(السيف والقلم)
(رحلتي مع الجماعة الإسلامية)
(101)
انتهت المحنة العميقة التي أراد السادات إدخال مصر كلها فيها بانتهاء حياة السادات. ولما كانت الفترة الزمنية بين بداية هذه المحنة السوداوية ونهايتها شهرًا وبضعة أيام فقط، لم تدركها الأجيال الجديدة، ولم تشعر بخطورتها على البلاد والعباد. لقد كانت كالكابوس المزعج الذي يستيقظ النائم بعد بدايته بثوان فينساه سريعًا؛ لأنه مكث يصارعه قليلًا.
لكن هذا لا ينفي أن السادات خطط وعزم وشرع بل ونفذ أخطر قرارات ديكتاتورية في تاريخ مصر الحديث. ولا يغرنك ما تسمعه عن إجرام عبد الناصر وديكتاتوريته؛ فالسادات – الذي كان شريكًا له في كل هذه الجرائم – أراد أن ينفذ سياسةً أخطر وأشد مما فعله عبد الناصر، وشرع في ذلك باعتقال كل معارضيه، حتى لو كانوا من صفوف حزبه!! يستوي في ذلك الشيوعي والليبرالي والإسلامي والعلماني، والمنضم لحزب علني أو سري، بل يستوي في ذلك المسلم والنصراني. ووقف في اجتماع احتفالي ضم فيه مجلسي الشعب والشورى، يتباهى بما فعله ويتوعد بالمزيد. ثم، ليؤكد تأبيد قراراته الغشيمة هذه، دعا للاستفتاء الشعبي عليها، وبالطبع، ورغم أنه لم يذهب أحد، وافق الشعب بأغلبية كبيرة، فصار ما فعله السادات وكأنه في قوة الدستور وفوق القانون (إذ القوانين لا يستفتى عليها في عرف القوم وشريعتهم).
ولقد كان عبد الناصر، مع جبروته، أكثر تعقلًا في قمعه من السادات؛ فقد بطش بالأحزاب أولًا، واحتفظ بحبال الود موصولةً مع الإخوان، ثم ألحق الإخوان بالآخرين على مهل. أما هذا فقد أنهى كل شيء بضربة واحدة، أراد لها أن تكون القاضية، لكنها قضت عليه هو؛ لأن الله قيض له رجالًا رفضوا أن يحكم مصر فرعون جديد.ولما كانت نهايته مزلزلةً ومرعبةً، سارع مبارك بتغيير الدفة بقوة، خوفًا مما حدث. فبعد أسبوعين فقط، أمر بالإفراج عن كل المعارضة غير الإسلامية من شيوعيين وناصريين وليبراليين ووفديين وسلطويين مغضوب عليهم (كان السادات قد اعتقل في حملته المسعورة أحمد فتحي سرور، الذي صار في عهد مبارك وزيرًا للتعليم، ثم رئيسًا أبديا لمجلس الشعب، ومفيد شهاب، الذي صار وزيرًا لشؤون مجلسي الشعب والشورى، وصفوت الشريف، الذي صار وزيرًا فوق العادة للإعلام، وعلي الدين هلال، الذي صار وزيرًا للشباب في أواخر عهد مبارك!! ولا يعرف عن أحد من هؤلاء أنه من قوى المعارضة، بل هم أعضاء دائمون في حزب السلطة، بدءًا من هيئة التحرير (لمن أدركها منهم)، ثم الاتحاد الاشتراكي، ثم حزب مصر، ثم الحزب الوطني. لكنه الجنون الذي تمكن من الديكتاتور، فجعله يطيح بكل من لا يعجبه.
