(السيف والقلم)
(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)
(26)
كان من المفترض أن تتم انتخابات اتحاد طلاب الجمهورية في نفس العام الذي تمت فيه انتخابات الكليات ثم الجامعات. لكن لما كان مرشحو الجماعة الإسلامية قد فاجأوا الدولة بالحصول على رئاسة أكثر الكليات في مختلف الجامعات مما مكنهم من الحصول على رئاسة اتحاد أكثر الجامعات أيضا تلكأت الدولة كثيرا في عقد انتخابات اتحاد الجمهورية.
وأخيرا قرروا السماح بإجرائها صيف 78 فاجتمع بأسيوط ممثلو الاتحاد في كل فروع جامعة أسيوط من سوهاج وقنا وأسوان ثم اصطحبتهم للمنيا حيث فوجئ والدي عند استيقاظه من القيلولة -وكان رحمه الله يواظب على القيلولة- فوجئ بهذا الجمع بمنزلنا.
عندما سألني وقلت له إن قيادات اتحاد الطلاب بأسوان مروا على قيادات قنا واصطحبوهم إلى سوهاج حيث سافروا جميعا لأسيوط فجئت بهم ليصطحبوا قيادات المنيا للقاهرة قال ساخرا ومداعبا:
(ما شاء الله… وأين قيادات الإسماعيلية والإسكندرية والشرقية والغربية….)
ومن يومها وبيت والدي مفتوح لكل إخواني خاصة من أسيوط حيث اعتبرت سفيرهم في المنيا وصار بيت الوالد هو مقر السفارة يفدون إليه فيستقبلون ويرحب بهم وتقضى حاجاتهم، حتى لو لم أكن موجودا.
في جامعة عين شمس تم الاقتراع على منصب رئيس اتحاد طلاب الجمهورية وفاز الأخ محمود الدكش به وهو من إخواننا بطب القاهرة على ما أذكر.
غضب السادات وقرر بعد أشهر إلغاء اللائحة والإتيان بأخرى تلغي اتحاد طلاب الجمهورية أصلا وتجعل مدة اتحاد الجامعة سنة واحدة لا سنتين وتجعل جميع لجان الاتحاد حتى على مستوى الكليات -ثقافية ورياضية وفنية واجتماعية- تدار بمعرفة عضو هيئة تدريس تختاره الجامعة بجوار الطالب المنتخب من زملائه وأعطت عضو هيئة التدريس سلطة أعلى من سلطة الطالب المنتخب.
وخطب السادات وقتها وهاجم اللائحة القديمة وقال إنها لائحة شيوعية!!!
سبحان الله
لما كان الاتحاد تحت سيطرة الشيوعيين والناصريين لسنوات طوال كانت اللائحة جيدة فلما فازت الجماعة الإسلامية مرة واحدة صارت اللائحة خبيثة.
ثم يقول بعض الخبثاء إن السادات كان يدلل شباب الجماعة بالجامعات.
وكان من فضل الله علي أنني حضرت هذا اللقاء بجامعة عين شمس رغم أنى لست عضو اتحاد أصلا ولم أشارك في التصويت وإنما ذهبت بطلب إخواني أن أكون معهم أشد أزرهم.
أقول كان من فضل الله أن حضرت هذا اللقاء لأقارن بينه وبين لقاء سابق حضرته في ذات المكان حيث مكثنا حوالي عشرة أيام في (ملتقى ناصر الفكري السادس)
الوجوه غير الوجوه والأخلاق مختلفة والأهداف مختلفة.
ولعل حضوري الثاني يكفر عني حضوري الأول.
عدنا إلى السياق التاريخي ونحن الآن في المدينة الجامعية بأسيوط في العام الجامعي (79/78) والمظاهرات تجوب طرقات المدينة متخللة بين مبانيها والهتاف يعلو ويعلو احتجاجا على اعتقال الطالب الجامعي الأخ/محمود عبد الغني الذي لم أكن أعرفه ولا سمعت به. وقد فسرت جهلي به بأني حديث عهد بالجماعة.
