《 السيف والقلم 》
( رحلتي مع الجماعة الإسلامية )
(16)
لم تهتم أمي بمعاتبتي على تحطيم ما حطمت من تماثيل بقدر ما اهتمت بإنقاذ ما تبقى فحذرتني من النيل من الأسد.
فنبهتني دون أن تدري أني نسيت الأسد فانسللت بهدوء أبحث عنه فوجدته في (صيوان) تحتفظ فيه بأطقم أطباق وكؤوس وملاعق وخلافه فاصطحبته بهدوء إلى سطح المنزل وعالجته بضربة حجر ثم هبطت مسرعا لأخبرها كم كان الأسد ضعيفا مستسلما!!
بعد أيام وفي أوائل يوليو 78 جاءت نتيجة الامتحان لقد نجحت وانتقلت للفرقة الثالثة لكنه نجاح جريح هذه المرة فلقد رسبت في مادة!!
ووالله ما رسبت فيها إلا لأني احتقرت فكرة الجهاز الذي طلب مني تصميمه. فلم أستسغ بعد ثلاثة أعوام في كلية هندسة أسيوط العالية مستوى وفي قسم ميكانيكا الأكثر تعقيدا من بقية أقسامها أقول لم أستسغ أن يكون الموجه أو الدليل (GUIDE) الذي يطلب منا تصميمه بهذه البساطة التي جاءت في ورقة الامتحان.
وبسرعة ودون تردد افترضت أن المراد أعقد من ذلك فصممت جهازا أعقد بعض الشيء لمهمة أعقد بعض الشيء فكان جزائي أن رسبت بعض الشيء.
وهكذا تحول تقدير (جيد جدا) إلى ماض علي أن أطارده عاما دراسيا كاملا إن أردت أن يعود.
لكني لم أكن أرغب في ذلك. فالتفوق، بل النجاح ذاته والكلية ذاتها -التي كانت معشوقتي وسلواي ومبعث فخري- والمكانة التي تبوأتها عند كل أساتذتي، وتقديم زملائي لي كمساعد لأطقم التدريس (مع الإخوة طارق إبراهيم وأحمد عز وسيد رمضان)
كل ذلك أصبح عندي في مرتبة متأخرة يأتي قبله إصلاح النفس والدعوة والجهاد.
نعم الجهاد!!
فقد أيقنت أن السادات لن يصبر طويلا على الجماعة الإسلامية وزاد يقيني عندما غيرت هذه الجماعة الوليدة وجه مصر، بل غيرت وجه العالم العربي الذي تأثر كعادته بما يحدث في مصر.
فمصر الناصرية رفع شعبها السبابة ليعيد ترديد الشهادتين مصححا وجهته.
ومصر العارية والتي غزا العري فيها حتى بيوت أزاهرتها ودعاتها تحجبت.
ومصر اللاهية الغافلة انتظم شبابها في حلقات التلاوة.
ومصر المغنية أنصت شبابها للحصري والمنشاوي.
ومصر رائدة التغريب صار برلمانها تحت ضغط الشارع يبحث تقنين الشريعة.
ومصر الساهرة العابثة أغلقت فيها كل محلات الخمور بعد صولات وجولات لأسود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومصر الغافلة عن الطاعة ازدحمت مساجدها حتى ضاقت بالمصلين.
ومصر التي أرادها عبد الناصر كعبة للعرب وأرادها السادات بيتا للمصريين فقط تمرد شعبها على هذه القيود فأصبحت قبلة للمسلمين وملهمة للأمة كلها.
ومحال أن يسكت السادات على ذلك كله. وهو وإن كان أطلق بعض الحريات لجميع القوى السياسية بلا استثناء فلا بد أن يعود يوما لاضطهاد الحركة الإسلامية. وعندها لا بد أن نكون نحن الشباب مستعدين لردعه.
وقد صدقت توقعاتنا وانقلب السادات وحشا كاسرا في 2 سبتمبر 1981 فلاقى ما لاقاه.
