدافع الحضور خائفا ليهرب وما قد يترتب عليه مما قد يصل للموت هرسا تحت الأقدام أو حدوث إصابات جسيمة وعواقب ذلك وتداعياته أكبر من مفسدة الحفل ذاته)
بعد قليل بدأنا في الانصراف لأن رواد الحفل قرروا الانصراف وأسقط في يد منظمي الحفل.
فيما بعد أعطيت عبد الغني رسالة لابن تيمية طبعت تحت عنوان (الحسبة) فأعادها إلى بعد أيام وقال لم أفهم شيئا. وصدق فلو كان يفهم لما انحاز لبدعة كبدعة التوقف. وأحيل عدد من إخواننا لمجالس تأديب.
لم تكن مجالس التأديب هي كل ما ينتظرنا كانت هناك إقرارات مكتوبة لا بد من التوقيع عليها لمن أراد الاستمرار في الجامعة. أيضا كان هناك استدعاءات لأولياء الأمور ولو من محافظات بعيدة للضغط على أبنائهم الذين غضب منهم السادات وتهددهم وتوعدهم.
بعد صلاة العشاء جلسنا بمسجد من مساجد أسيوط وكنا ثلاثة نفر الأخ ناجح الذي اضطجع لجنبه لصداع نصفي شديد برأسه وداعية شهير بمدينة أسيوط وكاتب هذه الأسطر.
كان موضوع الحوار ذلكم الإقرار الذي تريد إدارة الجامعة أن يوقع عليه قيادات العمل الإسلامي بالجامعة والذي صيغ بركاكة شديدة ليحوي كل ما قاله السادات في خطابه.
(34)
فوجئت بالداعية -المعروف وقتها بقوته وشدته وثوريته- يلح علينا لقبول ما تعرضه إدارة الجامعة (بالأحرى أمن الدولة فليس لإدارات الجامعات تصرف منفرد في مثل هذه الأمور)
وتعجبت عندما رأيته يبرر ذلك بأنها فرصة لتتخلص الجماعة من مسيرة خاطئة وتبدأ صفحة جديدة (أي مسيرة خاطئة يا رجل)
بعد أيام زال تعجبي عندما علمت أن صاحبنا انضم سرا لجماعة ما (كانوا يأمرونهم بعدم الإفصاح عن انتمائهم) وأن هذا الذي قاله ليلتئذ هو تعبير عن موقف هذه الجماعة منا.
وبعد ذلك بأشهر علمت أنه ترك تلكم الجماعة ناقما وناقدا!! لكن مكانته التي صنعناها نحن في نفوسنا كانت قد تهاوت.
عبثا حاولت ليلتها إثناء الأخ الأمير عن الأخذ بهذا الرأي. ثم أعلنت أني لن أمتثل له.
فوجئت عندما لقيته في صباح اليوم الثاني معاتبا له أنه بدا كمن لا يتذكر قراره الذي اتخذه ليلتها (يبدو أن نوبات الصداع النصفي القاسية تزيل تركيز العقل) وقال لي أدرك فلانا وفلانا (مسؤولي التفاوض بيننا وبين الجامعة) قبل أن ينفذا الأمر.
كان الوقت قد فات. لكنهما كانا قد عمدا إلى حيلة لتفادي بعض مفاسد القرار الخاطئ. لقد قاما بتزوير جميع الإقرارات التي يتعهد موقعها أنه يريد أن يكون طالبا فقط وأنه لن تصدر منه أية أعمال تنافي كونه طالب علم فقط.
فلم يصل لأي أخ من الجماعة أية إقرارات ولا وقع عليها ولا رآها أصلا!!
إقرار واحد تركوا إدارة الجامعة توصله لصاحبه. إنه الخاص بطالب شبرا الذي حدثتكم عنه.
ولم يتردد الرجل في التوقيع عليه. وقال بعدها لأصحابه معتذرا كنت مكرها!!
ولو تحرز هو منها وفعلها غيره لأخرجه من ملة الإسلام!! وهو شيء لم يتأخر عنه معي شخصيا في موقف آخر بعد أشهر.
كان ذلك بعد أيام قليلة من حوار دار بيني وبين طالب صديق من كلية الصيدلة فاجأني فيه بأنه صار مقتنعا ببدع فلان هذا وراح يحتج علي ويؤيد مذهبه بكلام من كتاب (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) لابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. فوجئ بي أستخرج له من ذات الكتاب كلاما لابن تيمية يهدم ما ذهب إليه صاحبنا وما توحي به -للأسف- إطلاقات الشارح!! سكت فخيل لي أنه اقتنع. لكني اكتشفت بعد يوم أو يومين أني كنت واهما حين حضر طالب شبرا ومعه ثلاثة منهم صاحبنا طالب الصيدلة هذا واثنان آخران على نفس البدعة لزيارتي في شقة طلابية أسكنها مع أربعة من إخواني (كنت قد غادرت المدينة الجامعية في ذلك الوقت لرسوبي كما سيأتي) لم تكن زيارة ودية ولا حتى مناظرة علمية. لكنها كانت محاولة إثبات وجود أي نحن هنا في الجامعة ويجب احترامنا ككيان. سألت كبيرهم لماذا أعدت صلاة المغرب منذ يومين بعدما صليت خلفي في الجماعة. أتكفرنا!!