لكن بعد ذلك عرفت السبب.
فعندما توجه وفد طلابي لملاقاة مسؤولين أمنيين للاعتراض على هذا الاعتقال نبهني الأخ أسامة حافظ كبير الوفد المكون من ثلاثة على ما أذكر أنا أصغرهم..
أقول نبهني الأخ أسامة إلى أن الأخ محمود من حزب التحرير الإسلامي وليس من الجماعة أصلا.
إذن نحن ننصر كل من تعرض لظلم بغض النظر عن انتمائه. هكذا تعلمت من هذا الموقف العظيم.
فكان درسا تربويا رائعا بلا أحرف منطوقة أو مكتوبة.
وهكذا ظل إخواني حتى يومنا هذا وعلى هذا الخلق نموت إن شاء الله.
وقد التقيت ضمن وفد ثلاثي أيضا مدير أمن أسيوط عبد الحميد التطاوي بمكتبه ووجدتني أحتد عليه وأهاجم صاحب الصورة المعلقة فوق رأسه.
وهل يعلق مدير الأمن سوى صورة الرئيس.
استأذنا للانصراف لصلاة العصر بالمسجد على أن نعود بعد الصلاة.
بعد الصلاة قال الأخ/حمدي أظن أنه من المناسب ألا يستكمل عاصم هذا اللقاء وان نذهب بدونه فقال كبير الوفد الأخ أسامة (أيضا) لا بل سيكمله معنا. وقد كان.
فيما بعد التقيت الأخ/محمود عبد الغني فدعاني لألتحق بحزب التحرير فشكرته مشيرا بأصبعين ممدودين لشفتي مرتين.
فقد كان معروفا أن بعض قيادات الحزب يدخنون.
وندمت بعد ذلك على مثل هذا الرد الذي فيه تزكية للنفس وتعريض بالغير.
في هذا العام الجامعي دخلت الجماعة بقوة في تنظيم عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه الفريضة العظيمة كانت وستظل مهمة كل فرد ولو كان وحده.
لكن دخول الجماعة بوفرة عددها، بل وبمشاركة طيف واسع من الشباب فيها يجعلها أعظم تأثيرا وأوسع مجالا.
فإذا أضفت لذلك عملية التنظيم التي يفرضها العمل الجماعي واهتمام القائمين عليها بتعليم المشاركين فيها فقه الاحتساب وآداب المحتسب وأحكام الحوادث محل الاحتساب صارت هذه الفريضة معزوفة متكاملة دعويا، وتربويا، وتعليميا، وتنظيميا.
(27)
(الفصل الرابع)
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
لا بد أن نسجل أولا أن بعض المنكرات المنتشرة آنذاك بكثرة في الوسط الطلابي قد اختفت تلقائيا وتوارت خجلا بمجرد ظهور وانتشار أهل الطاعة.
فقد كان مألوفا مثلا أن تتراشق مباني المدينة الجامعية بأناشيد من الشتائم الوقحة والاتهامات الجنسية مؤلفة موزونة مقفاة.. ملحنة ومغناة تؤدى بصورة جماعية في أوقات انقطاع التيار الكهربائي وكان انقطاعه يتكرر كثيرا في عهد السادات فيخرج الجميع إلى (بلكونات) الغرف وتبدأ المباراة اللسانية الجماعية القذرة.
بل إن أستاذا جامعيا كبيرا حاول الدخول يوما إلى سنترال يقع تحت مبنى (ج) مصطحبا زوجته فتحولت بعض شرفات المبنى إلى منصة قصف له ولزوجته بلا حياء ولا أدب.
هذه الظاهرة انتهت بمجرد ظهور الدعوة وانتشار دعاتنا الصغار في مصليات المباني وظهور السمت الإسلامي على فريق من قاطني المدينة الجامعية.
لكن بعض المنكرات الأخرى كانت متأصلة في النفوس فاحتاجت بعض جهد لتغييرها.