فما قيمة الكلية والشهادة والتفوق والتزود بالخبرات طالما أن هناك حاكما مجرما ونظاما قمعيا وبيادات متخلفة غبية مستعدة لأن تسحق كل ذلك. ولا تبالي إن هي حطمت كفاءات وخبرات يحتاج إليها الوطن في نهضته.
ومن قال أصلا إنهم حريصون على الوطن أو على نهضته!!
لذا كنا نرثى لبعض الدعاة حين يؤكد للشباب أن الطريق لرفعة الإسلام هو أن يجتهدوا ليصير منهم المهندس المسلم حقا والطبيب المسلم صدقا والمدرس المسلم قلبا وقالبا.
بينما عسكري أحمق يمكنه قتل هؤلاء أو سجنهم وتعذيبهم وتحطيمهم.
كنا نقول الطريق هو تمكين المسلمين من حكم بلادهم وإزاحة عملاء الغرب من الحكم.
ولما طرحت الحاجة زينب الغزالي في كتابها (أيام من حياتي) خطة الإخوان للتمكين فقالت إنها الدعوة حتى نصل إلى تحويل ثلاثة أرباع المجتمع (!!) إلى مؤيدين وعندها نتقدم للحكم..
أقول لما طرحت ذلك نال استهجاننا الشديد لخياليته الشديدة.
فيما بعد علمنا أن هذا الكتاب سطر صفحاته الأستاذ يوسف ندا وهو كتاب مملوء بالقصص الخيالية ولما سأل الأخ محيي عيسى الأستاذ يوسف عن هذه القصص أجابه الرجل (الحرب خدعة)
فيما بعد قال فؤاد علام مسؤول النشاط الديني بجهاز أمن الدولة لفترة طويلة هازئا
(ألف كرباج ولا زالت على قيد الحياة لو ضربنا ثورا ألف كرباج لمات)
ذلك أن الحاجة زينب (أو قل الحاج يوسف ندا) زعمت أن حمزة البسيوني جزار السجن الحربي أمر بجلدها ألف كرباج وراحت تصف كيف كان ينطق كلمة كرباج مشددا بعض حروفها!!
بل وزعمت أن عبد الناصر حضر بشخصه جلسات تعذيبها ليتشفى منها. وقد كان الأولى أن يحضر تعذيب المرشد أو سيد قطب مثلا!!
وأن جنديا أمروه أن يغتصبها قال لها لا تخافي يا حاجة وامتنع !!
ولكيلا تسأل لماذا لم يدفعوا بجندي آخر ليقوم بهذه المهمة القذرة قال لك الحاج يوسف إن ذلك كان بغرفة مغلقة. وهذا مفهوم طبعا لحرص فريق التعذيب على غض البصر وستر العورة!!
عيب..
والله عيب!!
(17)
يسألون فمن الذي أنشأ الجماعة الإسلامية ؟؟
وهذا وأيم الله سؤال لا جواب له !!
فكما لا تسأل موجات البحر العاتية من أرسلك لا تسأل هذه الموجة من الصحوة الإيمانية من أنشأك.
إنها شيء مركوز في فطرة البشرية مغروس داخل أصلاب هذه الأمة مدفوع من أرحامها مذ رباها القرآن وعلمها الرسول ورعاها من بعده الخلفاء والعلماء والدعاة والمربون وحرسها المجاهدون.
فكما لا يقال للفطرة ولا يقال للإيمان من أنشأك كذا لا يقال للصحوة الإسلامية العاتية التي ضربت موات الأمة فأحيته من أنشأك.
ومع احترامي لكل الأكارم الذين نسب لهم إنشاء هذه الصحوة في جامعات مصر سواء في عاصمتها أو وجهها البحري أو القبلي فإنه ما كان بمقدور أحد منهم قط إنشاء تيار هادر كهذا. بل جميعهم كانوا محمولين فوق موجة الصحوة لا حاملين لها.
وهل سمعتم بسباح مهما كان ماهرا إلا وهو محمول على موجة هي أكبر منه وأعظم منه. وهل يتصور أنه كان يوما حاملا لها !!
