القائمة إغلاق

السيف والقلم.. رحلتي مع الجماعة الإسلامية – عاصم عبد الماجد – الحلقات من 11 إلى 15

《 السيف والقلم 》

(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)

(11)

في مصلى مبني (ج) كان لقائي الأول مع التقي النقي العالم العابد الورع الزاهد نسيج وحده ووحيد عصره وسيد أقرانه، وآية دهره شيخ الإسلام (ابن تيمية) فعقب إحدى صلوات الجماعة وجدتني أمد يدي لآخذ إحدى رسالاته المطبوعة من مكتبة المصلى الصغيرة وبعد صفحات يسيرة تصفحتها أدركت أنني أمام شيء مختلف عن كل ما مر بي.

وأنا بالمناسبة قارئ نهم أو كنت كذلك وقتها.

وقد قرأت للإسلاميبن (إن جاز التعبير) حتى وأنا ناصري تنصب اهتماماتي على مؤلفات أهل اليسار فقرأت لسيد قطب والغزالي الإمام وقرأت للقرضاوي ولخصت كتابه (مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام) ونسخته في مجموعة مجلات حائطية وقرأت لسيد سابق وعيسى عبده وغيرهم من المعاصرين. كان ذلك قبل أن أعرف ما الإسلام ولا الإيمان أو بالأحرى قبل أن أعرف الإسلام الحقيقي والإيمان الصادق.

لكن من قرأت لهم كلهم كانوا لونا وكان ابن تيمية لونا آخر.

في اليوم التالي مددت يدي لرسالة أخرى لابن تيمية فالتهمتها وهكذا كنت أذهب مشتاقا إلى الشيخ كل يوم فأعود بكتاب حتى نفدت رسائله من المكتبة.

فطلبت من إمام الصلاة أن يدلني على أية رسائل للشيخ.

أأكذب وأقول إنني كنت عبقريا فاستوعبت ما كان يقوله الشيخ في رسائله !!

سيفضح كذبي كل من قرأ الفتوى الحموية والعبودية وأمراض القلوب وشفاؤها والتوسل والوسيلة والتدمرية.

لكنني حتى وإن لم أدرك معظم ما قرأته وقتها فقد رأيت نورا يشع من بين الأسطر ويتلألأ فوق الصفحات !!

هذا النور هو ما كنت أبحث عنه أو بالأحرى ما كانت تبحث عنه فطرة لم تمت تحت ركام الناصرية ولم تنطمس بفعل حجب الشهوات.

وفي هذا المصلى الصغير تعلمت أن أدعو الله. ففي زاوية قرأت دعاء قصيرا كتب في ورقة معلقة (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال) ووصية الفضيل لابنه أن يعيد صلاة لم يدع بهذا الدعاء قبل السلام منها.

فكنت أدعو به قبل السلام وأيضا بعد السلام وكذا أثناء انتظاري إقامة الصلاة وكنت أكرره كثيرا. لأنني لا أعرف دعاء غيره !!! وكان القلب يفرح بهذا الدعاء ويرق له.

بعدها حفظنا أدعية كثيرة وكررناها طويلا لكن فرحة القلب بأول دعاء تعلمه وتعلق به لا يعدلها شيء.

قرب نهايات العام الدراسي وتقريبا خلال شهر إبريل تفجرت مشكلة في مبنى (ج) لم تكن الجماعة الإسلامية طرفا فيها ولكن الجماعة انجرت إليها بعد ذلك حتى صار هذا النوع من المشكلات مطروحا ولمدة عام على خارطة عملها.

ملخص المشكلة أن بعض الطلاب المسلمين شكوا من إهانات وجهت لهم تضمنت استخفافا بشعائر دينهم من طلاب مسيحيين بالمبنى ذاته. بالطبع حدث تضامن من عدد من المسلمين مع هؤلاء الشاكين وقرروا أن يتم ردع المعتدين. وقد كان. فقطعت الكهرباء ذات ليلة عن المبنى وانطفأت جميع الأنوار أثناء صلاة العشاء وعندها توجهت مجموعة لغرفات المعتدين وضربتهم ضربا غير مبرح فيه من الإهانة أكثر مما فيه من الإيذاء.