خذ مثلا الغناء المصحوب بالموسيقى ومعلوم كم كانت الأغنية المصرية وقتها متفرغة تماما للترويج للعشق ومعلوم أثرها السيء على الجنسين وخاصة من هم بعمر الشباب.
لم يك بمقدور إخواننا بالطبع نزع حب المعازف والأغاني من القلوب إلا بالوعظ والتذكير وقد كان للأخ ناجى موعظة مشهورة عن تحريم الغناء وبيان أثره السيء على النفس، بل وعلى عقيدة المسلم وذلك أن كلمات بعض الأغاني المتداولة بقوة والتي ترددها الألسن بكثرة كانت كفرا صريحا كقول مغنيهم
(قدر أحمق الخطا)
وقول مغنيهم ومغنيتهم أيضا
(ورأيت أنك كنت لي ذنبا سألت الله أن لا يغفره)
وقول شاعرهم الغنائي
(لم يعد للكفر والإيمان قيمة)
بعدما دارت هذه المواعظ في مساجد المدينة الصغيرة مرات ومرات جاء الدور على النهي عن هذا المنكر.
حنانيك!!
لا تظن أننا درنا بالنبابيت بين الغرف نتنصت ونقتحم ونحطم مذياعا هنا وجهاز تسجيل هناك. بل اكتفينا بالنصح الذي قد يحوي عتابا أو زجرا لمعاند أصر على فرض أغنيته المفضلة على المحيط المجاور له.
أذكر أنني استأذنت لدخول غرفة تنبعث منها الألحان تحمل الأشجان، فلما أذن لي من فيها بالدخول ووجدت ثلاثة ودعاني بعضهم للجلوس قلت لا أستطيع إلا أن تغلقوا المذياع ففعلوا وأحدهم يزلقني ببصره بينما الآخران مرحبان.
وفي طيات كلامي ذكرت لهم حرمة المعازف وكي لا ينالهم الحرج قلت لهم أنا أعلم أنكم لم تكونوا تعلمون هذا الحكم وكلنا كان لا يعرف هذا الحكم. وكنت بدأت الحديث عن عدم جواز إقلاق جميع الغرف المجاورة بهذه الأصوات العالية.
في المحصلة النهائية لم تعد هذه الغرفة بوقا غنائيا وخرجت بصديق صغير في إعدادي هندسة بينما أبرق أحدهم لوالده أنه لا بد أن يترك المدينة الجامعية وكان والده موسرا فاستأجر له شقة مفروشة بمفرده وانقطعت أخباره عنا.
أما صديقنا الصغير فالتصق بالصالحين حوله وسار معهم فشعر والده القاهري الضابط الكبير (بالمخابرات الحربية أو الشرطة العسكرية لا أذكر أيهما كان) شعر بالقلق لما رأى ابنه يطلق لحيته فجاء ليصطحب ابنه لمبنى أمن الدولة بأسيوط للقاء محمد الشافعي (أحد الضباط المسؤولين عن النشاط الديني وقد تولى بعدها بأعوام مفتش أمن الدولة بأسيوط) وهناك استودع الأب ولده أمانة بيد جهاز أمن الدولة وعاد سريعا للقاهرة بالطائرة من مطار منقباد العسكري.
فيما بعد وعندما كان محمد الشافعي يستدعي هذا الشاب لزيارته ويتلطف معه أيما تلطف وينفحه بعض الهدايا ليتألف قلبه بعيدا عن الجماعة كان صاحبنا يرجع ليقول لي ماذا أصنع بهديته فأقول ضعها في الفقراء فيفعل.
فانظر رحمك الله كيف جعل الله موعظة يسيرة عن حرمة الغناء ووجوب الامتثال لأمر الله تغلب -بإذن الله- كيد الدولة العميقة. فيهتدي سامعها ويقوى على مقاومة ضغوط ضابط كبير بالجيش هو والده وضابط كبير بأمن الدولة أصبح يراقبه!!
ويريد بعض الناس أن نتخلى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!!