نعم كان هناك مصلحون ذوو عزمات تلفت كل منهم فتعرف على أمثاله ممن هداهم القرآن وزكاهم هدي النبي العدنان فتعارفوا وتآلفوا وتحابوا وتعاهدوا على أن يظلوا على درب الهدى سائرين.
لكن هؤلاء موجودون في كل عصر.. هم غرس الله في هذه الأمة.. هم أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومثل هؤلاء لا يقال لهم من أنشأكم.
أنشأهم -يا سيدي- كتاب الله وسنة رسوله ورعاهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهدهدتهم أمهات المؤمنين وتعهدهم ابن عمر وابن عباس وعلمهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجلسوا عند أقدام البخاري ومسلم ونهلوا من معين ابن تيمية وحدا بهم ابن القيم.
هل عرفت الآن من أنشأهم !!
لكنهم ما كان ليصيروا موجة عاتية إلا عندما صارت الريح مواتية.
فقاموا مما يظنه الناس عدما وظهروا إلى الوجود. بل ظهروا في الوجود. لذا التبس على الناس أمرهم فسألوا من أنشأكم.
وهل عدموا قط وهل خلت الأرض منهم قط.
لكن كما قلت تيسرت أسباب ظهورهم فظهروا لا أكثر.
نعم هذا السؤال -سؤال من أنشأكم- قد يصح إن رأيت لهؤلاء نهجا معلوما ينسب لمخلوق بعد الرسول.
هنا يقال بصدق إن فلانا واضع هذا النهج الذي أرسى أصوله وحدد مبادئه وجعل الدخول في زمرته مشروطا بشروط.. هو الذي أنشأ هذا الكيان.
أما من كانوا -وظلوا- أحرارا طلقاء لم يتقيدوا بقيد إلا بكتاب الله وسنة رسوله فهؤلاء لم ينشئهم سوى كتاب الله وسنة رسوله.
لذا لم يكن الدخول في هذه الزمرة موقوفا على موافقة أمير ولا إذن قائد ولا تزكية شيخ ولا توصية داعية. ولا كان مشروطا بشيء سوى ما اشترطه القرآن والسنة لتكون -بحق- من أهل هذا الدين.
وأيضا لم يكن الطرد من هذه الزمرة منوطا بأحد قط.
ولم يكن هناك بوابة دخول يستوقفك أحدهم عندها ليبحث في استكمال شروط المرور فيأمر برفع الحاجز والسماح لك بدخول مستعمرته التي بناها ويأمر موظفيه أن يسجلوا اسمك في سكان هذه المستعمرة.
بل أنت وحدك الذي تملك حق الدخول -بلا إذن- بتقواك وصلاحك وسلامتك من خوارم الرجولة وبعدك عن البدع وحبك للدين وطهارة باطنك.
فإن فعلت فقد دخلت في هذه الزمرة بلا سبق إصرار منك وتحققت بينكم الموالاة دون تعمد بل وصرت من العاملين لهذا الدين دون قصد !!
ثم إنك إن أهملت قلبك ففسد وتركت لجوارحك العنان فعصت ثم لم تتب بل تمادت وأسرفت أو حدت لمذاهب باطلة من مذاهب أهل البدع فقد اخترت أنت بنفسك أن تبتعد.
ولم يعد بمقدور إخوانك منعك من الرحيل إلا كما يمنع شاطئ الرمال الموجة من الانحسار والعودة من حيث أتت.
أتراه يستطيع !!
فإن عرفت جوابي على سؤال من أنشأكم عرفت شروط بقاء هذه الفئة.
إنه ببساطة أن تحافظ على صلتها بأصولها الأولى أعني تلكم الأصول التي جاء بها الرسول.
عندئذ ستظل كنزا لا يفنى ولا يضيع.
نعم قد تضربها الأهوال فيفنى أكثر أو حتى كل الموجودين منها في فترة ما.
وهنا تكون فقط قد توارت لكنها باقية في فطرة البشر مغروسة في أصلاب هذه الأمة مركوزة في أرحامها كماء بحر رقراق ينتظر ريحا مواتية ليعود كموجة عاتية يعجز الشاطئ عن صدها ويعجب بها الناظرون فيعيدون السؤال القديم :
(من أنشأك !!)