قبل أن يسلم الإمام كانت الكهرباء قد أوصلت.

بعدها بأيام تفجرت قضية أخرى ليس في هذا المبنى فحسب بل في كل مبان المدينة الجامعية التي لم تتجاوز وقتها سبعة مبان تضم حوالي ألفين ونصف من الطلاب وهي قضية السمت المسيحي للمدينة الجامعية التي يقطنها بالطبع أكثرية مسلمة.

هنا لا بد أن نقول إن الجماعة الإسلامية هذه المرة كانت في قلب المشكلة. بل قد لا أكون متجنيا إن قلت إنها هي التي لفتت الانتباه لها وفجرتها.

(لاحظ أنني حتى هذه اللحظة مجرد معجب بالجماعة ومتعاطف معها ولا علم لي بما يدور في غرفها المغلقة)

(12)

فما هي حكاية السمت المسيحي للمدينة الجامعية ؟!

لم يكن في الجامعة وقتها ولا في مدينتها الجامعية الجميلة أي تفريق ظاهر بين المسلم وغير المسلم. ولم يحاول المسلمون بأكثريتهم فرض سمت إسلامي على الجامعة او مدينتها.

لكن المسيحيين حاولوا !

فهناك صلبان مرفوعة وصور آلهة مزعومة وشعارات دينية معلقة بصورة لافتة على غرف إقامتهم من الخارج بحيث يستشعر المار في طرقات أي مبنى من مبانيها الفخمة أنه في بيت عبادة مسيحي.

بالمناسبة هذه خطة وضعتها الكنيسة لا في المدن الجامعية فقط ولا في أسيوط فحسب بل في عموم مصر أعني إبراز السمت المسيحي والمبالغة فيه. فتجد مثلا الكنائس تبنى في مداخل المدن والقرى بصورة لافتة للمسافرين وتضاء من الخارج بلا داع إلا إظهار الصلبان. وهو شيء رد عليه المسلمون فيما بعد بإضاءة مآذن المساجد من الخارج. وتعمد اختيار مداخل المدن والقرى أيضا لإقامتها.

بل إن أهل أسيوط يؤكدون أن أهم مساجد مدينتهم مسجد ناصر أقيم عند مدخل القطارات لأن كاتدرائية كانت قد بنيت قبله عمدا في نفس المدخل.

لاحظ أن الدولة وليس الجماعة الإسلامية هي التي تعمدت إنشاء المسجد في هذا المكان للتغطية على الكاتدرائية.

وعند محافظ أسيوط الأسبق محمد عثمان (وكان حبيب السادات المقرب) حكايات كثيرة بهذا الشأن.

عدنا للمدينة الجامعية.

حيث طالب بعض الطلاب المسلمين إزالة هذه المظاهر من الطرقات لأنها أماكن مرور مشتركة ولا يصح لاحد لأنه يقيم بغرفة ما أن يجعل مدخله المشترك إليها شاشة عرض لما يرفضه بقية المارين به.

فأنت حر في غرفتك علق فيها ما تشاء أما خارجها فالمكان مشترك.

رفض الطلبة المسيحيون ذلك فبدأت المناوشات ونزع بعض المسلمين الصلبان والصور قائلين هذه مدينة جامعية مشتركة وليست كنيسة.

وتمسك المسيحيون بالرفض وهم متأكدون أن ذلك سيؤدي لصدام مع زملائهم.

في الحقيقة لا يمكن تصور أن يتخذوا موقفا كهذا إلا بتحريض من الكنيسة. كما لا يمكن تصور تنبه المسلمين لهذا الوضع الذي تعايشوا معه من قبل رغم غرابته إلا بتنبيه من بعض المتدينين وخاصة من الجماعة الإسلامية.