لا والله لن نفعل.
كان المنكر الآخر الذي تم التصدي له الاختلاط المستمر في مدرجات الدراسة وفي الفصول أيضا وفي الكافيتريات.
وكان الأمر يحتاج إلى تنظيم يسير للمدرجات فتم تحديد نهر من مقاعد المدرجات للشباب وآخر للفتيات وجعل الباب المجاور لكل نهر خاص بأصحابه فقط.
كان الأمر يسيرا وعندما قام دعاتنا الصغار بعرض الأمر على طلاب فرقهم الدراسية وجدوا استجابة طيبة.
الذي عارض هذا الأمر بشدة بعض أعضاء هيئة التدريس المفتونون ببلاد الغرب أو الشرق التي أتموا دراساتهم العليا بها. فصاح أحدهم وكأنما لدغته عقرب حينما فوجئ بالطلاب يجلسون في ناحية والطالبات في ناحية وبينهما ممر فاصل:
(قوموا تداخلوا تداخلوا)
فلم يطعه أحد!!
أما في كلية طب وتحديدا في الفرقة الأولى فقد تعقدت الأمور بعض الشيء
بسبب طالبة سودانية نصرانية عنيدة ودكتور بكلية العلوم مضطرب نفسيا
(28)
وجاء الأخ خالد على حفني وزملاؤه يشكون من أن طالبة سودانية لم يعجبها الفصل بين الطلبة والطالبات أثارت مشكلة مع زملائها ثم اشتكت للمحاضر وأن المحاضر الدكتور (م س) نصرها على زملائها ووبخ الطلاب الذين نادوا بالفصل.
في موعد المحاضرة التالية للدكتور المذكور كنا هناك فوق المنصة قبيل وصوله نتحدث عن الحكمة من الفصل بين الطلبة والطالبات.
عندما دخل المحاضر توجس شرا رغم أننا كنا ثلاثة أو أربعة فقط كلهم من كلية طب الفرقة الرابعة أو الخامسة وكنت الوحيد من خارج الكلية. تقدم مني ليقول بصوت خفيض إنه يريد أن يبدأ محاضرته فأخبرته بهدوء بأنني سأنهي حالا كلمتي فلما اطمأن فوجئت به يرجع خطوات ويصيح إنه يريد أن يبدأ وأن علينا أن نخرج فورا ثم صاح ليستدعي عمال المدرج وموظفي الكلية لعمل محضر لنا وإخراجنا بالقوة فأقسمت أننا لن نخرج وجاء من يسألنا عن أسمائنا بصيغة لا تخلوا من تهديد فأمليناه أسماءنا باستهانة. وعبثا حاولوا إقناعنا بالخروج ليبدأ محاضرته فرفضنا وفي النهاية قلنا ليبدأ ونحن هنا فامتثل.
بعدها جاء مدرسون (معيدون) يعملون تحت إشرافه للمدينة الجامعية وقالوا للأخ ناجح إن هذا الشخص بدأ يتحسن ويحافظ على بعض العبادات وهذا الموقف قد يدفعه للتراجع فاقترح الأخ ناجح أن أذهب معه لزيارته فوافقت.
وهناك تأكدت من أنه شخص غريب الأطوار يعيش بمفرده بلا زواج مكتفيا بخدمة المدرسين الذين يشرف على رسالات الدكتوراه الخاصة بهم. تلطفنا معه في القول ولاحظت أنه طوال حوارنا كان يذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ثم يلتفت نحوي قائلا (مش كده يا عاصم) تذكرت أنه كان يبدو خائفا أثناء حوارنا في المدرج وكلما أشرت بيدي أثناء الحوار -وهي عادة عند كثير من الناس بل أكثرهم أن يشير بيديه أثناء كلامه- كان يصيح (إيدك)
فيما بعد سمعت الشيخ عبد الجابر خطيب مسجد ناصر الذي حدثتكم عنه من قبل يقول هذه خطة وضعتها الجماعة الإسلامية يتصدر عاصم أمام أي شخص يريدون تخويفه ثم يذهب إليه ناجح ليتألفه فيخاف منهم ويحبهم في نفس الوقت !!