عدنا إلى السياق التاريخي..
فنحن الآن في مدينتي المنيا أتعرف على إخوة جدد وهنا عرفت الأخ محيي الدين عيسى الرجل الأول في الجماعة بالمنيا وأما الرجل الثاني فقد تعرفت عليه بأسيوط وهو الأخ كرم زهدي وأما الثالث فرئيس اتحاد طلاب جامعة المنيا الأخ أبو العلا ماضي.
لا أدري لماذا شعرت أني ضيف عليهم رغم أنها مدينتي وظل هذا الشعور يعاودني بعد ذلك فأنا ابن أسيوط وتحديدا ابن جامعتها لا ابن مدينتي المنيا.
فيما بعد صرت كسفير لأسيوط في المنيا أرعى مصالح المسافرين إلى هذه المدينة وفي هذا قصص تأتي إن شاء الله.
(18)
تحضرني عدة وقائع عايشتها أثناء الإجازة الصيفية.
فمنها أننا أثناء انصرافنا من المدينة الجامعية المتواضعة لجامعة المنيا قبيل الفجر وعند مرورنا بمكتب الجوازات المجاور لمبانيها التي هي مجموعة مساكن شعبية بحي الإخصاص ذي الطبيعة الريفية وجدنا طابورا طويلا من القرويين ينتظرون أن يفتح المكتب أبوابه وذلك لن يكون قبل خمس ساعات. كانوا من الباحثين عن فرصة عمل بدولة عربية.
الذي لفت انتباه رفيقي الأخ محيي عيسى هو أن عسكري الأمن المسؤول عن تأمين المكان ترك وظيفته ليقوم بوظيفة الجلاد فراح يصفع رجلا ويسب آخر ويهدد ثالثا.
غضب أخونا الكريم طويل القامة واتجه نحوه لينهره فاكتشف أنه مسيحي فثارت ثائرته وصفعه صفعة واحدة طار معها في الهواء ثم سقط على ظهره مادا يديه ورجليه في مشهد لا يمكن رؤية مثله لأعظم مخرج. ثم تركه ممددا على الأرض ومضينا معا وهو يقول أراد أن يذل فقراء المسلمين.
بعدها بمدة لا أدري طولها جاءنا رسول وكنا في رمضان ليخبرنا أن هناك حادثة بجوار ميدان عبد المنعم رياض الشرقي وأن مجموعة مسيحية تعرضت لعامل نظافة وسبوا دينه واعتدوا عليه وأن الأخ محيي (أيضا !!) الذي كان يمر هناك بالمصادفة (أيضا !!) تأكد بنفسه أن العامل مسلم وهو يعرف هذه المجموعة من أصحاب المحلات بشارع (عدلي يكن) ويعرف ديانتهم وأنهم تعمدوا فعل ذلك بعامل النظافة الحي المعروف لديهم ديانته.
ذهبت مع مجموعة من إخواني لأجد الوضع متوترا فقد استعدت العائلات المسيحية لأنهم توقعوا أن (الشيخ) محيي وقد شاهد الواقعة لن يدع الأمر يمر مرور الكرام.
في شارع جانبي وقف الأخوان محيي وكرم يتشاوران وفي النهاية اتفقا على الانصراف يومها حذرا من أن يكون هناك كمين أمني.
في اليوم التالي عوقب أصحاب المحلات ومن تحالف معهم.
يومها أدركت بعض جوانب شخصية هذين الأخوين الثائرين.
لكن بعدها بسنين طوال رأيت من ينتقد منهما طيش شباب الجماعة الإسلامية فعجبت !!
ثم دخلت العشر الأواخر وأخبرت والدي بنيتي الاعتكاف في مسجد المدينة الجامعية (لم تكن مساجد مصر قد عرفت سنة الاعتكاف بعد) فلم يوافق. فأخبرته بأنني سأفعل ولو لم يوافق لأن الاعتكاف عبادة ولن أستأذن في عبادة.
كان ذلك تنطعا مني ومعصية (والله يغفر لي) إذ لا يجوز معاندة الأبوين لأجل سنة.