تحول هذا الخلاف في بعض الحالات إلى اشتباكات محدودة مما هو مألوف بين الطلاب في هذه المرحلة العمرية.

لكن لم يعد بمقدور المسيحيين منع أي طالب عابر في الطرقات من انتزاع ما يراه من شعارات دينية طائفية كما يسمونها.

تكررت هذه الأمور بصورة متقطعة -لم تخل من بعض تجاوزات- في أواخر العام الدراسي 78/77 ثم تجددت في العام الذي تلاه.

لكن أهم ما حدث في نهايات هذا العام في تقديري كان اتجاه الجماعة الإسلامية لمنع كل صور الفساد الأخلاقي المنظمة داخل الجامعة.

وقد تمكنت من ذلك بعد أن صار لها شعبية معقولة ومصداقية لدى الطلاب بل لا أبالغ إن قلت إن الطلاب في وقت ما كانوا يستشعرون أنهم وهؤلاء الشباب شيء واحد وأن كون البعض مقصرا أو عاصيا لا يمنع كونه من هؤلاء القوم. وهي مسألة مهمة جدا سأعود إليها إن شاء الله لاحقا.

اجتمعت الكلمة داخل المؤسسات القيادية في الجماعة التي صار منها أمير المدينة الجامعية (ناجح إبراهيم) ورئيس اتحاد طلاب المدينة (محمد أحمد علي) ورئيس اتحاد طلاب الجامعة (عادل الخياط) اجتمعت على التصدي لصور الفساد الأخلاقي المنظم. لم يتخلف عن هذا الموقف سوى (أسامة سيد) الشاب الذي زكاه بعض أعضاء هيئة التدريس ليكون أميرا للطلبة بالجامعة !!!

على كل حال لم يكن تخلفه مؤثرا فقد كانت فترة قيادته قد شارفت على الانتهاء وكان يعيش فيما يشبه العزلة مع قليل من مؤيديه.

وبدأت احتجاجات طلابية دعت لها مؤسسات الجماعة المذكورة للمطالبة بمنع بعض الأنشطة غير اللائقة فمنع رئيس التحاد إقامة المباريات النسائية في الاستاد الملاصق تماما لمدينة الطلاب الجامعية.

وتم منع تدريب الفتيات على لعبة التنس لأن المدربين المتوفرين بالجامعة رجال فقط ولأن لبس التنس فاضح ولأن ملاعبه في حضن مدينة الطلاب السكنية.

ثم جاء دور الحفلات الغنائية والاستعراضية فنظمت مظاهرة طلابية أمام صالة الألعاب الرياضية لمنع مطربة شهيرة وفرقتها الموسيقية من إقامة حفل ليلي بها.

شاركت في هذه المظاهرة لا بمنطق التأييد المطلق لمطالبها ولا كنت في نفس الوقت رافضا. بل شاركت متأملا ومقيما.

منعت الحفلة بالفعل فقد سد الطلاب الطريق للجمنيزيم وعادت المغنية والفرقة للقاهرة.

وصرت أقرب لتأييد مثل هذه الإجراءات خاصة وقد حضرت من قبل في ذات المكان قبل أشهر حفلا أحيته مطربة فاتنة بملابس فاتنة ورأيت بعيني رأسي -مذهولا- شبابا كنت أعرفهم تحولوا فجأة إلى ما يشبه وحوشا قد أصابها سعار جنسي.

قبل نهاية العام وفي مسجد مبنى (د) عرفني الأخ ناجح على خطيب الجمعة الذي خطب وصلى بنا الأخ كرم زهدي الذي سيكون له دور كبير فيما بعد.