عبثا حاولت إقناعه أنه لا توجد خطة ولا غيرها وأن كلا منا يتصرف وفق معطيات الموقف الذي وضع فيه وأيضا وفق طبيعته الشخصية فأبى أن يصدقني ولكنه كان محبا ودودا لطيفا .
استقرت -إذن- مسألة الفصل في المدرجات وبعدها قررت إدارة الجامعة الفصل في الفصول فخصصت فصولا للطلبة وفصولا للطالبات.
ومن جامعة أسيوط انطلقت هذه الفكرة لتعم كل جامعات الجمهورية وظل العرف في الجامعات جاريا بذلك عشرات السنين وأغلق ذلك باب فساد يعرفه جيدا طلاب الجامعات.
(وكانوا يريدون منا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر !!)
(وكانوا يرموننا بالباطل بأننا أهل فتوة لا أهل دين)
فالحمد لله الذي جمع لإخواننا بمحض فضله بين الأمرين.
لا أدري هل هذا النظام الذي أرساه إخواننا -بلا مفاسد وبلا تعب يذكر- هل لا يزال ساريا إلى يومنا هذا أم محاه الانقلاب فيما محاه من مظاهر الدين وشرائعه وأخلاقه.
فيما بعد
بعدها بأيام لقيت الدكتور (م س) مرة ثانية لكن هذه المرة في لفيف من أساتذة الجامعة بمبنى (د) بالمدينة الجامعية. ومرة ثانية يذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ثم يلتفت إلي قائلا (مش كده يا عاصم)
كان هذا في ليلة تحطيم كازينو (النقرة) ولذلك قصة أحكيها الآن إن شاء الله لكن بعد أن أبين للقارئ الكريم أننا حتى تلكم الليلة من تاريخ الجماعة كنا نقوم بتغيير المنكرات الخاصة بالاختلاط والغناء داخل الجامعة ومدينتها فقط. ولا نخرج بهذا الأمر خارجها.
لا لأن ما هو منكر داخلها ليس بمنكر خارجها، بل لأن القدرة المادية والمعنوية اللازمة لتغيير المنكرات تحققت لنا داخل الجامعة لا خارجها.
وبالتالي كان محاولة الخروج بهذه الفريضة (تغيير المنكر) خارج الجامعة سيؤدي إلى مفاسد كبيرة.
لكن في هذه الليلة حدث شيء خارج القاعدة المستقرة عندنا.
(29)
فوجئ ثلاثة من إخواننا بعد خروجهم من المدينة الجامعية بفتاة تجلس بين شابين في الظلام على سور مسجد عمر مكرم فتوجه ثلاثتهم (الإخوة صلاح هاشم وكرم زهدي وناجح إبراهيم) وطلبوا منهم الانصراف لأن لهذا المكان حرمته. فأبوا ودخل الشابان في مشادة واستعراض للقوة أمام صاحبتهم التي ظهر الصليب واضحا في عنقها.
وفي ثوان معدودة تحولت المشادة لمعركة باللكمات وسقط الأخ ناجح الذي ابدى شجاعة لكن بدون خبرة بفنون الاشتباك فارتطم رأسه بالرصيف فشج فلما هم بالوقوف كان أحد الشابين يسقط فوقه فارتطم رأسه ثانية فشج من الناحية الأخرى فلما قام بعد ذلك كان الدم يسيل بغزارة من ناحيتي رأسه ويستدير من خلف أذنيه ليتصبب من عنقه فصاح صارخ (ناجح قد ذبح !!)
في لحظات كان طلاب المدينة يملؤون شارعها الرئيس ولا أدري كيف عرفوا أن الشابين والفتاة خرجوا للتو من كازينو النقرة.