ولو حضرني حديث جريج العابد لارتدعت يومها.
لكن الحقيقة أنني أردت الاعتكاف ستارا أستتر به عن عين والدي لأني أريد أن أقوم بعدة أسفار.
فقد اتفقت مع رفيق أن نبدأ الاستعداد لجهاد محدود نستطيعه مع مجموعة صغيرة (لأن الجماعة الإسلامية بالها طويل)
إنها فكرة البحث عن الخلاص الفردي بنيل الشهادة بغض النظر عن الأثر المرجو أو رد الفعل المتوقع. وهي فكرة تراود الشباب المبتدئ كثيرا.
لكن لم تدم هذه الفكرة طويلا. أما صاحبي فالتحق بجماعة من جماعات التكفير ولا زال هو وأولاده بها إلى يومنا هذا.
بعد فجر يوم العيد ونحن متجهون للصلاة على كورنيش المنيا الطويل والفسيح كنت مهموما كيف سأواجه أبي وقد غبت عن البيت عشرة أيام رغم رفضه. هو بالمناسبة كان يعلم مسجد الاعتكاف لكنه أبى أن يذهب لإقناعي وإرجاعي وسافر هو والأسرة لقريتنا ليقضي العيد مع أمه.
هالني في الصلاة الحشود العظيمة التي زحفت إلى مكان الصلاة. وبعد الصلاة سافرت مهموما لقريتنا فلم أجد الوالد بالمنزل، ولكن وجدته ترك تنبيها للأسرة أن لا يناقشني أحد فيما فعلت.
وحتى يوم الناس هذا لم أفهم سر هذا التنبيه !!
وفي قريتنا خطبت أول جمعة في مسجد العائلة الذي أنشأه جدي رحمه الله وكان خطيبه المفوه.
كان والدي بين الحضور وكذا ابن عمي الذي كان بمثابة أخ أكبر لي. كان متوترا يخشى أن لا أقوى على مواجهة الناس من فوق المنبر. إذ للجماهير رهبة وللمنبر أيضا رهبة.. بعد قليل انفرجت أسايره.
قبل أن تنقضي الإجازة الصيفية كنت قد أدركت أن الدعوة بجامعة أسيوط أقوى من نظيرتها بجامعة المنيا بينما الدعوة بمدينة المنيا أقوى من نظيرتها بمدينة أسيوط.
ثم عدنا مع بداية عام دراسي جديد (79/78) إلى أسيوط لنجد الأمير يعاني بعض وحدة وفقدان لمن يعينه على الدعوة. والدعوة محبوبته (التي كنت أود لو اعتكف على حبها طيلة حياته)
وقد كان أثناء أشهر الصيف ذهب للأمير السابق أسامة سيد ومجموعته ليعين بعضهم بعضا في جهود الدعوة فأبوا وبدلا من ذلك دعي للقاء الشيخ عبود في بيته. وهو من رجالات الإخوان بأسيوط وقتها وقد جاوز عمره السبعين.
فيما بعد لخص لي أحد إخواني ما دار في اللقاء (ولم يذكر الأخ ناجح ذلك لي وقتها) لقد سأله الشيخ عبود سؤالا واحدا وأعطاه قرارا قاطعا:
《 إن كنت من الإخوان المسلمين فكيف تفسر مجيئك على أنقاض أخيك. وإن لم تكن من الإخوان المسلمين فأنت من طريق ونحن من طريق 》
(19)
بعد فترة قصيرة صكت أذني عبارة صادمة أخرى لا تقل بشاعة عن العبارة السابقة
وقد جاءت العبارة الثانية على لسان قطب إخواني أيضا، ولكنه -على العكس من الشيخ عبود- قطب إخواني سابق.
إنه الشيخ السويفي أحد أكبر قيادات الإخوان في أسيوط وقيل كان زعيمهم الأكبر. وقال هو عن نفسه متحديا وهل كان الشيخ البنا يأتي إلى أسيوط إلا عن طريقي !!