(13)

أثناء فترة الامتحانات الطويلة طلب مني الأخ أسامة حافظ أن أحضر معسكر القيادات الذي سينعقد بمسجد عمر مكرم بعد حوالي أسبوعين من انتهاء العام الدراسي. أدهشني طلبه؛ فأنا أخطو أولى خطواتي ولم ترسخ قدمي بعد، فضلا عن أنني لا أملك خلفية شرعية تسمح لي بحضور مثل هذا المعسكر لكنه أصر. عندما طالعت استمارة التقديم للمعسكر ترددت أكثر فأكثر؛ فماذا سأكتب مثلا في خانة كم جزءا تحفظ من القرآن؟أأكتب قصار السور التي حفظناها في صغرنا !!

حاولت أن أعتذر قائلا دعني أحضر المعسكر الكبير المخصص للمبتدئين؛ فأصر أكثر وأكثر.

عند عودتي لمدينتي (المنيا) بعد الامتحانات استنكرت والدتي بعد أن استقبلتني بالأحضان استنكرت أنني أهملت حلاقة لحيتي.

(حتى لو مشغول بالامتحانات لا تهمل حلاقة ذقنك بهذه الطريقة)

هكذا قالت قبل أن أفاجأها بالقول بأني لن أحلقها ثانية لأنها سنة. أي ثبت حكمها بالسنة وحكمها الوجوب.

(لن يوافق أبوك.. شريف حاول وأبوك رفض فحلقها)

هكذا قالت جازمة مع دهشة لم تفارق وجهها. فهي قد تتوقع مثل هذا من شقيقي لكنه كان أمرا مستبعدا حدوثه مني.

بالفعل مكثت أسبوعين في جدال مع أبي حول هذا الأمر وشاركت فيه جدتي لأبي التي أكدت أن الشيخ ماضي (جدي الأزهري الذي يمثل مرجعية العائلة الدينية) لم يكن يهتم بهذه المظاهر.

ومن جملة محاولات الإقناع جاء أبي بزميل له مدرس للغة العربية والدين. إنه الأستاذ إبراهيم الذي تشعب النقاش معه حتى أقحم فيه هو -لا أنا- موضوع الأولياء والتبرك بهم والاستغاثة وطلب الحاجات. فانبرى أبي معاتبا :

(لكن نحن كمثقفين يا أستاذ إبراهيم لا يصح أن نؤمن بهذه الأشياء)

واشتعل النقاش بينهما وانسللت خارجا.

انتهت محاولات إقناعي بحلق اللحية وأعلن الوالد بفروسية أنه لن يصدر أمرا جازما بأن أحلق وسيظل الأمر في مجال الحوار.

وعندما طلبت إذنه بالسفر لحضور المعسكرين بأسيوط أذن لي بأحدهما فاخترت الأول. لكني حضرت معسكرين ونصفا وكادوا يزيدون واحدا آخر.

في مسجد عمر مكرم على أطراف المدينة الجامعية بأسيوط التأم معسكر القيادات بحضور قرابة ثلاثمائة شاب وبقيادة الأخ أسامة حافظ.

ما تمسكه ذاكرتي من هذا المعسكر أن النوم كان قليلا وكان بالمسجد والحلقات التعليمية كثيرة وقيام الليل طويلا والطابور الرياضي الصباحي شاقا وكان الطعام جيدا أيضا.

وكنا إذا استيقظنا في ثلث الليل الأخير للقيام نعلم أنه لا مجال للنوم إلا في قيلولة ما قبل العصر. وحتى هذه القيلولة كانت تتبخر بسبب كثرة الأحاديث الجانبية ومحاولات التعارف بين الحضور.

أهم ما خرجت به من هذا المعسكر هو تعلم أحكام التلاوة في سبع حلقات. كان مدرس حلقتنا المتميز هو رفيقي في الكلية وفي القسم وفي السنة الدراسية الأخ طارق على إبراهيم.

أيضا استفدت معرفة إجمالية ببعض علوم الشرع التي كانت غريبة على مسامعنا كأصول الفقه.

بينما كانت أهم فائدة خرجت بها الجماعة الإسلامية من هذا المعسكر هي اختيار أمير جديد

وهو الأمر الذي غير وجه مصر كما سنرى.