وبدأ الاستعداد لاقتحام الكازينو فتسلق الشباب عشرات الأشجار العتيقة المحيطة بالمدينة وفي لحظات كانت الأفرع بيد جموع الطلاب الذين قشروا أوراقها. ثم صاح صائح إلى كازينو النقرة.
في هذه اللحظة كنت وصلت متعجبا للون الشارع الذي صار أخضر. ثم فهمت السبب.
بعد دقائق كان نائب رئيس الجامعة عبد الرازق حسن في الطريق الفاصل بين المدينة والكازينو يحاول تهدئة الطلبة فلم يفلح وعندما وصلت أكدت له أنه لا أحد سيمنع الطلاب من تحطيم الكازينو وصاح فيه أخ ضخم الجثة كاريكاتوري الشخصية:
(يا عبد الرازق اسمع كلام الأمير وخد ثواب وانزل شارك في تحطيم الكازينو)
لم أكن أعرف من الأمير الذي يقصده فالأخ ناجح حملته الإسعاف للمستشفى !!
بعدها بقليل وصل مفتش المباحث الجنائية بأسيوط “إمام حسبو” وحاول هو الآخر كبح جماح الطلاب الغاضبين فطردوه فرأيته يرجع ممتقع الوجه وهو يهتف بهتافات الطلاب الثائرين !!
لم يستغرق تحطيم الكازينو زمنا طويلا عدنا بعدها للمدينة لنجتمع بوفد من أعضاء هيئة التدريس ثم ذهب وفد منا لمكتب نائب رئيس الجامعة للملمة الآثار الجانبية لهذه الأحداث المفاجئة.
وعندما زار السادات أسيوط بعد ذلك بأشهر كان تحطيم كازينو النقرة من جملة مخالفات قانونية كثيرة ضمنها أمن الدولة في تقرير قرأه السادات لكنه قال كازينو النقرة بفتح النون بينما هي بالضم سمي بذلك لوقوعه بأرض منخفضة ممتدة بين شريط القطار والطريق الداخل إلى مدينة أسيوط والمتفرع من الطريق الزراعي (القاهرة/أسوان)
عقيب هذه الحادثة وجدنا من يطرق بابنا ليخبرنا أننا فعلنا خيرا بإخراج هذا الكازينو من الخدمة لأنه كان حلقة في شبكة دعارة تشمل إلى جواره فندقا شهيرا بمدينة أسيوط.
بعد ذلك عدنا لنحصر تغيير المنكرات الخاصة بالاختلاط داخل الجامعة.
اللهم إلا حادثة مشابهة لكازينو النقرة عمد فيها الأخ كرم زهدي إلى الاتفاق مع ثلاثة من إخواننا على حرق نادي رابطة أبناء المنيا وهو يقع إلى جوار الكازينو الفقيد لكن كان هناك فرق بين النشاطين.
وقد تسبب هذا الحادث غير المنضبط في إصابة المنفذين بحروق واضطررنا لمعالجتهم على يد إخواننا طلاب كلية الطب واحتجازهم داخل غرف المدينة الجامعية وعدم إرسالهم للمستشفى.
وتم توجيه لوم شديد للأخ كرم مرتين مرة على يد الأخ أسامة حافظ الذي قال له سأرفع هذا التجاوز للقاهرة (مجلس شورى الجماعات الإسلامية) فقال له وهل يصح إد٠خالهم بيننا (كان رئيس المجلس وقتها انضم للإخوان لكن لا يجهر بذلك) فأجابه الأخ أسامة سأفعل.
وكانت حجته أن الأخ كرم قيادي بالمنيا لكنه ليس كذلك بأسيوط إذ لم يكن عضو مجلس شورى أسيوط.
وفي عظة ألقيتها بمسجد الرحمن (عمر مكرم سابقا) انتقدت هذا الفعل ملمحا إليه لا مصرحا به وعدت باللائمة على من قام به بلا إذن مما أحدث قطيعة بيننا لفترة. وقد كانت مقاطعة الأخ لأخيه شيئا غريبا علينا وليس من عوائدنا.