ففي جملة زيارات كنا نحرص عليها لكبار رموز الدعوة جاءت زياراتنا المتكررة للشيخ السويفي. وفي إحداها انجر الكلام للإخوان وكنت يومئذ مستمعا فقط إذ أن سني عمري -التي تحصيها بأصابع اليدين مرتين- لا تسمح لي أن أتحدث في حضرة عالم يناهز الثمانين وعضوي هيئة تدريس أحدهما بهندسة المنيا والثاني -على ما أذكر- بزراعة أسيوط. فإن كانت ثمت مزاحمة لهؤلاء في الحديث فلتكن من الأخ أسامة حافظ الذي عرفني على هذا الجمع الطيب وأدخلني مجلسهم.
ليلتها قال الشيخ السويفي :
(لو قيل للإخوان هذه الغرفة فيها إسلام وليس بها إخوان ما دخلوها ولو قيل بها إخوان لا إسلام لدخلوا)
لم يخفف من شدة الصدمة التي ضربتني سوى أن اثنين من المتواجدين قالوا هذه مبالغة فسكت الشيخ على مضض.
ودار الحديث دورات في موضوعات. ثم عاد من حيث بدأ ففوجئت أن من اعترضوا على الشيخ أول الجلسة عادوا فوافقوه !!
لم يقف الحوار الذي أشرت إليه منذ قليل بين الأخ ناجح والشيخ عبود عند ما اعتبره الشيخ كارثة مجيئ الأخ ناجح على أنقاض أخيه والإعلان عن أن مفاصلة كاملة ستحدث وقطعا لأي ولاء بلا تردد إن لم يكن من الإخوان. وإنما تطرق الحوار أيضا لقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كان موقف الأخ ناجح وهو موقف كل قيادات الجماعة ليس في أسيوط فحسب بل أينما وجدوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة ماضية وهي سبب خيرية هذه الأمة وأنه لا يمكن تعطيلها وإنما يراعى الضوابط الشرعية التي تسمح بها في حال وتمنعها -لغلبة مفسدة أو عجز- في حال آخر.
بينما كان موقف الإخوان كما عبر عنه مسؤول أسيوط م/دسوقي شملول أننا نحيا الآن أحوال وأحكام العصر المكي فلا جهاد ولا تغيير منكر بل دعوة وتربية وصبر.
يبدو أن الأخ ناجح يئس من إقناع الشيخ السبعيني فحسم النقاش بقول مشهور للشافعي :
(من استغضب -في الله- فلم يغضب فهو حمار)
《الفصل الثالث》
(ادع إلى ربك)
نحن الآن في بداية عام دراسي جديد إنه عام (79/78) وفيه انطلقت الدعوة إلى الله بالجامعة انطلاقا مذهلا كان فوق توقع الإخوة أنفسهم وفوق طاقتهم.
فقد كان شباب الجامعات وفتياتها كأرض عطشى تنتظر الغيث وقد أتاهم على يد زملاء لهم لا يكبرونهم سنا وإنما سبقوهم -ولو بخطوة- على الطريق.
ولأمر قدره الله بدأت الدعوة من الجامعات فسهل بعد ذلك دخولها كل بيت على يد الطلاب عند عودتهم لمدنهم وقراهم حتى عمت كل ربوع مصر.
بدا الأمر وكأنما نفخ التاريخ في بوق ضخم نوبة رجوع فرجع الناس للدين زرافات ووحدانا.
كان قدر الله الرحيم ولطفه الكبير في ذلك أعظم من أن يخفى وأوضح من أن يشوهه كذوب بادعاء سافل بأن جهة مخابراتية ما وقفت وراء ذلك.
إنها تهمة اليساريين الساقطة وفريتهم الباهتة.
دس عليها وعليهم بكعب حذائك وانطلق خلف جموع الدعاة الصغار في أعمارهم الكبار في همتهم الموفقين في عملهم وهم يجوبون مساجد المدينة الجامعية والكليات يعظون ويدرسون الأحكام الشرعية التي يحتاجها كل مسلم في عبادته بخلاف حلقات تعليم التلاوة وأحكام القرآن.