في اليوم الأخير أعلن قائد المعسكر الأخ أسامة حافظ أننا قبل انصرافنا سنختار بأغلبية الأصوات أميرا جديدا. فاعترض عليه الأخ أسامة سيد الذي لم نشاهده إلا قليلا رغم أنه الأمير وقتها.

فنبهه الأخ أسامة حافظ إلى أنهما متفقان مسبقا على أن الانتخابات ستتم في المعسكر الصيفي. فأبدى الأخ أسامة سيد رغبته في أن يتم ذلك في المعسكر الكبير. فقال الأخ أسامة حافظ وهل يعقل أن نمنع قيادات الدعوة في الجامعة من الاختيار ونعطي هذا الحق للمدعوين الذين سيحضرون المعسكر الكبير !!

كانت حجته قوية وأيده في ذلك أكثر الحضور وبدأ التصويت للاختيار بين مرشحين الأول الأمير الحالي أسامة سيد والثاني أمير المدينة الجامعية ناجح إبراهيم.

وفاز الأخ ناجح بما يشبه الإجماع بينما أعلن الأخ أسامة سيد أنه بريء من هذه الخطوة. وأيده في ذلك الشيخ عبود وسيأتي حديث عنه قريبا إن شاء الله.

وفي ناحية من المسجد كان الأخ سمير خشبة يشرح لنا طبيعة الخلاف بين أسامة وأسامة. فقال بثقة إن هذا خلاف بين تيارين فالأخ أسامة حافظ يمثل تيار الإخوان المسلمين داخل الجامعة بينما يمثل الأخ أسامة سيد تيارا آخر.

الآن عرفت موضع قدمي. فالفئة التي تأثرت بها طوال الفترة السابقة والتي قادت الجماعة للفوز لأول مرة باتحاد طلاب الجامعة والتي نشطت في محاربة المنكرات خلال الأشهر الأخيرة والتي جهزت وأدارت هذا المعسكر الناجح هم من الإخوان المسلمين.

وبالتالي فأنا الآن علي أن أتجهز لأعلن أنني مع الإخوان المسلمين ومنهم عن قناعة وإعجاب تولدا عن معايشة عام دراسي.

فيما بعد اتضح أن الأخ سمير أخطأ بين أسامة وأسامة وأن الأخ أسامة سيد هو الذي كان يمثل تيار الإخوان داخل الجماعة الإسلامية بالجامعة.

(14)

أحب هنا أن أسجل أن قناعتي بهذه الثلة الكريمة -التي قيل ابتداء إنها من جماعة الإخوان واتضح انتهاء أنها ليست منهم- لم يكن سببه الأوحد وربما لم يكن سببه الأول هو أن بداية إقبالي إلى الله كان معهم وعن طريقهم.

إنما السبب الأكبر والأهم هو عطاؤهم وجدهم واجتهادهم لإقامة الدين قدر طاقتهم وحرقتهم على الأمة وأنفتهم من الباطل وعدم قدرتهم على التعايش معه وسعيهم للخلاص منه

وأيضا صدقهم وإخلاصهم وهذان شيئان لا يمكن رؤيتهما بالعين لكن القلوب ترى ما لا تراه العيون.

فاجتمع سببان قويان لاعتزازي أن أنتسب لهذه الفئة التي قيل إنها هي الإخوان المسلمون

ويشهد الله أنني رغم ما ذكرته من تنافر تاريخي بين عائلتنا الكبيرة وبين الإخوان أقول يشهد الله أن ذلك لم يدفعني للتردد لحظة أن أكون منهم.

وأظن أنني كنت مستعدا في هذه اللحظة أن أتغافل عن بعض أسباب نفور عائلتنا منهم ولمدة ربع قرن أو أتناسى أو أدفع عن قلبي بعض ما قيل وأعتبره مجرد مبالغات أو حتى اتهامات مرسلة دون دليل.