عدنا للعام الجامعي (79/78) ونحن الآن بعد منتصف ليلة الأول من يناير والساهرون بالكنائس بعد أن احتفلوا بما هو لائق بهم وختموا احتفالاتهم بفقرة إطفاء الأنوار الأثيمة بدأ سكان المدينة الجامعية منهم بالعودة لمبانيهم. ففوجئوا بمنعهم من دخولها.
كان النظام المتبع في مدن الطلبة والطالبات الجامعية إغلاق الأبواب في العاشرة مساء للطلاب وقبل ذلك بساعة أو أكثر للطالبات. والهدف من ذلك معروف. وكان من يرجع متأخرا يوبخ ولو من حارس المبنى ويهدد بالمنع مستقبلا (في حالة الطالبات يتم إعلام ولي الأمر)
في تلكم الليلة تم منع من جاؤوا بعد منتصف الليل لا بمعرفة إدارة المدينة ولا مشرفي المباني ولا الحراس، ولكن بمعرفة الجماعة الإسلامية. وتدخلت الكنيسة محرضة وتجمع نصارى أسيوط طلابا وغير طلاب لاقتحام المدينة وتعالت أصوات بينهم يدعو أصحابها أن يكونوا الليلة شهداء (أسمعت عن شهيد خمر وقبلات من قبل)
وجاء المحافظ على عجل.
(30)
وقف المحافظ وحاشيته في الوسط بين حشد نصراني على رأس شارع يسري راغب قرب مدخل المدينة الجامعية وحشد أكبر من طلاب المدينة أتوا من مبانيها السبعة (آنذاك) ووقفوا أسفل مبنى (أ) وفي أحد شرفات هذا المبنى الفخم الكبير أطل الأخ عبد الغني صاحب الشخصية الكاريكاتورية الذي حدثتكم عنه منذ قليل أطل بجثته الضخمة وصوته الفخم يدعو والجموع تؤمن خلفه:
انتقم يارب
انتقم يارب
انتقم يارب
ثم راح يوجه الجموع ويأمرهم بحزم. عجبت لأن أحدا لم يفوضه بقيادة الموقف وعجبت أكثر لما طرقت أوامره العسكرية أذنيَّ وآذان جميع الحاضرين :
(ارفعوا السيوف)
وعجبت ثالثة لما لمع الحديد في ظلمة الليل وقد دفعته الأيدي رأسيا ليرتفع فوق رؤوس.
كان مشهدا دراميا يعجز عنه بعض مخرجي هوليوود
أدركت أن الطلاب وهم في طريقهم للاحتشاد دفاعا عن مدينتهم التي يراد فرض السمت الصليبي عليها ولو عنوة عرجوا على موضع تخزين مواد البناء الخاص بكليتي التجارة والحقوق وجردوه من السيوف أقصد من حديد التسليح !!
وصارت سنة بعد ذلك ففي كل مواجهة تكون مواد بناء هاتين الكليتين حديدا وزلطا هي عدة الشباب وسلاحه.
عندما طلب مني المحافظ صرف الشباب لأن هناك صيحات على الطرف الآخر تنادي بالشهادة قلت له قل للأمن الواقف بينهم وبين الطلاب يفتح لهم الطريق لينالوا الشهادة.
لا تسعفني الذاكرة الآن كيف تم إنهاء هذه المشكلة ليلتها لكنهم لم يدخلوا المدينة إلا بعد أن أفاقوا من خمرهم في اليوم التالي.
كان هذا هو لقائي الثاني بالمحافظ صديق السادات المقرب محمد عثمان (الأول لو تتذكرون كان بمبنى د قبيل نؤتمر المجدوب) ولم ألتق بالرحل بعدها فقد استحكمت العداوة بيننا ذلك لأنه قد سألني في ثنايا الحوار هل أنا عندك أخ أم حاكم؟؟ كان ينتظر إحابة تعود على سماعها من غيرنا من الحركات الإسلامية التي كانت تتلمس دعما من أي جهة كي تستطيع الوقوف على قدميها. لكن جاءت إجابتي على سؤاله أمام الطلاب صادمة له.