فقال بوقاحة أنتم تعبدون الطاغوت.
قالها وهو يعلم أن الجماعة كلها في تحد متواصل وصدام شبه دائم مع كل الطواغيت الكبيرة والصغيرة ومتناهية الصغر التي لا تكاد ترى بالعين المجردة بدءا من الرئيس ومرورا بالمحافظ وانتهاء بأصغر ضابط فرعوني النزعة!!
قمت وفتحت باب الشقة واسعا. لكن تدخل الأخ ناجح هداه الله وأنقذهم من الطرد. ثم مضى النقاش متوترا بلا ثمرة ورفضوا بحمد الله شرب الشاي وانصرفوا.
أستأذنكم أن أتوقف قليلا عند بدعة أو لنقل بدع هذه الفرقة. التي بدأ تعرفنا على بعض من يدعو إليها في معسكر صيف (1978) الكبير. ففي هذا المعسكر حضر عبد الله بن عمر (اسمه محمد إلياس) وهو داعية نوبي شاب له حضور وقبول، حسن الحديث، عذب الكلام. وتكلم في مسألة العذر بالجهل بما ينفي وجود عذر لأي مسلم يقع في الكفر جاهلا. كانت هذه هي المرة الأولى التي تطرق فيها هذه المسألة مسامعي. فقد كانت تلك المسامع مشغولة حتى قبل شهرين بأغاني العندليب الأسمر وبأشعار نزار التي تغنيها نجاة!!
وأظن أن الإخوة الأكبر مني والأقدم لم تكن لديهم خلفية كافية عن هذه القضية لذا لم يعترضوا على ما قاله محمد إلياس.
بعدها بقليل استمعنا للرأي الآخر في هذه القضية وبحثنا فوجدنا أن ما قاله هذا الرجل ليس صحيحا.
لم تكن هذه هي القضية الوحيدة التي خالفنا فيها فريق التوقف -المحدود- داخل الجامعة كان هناك (شرك الطاعة) حيث يقولون إن من أطاع من يأمر بمعصية الله من الطواغيت كفر لأنه جعله إلها مع الله يطيعه تارة ويطيع الله تارة. أو جعله إلها من دون الله يطيعه ويترك طاعة الله بالكلية. وكلاهما كفر. وهذا قد أوضح ابن تيمية بطلانه فبين أن من يطيع غير الله في معصية الله له حالان الأولى أن يطيعه معتقدا أنه تجوز أو تجب طاعته وهذا كفر. أما الثانية فهي أن يطيعه مع اعتقاده أن طاعته لا تحل فهذا حكمه حكم من أطاع شيطانه في معصية الله بلا استحلال ولم يقل أحد من أطاع شيطانه أو هواه كافر. وإلا لكان كل عاص كافرا وهل يعصي أحد إلا مطيعا هواه أو شيطانه!!
بقيت قضية ثالثة وهي قضية الموالاة
(35)
وموالاة الكافرين كما قرر علماؤنا قد تكون كفرا أكبر وقد تكون معصية.
لكن هذا الطالب وثلته ترى كل موالاة كفرا. بل وتدخل في الموالاة أفعالا لا تعد من الموالاة في شيء.
بقيت ثمة بدع تتعلق بجماعات التوقف. وهي أنهم يتوقفون في الحكم بالإسلام على عامة المسلمين حتى يتبين لهم صحة اعتقادهم. فلا يكفي عندهم أن يشهد الرجل الشهادتين أو أن يولد لأبوين مسلمين، بل لا بد من أن يتبينوا هم منه أنه يعلم معنى الشهادتين ويقر بهما وفق المعنى الذي يشرحونه له.
أما قبل ذلك فلا تنفعه الشهادتان.
وقد لقيت مرة من يقول كل من تراه ينطق الشهادتين كافر حتى نعرض عليه نحن الشهادتين بمعناهما الصحيح الذي نراه نحن فيقبلهما بهذا المعنى فنحكم بإسلامه.
فقلت له فإن عرضت عليه أنت وقبل هل هو مسلم عندك قال نعم. قلت فأخوك في بدعتك الذي لم يحضر مجلسكم هذا ولم يعلم بما دار بينكما هل يستطيع الحكم بإسلامه. فقال لا بل يحكم بكفره حتى يقيم عليه الحجة فينطقها بعد سماع الحجة والإقرار بها فيصير مسلما عنده.
فقلت له فكيف يصير الشخص الواحد مسلما عندك كافرا عند من يوافقك في مذهبك (بدعتك) في وقت واحد!!