أحب هنا أن أسجل على سبيل الإعجاب بجدي الأزهري الرافض للإخوان أنه استضاف في داره مرشد الإخوان أ/ الهضيبي وقت اشتداد التوتر بينه وبين عبد الناصر عام 54

وقد كان الرجل في جولة لحشد التأييد الجماهيري ضد عبد الناصر وكان بيت مسؤول الإخوان بالقرية لا يتسع للوفد الإخواني الزائر فضلا عن أن يتسع لأعضاء الإخوان الذين يريدون لقاء المرشد ولا لمن يرغب في رؤيته من أهل القرية فأخبر جدي صديقه أن بيته مفتوح وبالفعل تم اللقاء فيه وتم الهتاف للإخوان من داخل دار جدي لكنه لم يحتمل هذه فقام يهتف للثورة !!

فهل كان الرجل ساعتها مؤيدا للطغيان أو مؤيدا للظلم الذي سيتعرض له الإخوان بعد أسابيع.

لقد أرقتني هذه الأسئلة -التي لا تهم قارئ هذه المذكرات- حتى توصلت لإجاباتها التي أظن أنها تهم كل قارئ مدقق لتاريخ الصدام بين الإخوان وعبد الناصر.

فالخلاف الذي تفجر بين الإخوان وعبد الناصر كان بين شريكين اتفقا في معظم الطريق وسارا معا في الانقلاب على الملك ثم في حل الأحزاب ثم في تصفية الحركة العمالية وقد نقل عن رمز كبير وشهير بالإخوان وقتها تأييد بليغ لعبد الناصر مع مطالبته بسحق هذه الحركة الشيوعية

وكانت صور عبد الناصر أمام قبر الشيخ البنا محاطا بقادة الإخوان وثناء هؤلاء القادة عليه واعتبارهم أن أهداف الشيخ البنا تحققت أخيرا وتصريحات عبد الناصر أنه على العهد وصوره وهو يصلي خلف قادتهم وصور لقاءاته بهم في بيته أو في بيوتهم وأخبار مثل محاكمة المتهمين بقتل الشيخ البنا

كل ذلك وغيره كثير مما أبرزته صحافة الإخوان وقتها مثلما أبرزته الصحف والمجلات العامة كالأهرام والمصور وغيرها

أقول إن كل هذه الأشياء تركت انطباعا بأن رجال الثورة (الانقلاب) حلفاء للإخوان متفقة أهدافهم موحدة جهودهم.

فإذا اختلفوا بعد ذلك كله فلن يصدق أحد أنه خلاف ديني بل سياسي.

وهذا للأسف شيء متكرر في تاريخ الإخوان فعندما يعقدون تحالفا لا يهتمون كثيرا بضوابط التحالف الشرعية وإنما بمكاسبه السياسية فإذا غدر بهم -ودائما يغدر بهم- حليفهم سارعوا بإبراز هويتهم الدينية لوضع خصمهم في موضع الاتهام

أتظن أنني لا أعلم أن خصمهم في أحيان كثيرة يكون كارها للدين

أتظن أنني ألتمس لخصمهم عذرا

أتظن أنني لا أعرف أن خصمهم مجرم فاجر في خصومته معهم

لا والله

ولكني أتعجب من قوم يعرفون ذلك كله عن خصومهم فإذا لاحت لهم فائدة سياسية وظنوا أنهم سيحققونها بالتحالف مع المجرم الفاجر الخارج عن كل دين وخلق سارعوا للتحالف معه بل ومدحوه في عملية تضليل واسعة -ربما لم يقصدوها ولم يلتفتوا لمخاطرها – فسرعان ما يعود ذلك بالوبال عليهم.

عدنا إلى مسجد عمر مكرم وقد انفض معسكر القيادات وكان من المفترض أن أجمع متاعي وأسافر عائدا للمنيا. لكني لم أفعل وتوجهت بدلا من ذلك لمكتب البريد وأرسلت برقية قصيرة لوالدي أخبره أنني باق بأسيوط.