أتذكر ذلك وأتذكر كيف امتنع المحافظ بعدها على أي لقاء يجمعه بي وقد امتلأت صحيفتي باتهامات من لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة بأنني رحل المحافظ الذي جنده من بين اليساريين ودفع به للقضاء على جماعتهم رغم أن عددهم وقتها بجامعة أسيوط كانت تحصيه أصابع اليدين في مرتين !!
فكيف يا هؤلاء كنتم تلقوننا بالأحضان والقبلات ثم تطعنوننا في ظهورنا.
ثم بدأ إخواننا في الإعداد لمنع جولات العشاق في الحدائق والطرقات. أعني حدائق الجامعة وطرقاتها.
اختار إخواني مجموعات من الشباب الأكثر التزاما والأرشد عقلا وعقدوا لهم دورة شرعية في فقه تغيير المنكر ثم تم إقرار سياسات واضحة واجبة الاتباع أثناء القيام بتغيير هذه المنكرات. يحضرني منها أن التغيير سيكون باللسان فقط وسيبدأ بسؤال لطيف للشاب هل هذه محرم لك فإن قال نعم يترك بعد نصحه أن يبعدها عن موضع الشبهات إن كان المكان مريبا.
فإن لم تكن فيفتتح الكلام بتعريف الفاعل أن هذا منكر وذكر أدلة ذلك. وأننا سنخاطب بذلك الشاب فقط لا الفتاة وأن حديثنا معه سيكون بعيدا عنها لئلا تأخذه العزة بالإثم وأننا سننتقل بعد التعريف إلى درجة الوعظ ترغيبا في الثواب وترهيبا من العذاب. وانه يمنع استخدام القوة في هذا الأمر.
هذه المجموعات المختارة والمجهزة بالعلم الشرعي اللازم وبالسياسات الجازمة هي التي كانت تنتشر في طرقات الجامعة تمارس دورها في إنهاء هذه الظاهرة.
وبحمد الله نجحت نجاحا مبهرا.
وسرعان ما أرسلت لنا إدارة الجامعة أنها قررت أن تتولى هي مسألة منع النزهات المختلطة في حدائق الجامعة وطرقاتها عن طريق مسؤولي الأمن بالكليات وأن من يرى منكرا كهذا عليه تنبيه أقرب رجل أمن ليقوم باللازم.
وقد وافقنا على ذلك حتى صار نداء أحد الطلاب (يا حرس) يفهم منه أن منكرا من هذه المنكرات يوجد بالمكان فيتحرك أقرب رجل أمن للنهي عنه.
ومن الطرائف التي حدثت أن رجل أمن سمع النداء فتقدم نحو الشاب والفتاة ثم رجع ولم يفعل شيئا وأشار ضاحكا إلى وجهه أي أن الشاب ملتح فقيل له لا خصوصية لملتح إن كانت محرما له فلا اعتراض أما إن كان مخطئا فلا كرامة له وهو أولى بالإغلاظ.
وكان من حسن سياسة إخواني أنهم قرروا أن يكون إنكار هذا المنكر في مجموعة ولو صغيرة العدد لأن ذلك أدعى لمنع العراك الذي قد يتجرأ عليه البعض إن استضعف من ينصحه.
لكني كنت أجد في نفسي إن رأيت منكرا بمفردي ولم أتوجه بالنصح لفاعله وكان ذلك يشق علي. فلربما خالفت السياسة المتبعة راجيا من الله أن يتم الأمر على خير. وهذا ما حدث عندما استوقفت شابا واستأذنته أن نتحدث على انفراد فلما سألته قال ابنة عمي وأنا أصطحبها يوميا في عودتها من كليتها فنصحته بأن لا يفعل لأنه يضعها في موضع شبهة فاقتنع، ولكنه توقف فجأة ليسألني هل أفرض عليه ذلك بالقوة !!
(يتبع إن شاء الله)
#السيف_والقلم