فقال منكسرا أنا أول مرة اسمع مثل هذه الحجة. فوضعت يدي على صدره ودعوت له.
وبعدها بساعات عندما شرعنا في صلاة الصبح في جماعة ظل مختبئا كعادته حتى إذا فرغنا توضأ وصلى منفردا!!
فإذا عدنا لطالب شبرا سنجده اضمحل أمره وذكره وبدعته في الجامعة. ولم نعد نسمع به ولا عنه. ثم اختفى في زحمة الحياة واختفينا نحن في غياهب السجون. ثم علمت بعد زمان أنه يلقي دروس علم (!!!) في شبرا (مجمع الأديان) وقد اتخذ لقب شيخ.
ويرحم الله أبا بكر بن عيَّاشٍ -أحد أشهر الرواة عن عاصم بن أبي النجود صاحب القراءة المتواترة الأشهر في عالمنا- فقد قيل له: «إنَّ بالمسجد قومًا يجلسون ويُجلس إليهم. فقال: من جلس للناس جلس الناس إليه، ولكنَّ أهل السنَّة يموتون ويحيا ذكرُهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرُهم؛ لأنَّ أهل السنَّة أحيَوْا ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فكان لهم نصيبٌ مِن قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وأهل البدعة شنئوا -أي كرهوا- ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فكان لهم نصيبٌ مِن قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾
عدنا للجامعة وأنا الآن في مكتب نائب رئيس الجامعة وفيه من أعرف ومن لا أعرف ومطلوب مني أن أوقع على الإقرار إياه الذي كررت كثيرا أنني غير موافق عليه ولن أوقع عليه. فيبدو أن كلامي هذا الذي لم أقله سرا، بل علانية بلغ إدارة الجامعة أو الأمن فقرروا أن أوقع أمامهم.
رفضت وأصروا وفي النهاية سحب أحد الحضور إقرارا ووقعه مزورا للمرة الثانية!!
فقلت لا يخصني ولا أعترف به… وانصرفت.
وفي توقيت متزامن كانت الجامعة ترسل لأولياء الأمور في مختلف المحافظات استدعاء للحضور لمقر الجامعة وتحصل على توقيعهم على إقرارات خاصة بهم!!
من فضل الله علي أن استدعاء كهذا لم يصل لوالدي بحمد الله فنجوت من إحراج كنت سأقع فيه لو حضر.
لكنه حضر بالفعل لسبب آخر. فقد رأيته في شرفة أحد غرف مبنى (و) مع أحد إخواننا الشباب في إعدادي هندسة. كنت مستلقيا على سريري بغرفة 204 بمبنى (د) المقابل له. (لم أكن فصلت بعد من المدينة فأنا في نهاية السنة الدراسية الرابعة 3 ميكانيكا ولم أرسب بعد وعندما أرسب بعد أسابيع سأفصل معززا مكرما)
قفزت كمن لدغته عقرب وتدافعت في رأسي كل الاحتمالات السيئة التي قد تدفع والدي للحضور للمرة الأولى إلى المدينة الجامعية. وبدلا من أهبط الدرج لأخرج من بوابة المبنى صعدته بسرعة للسطح وقفزت من سطح لسطح ثم للدرج هابطا ودفعت باب الغرفة صائحا (ماذا حدث)
لم أهدأ حتى أكد لي عدة مرات أن لا شيء.
اصطحبته لغرفتي فوجد كتبا هندسية معدودة فسألني أين بقية كتبك فتهربت من الإجابة لأنه حتى هذه الكتب لا تخصني، بل تخص زميلي في الغرفة.
استمعت منه لسبب حضوره المفاجئ وكيف أن بعض أقاربنا نقل عمن يعرفني أنني أعاني من حالة اكتئاب حاد وأنني أعيش حالة عزلة وانطواء. أكدت له أن شيئا من ذلك غير صحيح وتناولنا الغداء في أشهر مطعم مشويات في أسيوط تاركا له بالطبع مهمة دفع الحساب. وكانت تلك أول مرة تدوس قدماي عتبة هذا المطعم، وآخر مرة كذلك.
في هذا العام المزدحم بالأحداث المليء بالتوترات حدثت واقعة صغيرة لكنها غير معهودة في جامعتنا ففي بعض المواقف المتوترة بيننا وبين الجامعة حضرت طالبة منتقبة من مدينة الطالبات مباني (م) و (ن) البعيدتين إلى أحد مباني الطلبة قائلة إنها تريد مقابلة أي أخ مسؤول في الجماعة وبالفعل التقت أمير أحد المباني في غرفة من غرف الإدارة المفتوحة في الطابق الأول وسألته عن المطلوب من الأخوات خلال هذه الفترة.
وليتها لم تفعل فقد حقق معه ووبخ وتلك حكاية تأتي.
(يتبع إن شاء الله)