قضيت الأيام التالية في التعرف أكثر فأكثر على قيادات الجماعة الإسلامية بالجامعة وفي التعرف على بعض رموز الدعوة الإسلامية بأسيوط. ثم كان المعسكر الكبير وكان هذه المرة بقيادة الأمير الجديد الأخ ناجح إبراهيم وفي أول أيام هذا المعسكر حدث شيء لم أتوقعه.

فقد وجدت نفسي فجأة في موقع المساعد الأول لقائد المعسكر. أقوم بحصر الحضور وتوزيعهم على مجموعات والتعرف على مطالب كل مجموعة ونحو ذلك. لكن بالطبع لم يكن لي علاقة بالمادة العلمية التي تدرس فهذا شيء لا علم لي به إنما أنا متعلم مبتدئ يعرف قدره

وسرعان ما انفضت أيام المعسكر العشر وكانت في مجملها كأيام المعسكر الأول حلقات تعليمية موزعة على طول اليوم وطابور مرهق ومحاضرات ليلية ومواعظ متفرقة بعد الصلوات وطعام وفير ونوم قليل وصلاة قيام طويلة ويوم مزدحم.

(15)

في هذا المعسكر أضاف الأخ ناجح وسيلة تربوية جديدة فقد كان الجميع -إلا أصحاب الأعذار من مرض ونحوه- يصومون كل اثنين وخميس وكانت إدارة المدينة الجامعية تصرف ثلاث وجبات في جميع الأيام لكل الحضور (كان ذلك باتفاق بين اتحاد طلاب الجامعة الذي نجحت الجماعة كما قلنا في الفوز بمعظم مقاعده وبرئاسته وبين إدارة الجامعة وإدارة المدينة الجامعية)

فعمد قائد المعسكر لتوفير وجبة وربما اثنتين في يوم الصيام فكان يجتمع لديه كم هائل من الطعام مرتين أسبوعيا فينتدب مجموعة من الشباب ليخرجوا حاملين هذا الطعام في أواني مطبخ المدينة الجامعية الكبيرة وأحيانا على أكفهم وذلك بعد انتهاء برنامج المعسكر ليلا ليسيروا مسافات طويلة حيث يوزعون هذا الطعام في الأحياء الأكثر فقرا في أسيوط.

ورغم أني أعرف أن هناك فقراء في كل مدننا وقرانا إلا أن مشاهد ما يسمى مجازا بيوتا مما بني بالطين أو الصاج أو الخشب كان مؤلما.

والأشد إيلاما أن يخرج من هذه الكهوف المظلمة من تلتمع عيناه فرحا لمجرد أنه سيحصل هو وأسرته على قالب جبن كبير وبضعة أرغفة أو بطيخة أو برتقالات.

العجيب أني رأيتهم قنوعين لا تطمح أبصارهم لما لم نمد أيدينا به إليهم من طعام رغم وفرة ما معنا

وبدلا من أن يطالبنا أحدهم لنفسه وأسرته أكثر مما نال رأيتهم ينادي الجار جاره ليخرج إلينا كي ينال مثلما نال.

كانت هذه المواقف تهون على الشباب طول الرحلة الليلية واستغراقها تقريبا كل الوقت المخصص للنوم.

فكان المطلوب منهم بعد الرجوع التجهز لصلاة القيام ثم بدء برنامج اليوم التالي.

في هذا المعسكر تعرفت على داعية شاب نوبي يناديه من حوله عبد الله بن عمر. فيما بعد علمت أن اسمه محمد إلياس. وله قصة ستأتي إن شاء الله.