ولا يكتفون بذلك فيزورون الطلاب في غرفهم في يصادقونهم ويجذبونهم للمسجد..
ثم لا يكتفون بذلك فيقفون عند تجمعات الطلاب في طرقات الجامعة وعلى سلالم المدينة الجامعية وفي الطرق إلى مطاعمها يشرحون أحاديث نبوية قد كتبوها وعلقوها..
ثم لا يكتفون بذلك فيجوبون مدرجات الجامعة يلقون كلمات وعظ قصيرة او يشرحون موقفا للجماعة التبس على الطلاب أو اتخذه أهل الفتن وسيلة للتشكيك في الدين وأهله..
ثم لا يكتفون بذلك فيلجؤون للكلمة المكتوبة يوزعونها في بيان أو كتيب أو في ثنايا كتب دراسية طبعوها ووزعوها بثمن زهيد تخفيفا على الطلاب وآبائهم..
ثم لا يكتفون بذلك فيسيحون أينما وجد الطلاب ولو في شققهم المفروشة في أحياء البلدة القديمة والجديدة..
ثم لا يكتفون بدعوة الطلاب فيدخلون إلى مساكن المعيدين ومصلياتها دعاة وهداة..
ثم لا يكتفون بالدعوة في الجامعة فيخرجون إلى البلدة ومساجدها يلقون الدروس والمواعظ..
ثم يكون لهم تعليق عقب كل صلاة جمعة في غالب مساجد البلد إما بموعظة أو بتحذير من باطل انتشر أو نقد لقرارات اتخذتها سلطة سياسية لا تعرف حقا من باطل.. بل كانت تعرف الباطل فتفعله والحق فتتركه، بل وتحاربه..
ثم تأتيهم الدعوات ليكون منهم خطباء الجمعة في هذا المسجد أو ذاك فلا يقصرون
(20)
كانت ملحمة دعوية رائعة وكانت تؤتي أكلها بتسارع عجيب حتى يخيل إليك أنها ليست من صنع بشر.
بل لم تكن يقينا من صنع بشر !!
فلا اهتداء هذا الصف الطويل من الدعاة كان من فعلهم..
ولا انطلاق ألسنتهم بالدعوة بأفصح لسان واصدق لهجة خلقوه بأنفسهم حتى ولو جرى على ألسنتهم..
ولا إقبال أقرانهم على الإنصات إليهم كان من كسبهم..
ولا دخول الشباب في طاعة الله أفواجا ولا إعراضهم عن معصية الله أرسالا كان من فعل ثلة من أصحابهم كانوا بالأمس القريب يشاركونهم ترك الطاعات ويقاسمونهم فعل المعاصي.
ثم فجأة ينتهض فريق منهم فينادي في الباقين فينهضون معه ملبين.
كل ذلك بلا ريب كان ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ )
أيضا كان هناك شيء حدث كالمعجزة وهو اضطرار السلطة السياسية وقتها لإعطاء مساحة من حرية للدعاة مع إعطاء السلطات حرية أكبر للشيوعيين والناصريين وكل القوى السياسية الأخرى ( رغم أنهم حاولوا الانقلاب عليه عام 71 !!! )
ومن عجب أن عميان القلب شاهدوا المساحة الضئيلة المعطاة للدعاة ولم يشاهدوا المساحات الواسعة التي فتحت لكل أبناء الأفاعي
وهنا أحكي لكم قصة كالخيال كان بطلها الاتحاد السوفييتي الذي غضب لهزيمة 67 لأن هزيمة حليفه عبد الناصر تقوض مكانة السوفييت في المنطقة كما أن صور الدمار التي انتشرت للسلاح الروسي على امتداد سيناء أفقدته مكانته في سوق السلاح الكبير.
درس الخبراء الروس أسباب الهزيمة فوجدوا من أهمها افتقاد المقاتل المصري للروح المعنوية.
هنا أرسل الاتحاد السوفييتي يطلب حضور وفد من الأزهر للتباحث حول هذا الأمر. وكان الشيخ سيد سابق عضو الإخوان السابق من جملة هذا الوفد.