مما لفت انتباهي وضايقني وضايق أكثر الحضور أن شابا ينتمي لجماعة ما قام معترضا على الأخ ناجح بعد أن ألقى موعظة قصيرة عقب صلاة العشاء حث فيها على قيام الليل وذكر الآيات والأحاديث التي تحث عليه وتبين فضله. فما كان من هذا الشاب إلا أن انتفض معترضا ذاكرا أن أعرابيا قال لرسول الله أنه لن يصلي سوى الفروض الخمسة فقال صلى الله عليه وسلم (أفلح إن صدق)

وبدلا من أن يعلق بذهن السامع وقلبه حب صلاة القيام علق الجدال الذي ضرب الحضور في كيفية الرد على هذا المشاغب.

وقتها علمت أن ليس كل شيء يتم داخل أروقة الحركات الإسلامية يكون لله.

وأن حظوظ النفس وطاعة الشيطان لكل منهما جزء مقسوم !!

انتهى المعسكر الجميل سريعا كما انتهى الأول وأنا الآن في مدينتي بين أسرتي الصغيرة أفاجئ والدي بأن هناك معسكرا في جامعة المنيا ولا بد أن أحضره وبعد نقاشات مطولة اتفقنا أن أحضر نهارا وأعود ليلا.

لكن بعد أيام فوجئنا بالأخ محيي عيسى أمير جامعة المنيا يخبرنا بأننا قد نشد الرحال للقاهرة لأن الجامعة ترفض السماح للجماعة الإسلامية هناك بإقامة معسكرهم وأنهم أرسلوا يطلبون من الصعيد دعمهم خوفا من أن يستخدم الأمن ضدهم القوة.

كان محالا أن أستأذن والدي في معسكر رابع وكان شاقا على نفسي أن أتخلف.

فأضمرت الذهاب دون إخبار الأسرة والعودة سريعا.

لكن الله سلم فقد أرسل إخواننا بجامعة القاهرة أنهم سيستوعبون الأمر بطريقة هادئة.

الآن وقد انتهت نقاشاتي مع والدي حول اللحية افتتحت مرحلة جديدة جرأني عليها نبل وفروسية الوالد.

إنها مرحلة ضبط الأمور وفق ميزان الشرع كما فهمته وتعلمته خلال الأشهر القليلة الماضية فقد استمعت خلال المعسكرات لعشرات الأحكام الشرعية وقرأت بعض كتب كانت في نظري أمهات كتب الدين التي لا شيء بعدها فكان كتاب سعيد حوى مثلا (الإسلام) وقد كتب على غلافه (أربعة أجزاء معا) كان في نظري أوسع وأكبر مرجع في تاريخ الأمة عبر عصورها كلها.

نعم لم أتمه ولا ربعه لكن حسبي أني فهمت عشرات الصفحات منه.

أما الكتيبات الدعوية الصغيرة التي توضح بعض الأحكام فكانت عندي قطعية الثبوتية قطعية الدلالة.

فلنبدأ فهذا أوان العمل !!

قطعت (مسبحات) خاصة بأبي وأخذت من كل واحدة حبات وألقيتها في الشارع. كان هذا تنطعا مني ندمت عليه.

وعمدت إلى أوراق اللعب (الكوتشينة) فمزقتها وإلى كل لعبة تعتمد على النرد (الزهر) فحطمتها وأما الشطرنج اللعين فقد تمكنت منه أثناء زيارتنا لجدتي في القرية وقد اصطحب إخوتي بعض الألعاب للتسلية فلما أوقدت جدتي فرن الخبيز ألقيت في نيرانه بعضا من عساكره وأحصنته وأفياله.

وهذه كلها لم أندم على ما فعلته بها.

وأما التلفاز فرغم تحريض بعض المتنطعين لي بإفساده فلم أفعل لأن حجم الغضب الذي سيسببه هذا الأمر أكبر من مصلحة إزالته.

وجاء الدور على التماثيل فحطمتها فلما اكتشف والدي الأمر وقبل أن يتكلم مقطبا جبينه معاتبا بادرته قائلا أغاضب أنت من أجل حمار. فضحك رحمه الله.

أما الحمار هذا فتمثال لحمار يحمل إنائين

(يتبع إن شاء الله)

التعليقات

موضوعات ذات صلة