وجاءت توصيات الدولة الشيوعية بفتح المجال أمام الوعاظ لرفع الروح المعنوية للجنود وأصبح تشجيع الدعوة داخل الجيش -أكبر محارب للدعوة تاريخيا- أوامر سوفييتية ملزمة.
وهذا ما مات عليه عبد الناصر وورثه عنه السادات.
وللحق نقول إنه كان بمقدور السادات تضييق مساحة التوصيات السوفييتية لتكون داخل الجيش لكن ذلك قطعا كان سيضيع الأثر. فأي حماسة ستنطلق داخل مجند يرى الدين مهانا في الشارع والمدرسة والإعلام ثم يقال له إن هذا الدين يستحق أن تبذل روحك في سبيل محاربة أعدائه اليهود الواقفين شرق القناة. بينما في غرب القناة وبطول مصر وعرضها يحارب هذا الدين ويسفه كل من تمسك به !!
فالسادات الحريص على الانتصار على اليهود (قد نتكلم في موضع آخر عن سبب حرصه الحقيقي) كان مضطرا لرفع القيود الحديدية المضروبة على الدعوة أيام عبد الناصر والتي ضربت بعلم السادات وتأييده بل بفعله فهو أحد كبار الضباط الذين عهد إليهم بتصفية الدعوة حينها.
سبب ثان دفع السادات لتخفيف القيود المفروضة على الدعوة والدعاة وهو أن الناصريين الممسكين بتلابيب الدولة المصرية وقتها خططوا للانقلاب عليه بل شرعوا في ذلك بالفعل ولولا غباؤهم السياسي لكان قد أطيح به.
وأنا هنا أقول ذلك على مسؤوليتي الشخصية كتوقع وتحليل لا دليل عليه ماديا.
فلماذا لا يكون السادات ترك باب الدعوة مواربا -رغم أنه هو بنفسه شارك في إغلاقه من قبل- طمعا في أن يصرف الإسلام قلوب الناس عن الناصرية المتغلغلة في المجتمع حتى النخاع بل أبعد من النخاع ؟؟
وهذا بالمناسبة شيء لا ينال من مصداقيتنا ولا من ولائنا الكامل لله ولرسوله وللمؤمنين ولا من عدائنا للمجرمين والسادات أحدهم.
لأننا لم ندخل في تفاوض ومساومة مع السادات : أن أعطنا كذا نعطك كذا. وكيف نتفاوض معه وقد كنا عندما تولى الحكم غيبا في ثنايا القدر الآتي !!
ولأننا أيضا عندما صارعنا الأفكار اليسارية صارعناها لأنها مذاهب وعقائد جاهلية معاندة لله ورسوله. وليس لأنها في خصومة مع السادات. ولا حتى لأنها خصم سياسي لنا.
ولأننا أيضا ونحن نصارعها كنا نصارع المذهب الليبرالي الذي تبناه السادات.
بل وصارعنا السادات نفسه وبحمد الله صرعناه.
فمن كان منصفا لم يملك إلا أن يقر بنصاعة صفحتنا ونقاء سيرتنا.
وأما من كان مبغضا أو ظل متحاملا بعد ما قدمناه فلا يستحق منا أن ننشغل به أكثر من ذلك.
سبب ثالث أغرى السادات، بل قل أجبره على فك الأغلال -ولو قليلا- عن الدعوة والدعاة. وهو أنه كان يخطط للقفز من سفينة الشيوعية إلى حاملة الطائرات الأمريكية.
وأمريكا وقتها كانت (تمثل) بإتقان شديد ومحكم للغاية دور حامي الحريات حول العالم ومحال أن تقبل بالسادات حليفا وهو مستبد قمعي.
وفي هذا السياق جاءت عدة إجراءات اتخذها ليتوافق مع السياسات الأمريكية العالمية منها تعديل الدستور عام 1971 ليصير للرئيس فترتان رئاسيتان فقط.
وفي هذا التعديل أقرت مادة الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع. وكان بهذا التعديل يغازل الشارع المصري ويغازل الأمريكان أيضا كما سنذكر.
(يتبع إن شاء الله)
#السيف_والقلم