والغريب أن فريقًا من المغفلين ينسى هذه الخاتمة الديكتاتورية للسادات، ولا يريد أن يتذكر له سوى أنه -في بداية حكمه- أفرج عن من اضطهدهم عبد الناصر، أو أنه لم يعتمد الاعتقالات والتعذيب في فترة حكمه. فالعبرة دائمًا بالخواتيم، وقد كانت خاتمة أعماله كما حكيت لكم، وكان يريد لهذه السياسة القمعية ذات القبضة الحديدية أن تستمر طوال فترة حكمه الطويل (كما كان يخطط ويطمع)، لكن شاء الله أن ينتهي حكمه سريعًا، وأن تكون نهايته مروعةً، عقابًا له على سياسته القمعية، فارتخت القبضة الحديدية، فأراد بعضهم أن يزور التاريخ؛ ليقول إنه لم يكن هناك قمع ولا اعتقال طال الجميع، ولا قهر ولا تكميم أفواه.وهذا كذب، وإنما أطلت في هذا المعنى؛ لأفضح هذا الكذب القميء. فلم أطل هنا لأني أبغض السادات -وأنا حقا أبغضه- ولا لأننا خضنا مواجهةً صعبةً جدا ضمن شباب في بداية العشرينيات، وجدوا أنفسهم فجأةً في مواجهة مفتوحة مع طاغية لا يحكمه قانون ولا عقل ولا عرف، وبالطبع لا يحكمه دين، مواجهة سخر فيها كل أجهزة الدولة القمعية وغير القمعية ضد طلاب، بعضهم في بداية حياته الجامعية، فصاروا فجأةً مطاريد، مطلوبةً رقابهم، مهددةً حياتهم، مطاردةً ذواتهم وأحلامهم، كل ذلك عقابًا لهم على جريمتي الدعوة إلى الله ورفض ما عاند فيه السادات أحكام الله. أقول: بالرغم من صعوبة هذه المواجهة وقسوة هذه الأيام علينا، فليس ذلك هو الدافع الذي يشجعني على بيان خطورة الجرائم التي أقدم عليها السادات في نهاية عمره، بل الدافع هو منع تزوير التاريخ. وكما قال أحد المحامين الكبار المتطوعين للدفاع عن خالد الإسلامبولي للقضاة العسكريين مرارًا: (لا يمكنكم قتل حر بعبد)، كذا أقول: لا يمكن تبرئة العبد وتحسين صورته واتهام الحر بأنه متعجل أو متطرف، أو حتى التقليل من بطولته التي أنقذت أمةً بأسرها.
وإذا كان مفهومًا ومتوقعًا أن يحاول إعلام السلطة التقليل والتحقير مما فعله خالد، فعار وأي عار على القوى السياسية وتلك التي تقول إنها إسلامية أن تنضم لإعلام السلطة الكاذب في هذا الزعم، خاصةً وأنهم جميعًا احتفوا بما فعله خالد، فمنهم من سجد شكرًا، ومنهم من رقص فرحًا، فلما أمنوا بعد خوف، وتحرروا من أسر، سريعًا ما تنكروا وأنكروا، بل وزوروا التاريخ؛ لتحسين صورة الطاغية والتقليل من عظمة الانتصار الكبير الذي حققه الإسلامبولي ورفقاؤه.
(102)
وإذا أردت أن تتأكد من الأثر الكبير والعميق لعملية المنصة، فارجع إلى التغيرات الكبرى التي حدثت بسببها، وقارن بين ما قبل هذه العملية وبين ما بعدها.
فالسياسيون والصحفيون ورجال الأحزاب الذين اعتقلهم السادات، والأحزاب التي أغلقها، والصحف التي صادرها، كل ذلك ألغي بعد أسبوعين فقط من تولي مبارك الحكم، في 14 أكتوبر، فأفرج عن المعتقلين، وفتحت الأحزاب مقارها، وأعيد إصدار الصحف. وظهر كبار المعتقلين من هذه الفئات مع مبارك في اجتماع موسع. أليس هذا تغيرًا جذريا؟! وبعدها بشهرين، أفرج عن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين أ./عمر التلمساني، وهي خطوة لم يتوقعها أحد؛ فقد كان متصورًا أن يفرج مبارك عن الساسة والرموز غير الإسلامية، لكن أن يفرج عن زعيم الإخوان، وهي جماعة إسلامية، بينما رئيسه السابق قد اغتيل بأيدي جماعة إسلامية أخرى، فيصعب تصوره. ولقد شعرت باندهاش شديد عندما نقل لي خبر الإفراج هذا مجند بمستشفى السجن الحربي. أليس هذا تغيرًا استراتيجيا كبيرًا؟! بل سمح له أيضًا بزيارة السجون والتحدث مع المعتقلين من الإخوان وحتى من غيرهم، ففهم الإخوان أن الإفراج عنهم اقترب، وبالفعل لم يتأخر الأمر كثيرًا. وفي هذه الأثناء، أفرج أيضًا عن المعتقلين من السلفيين، ومن الدعاة الأزهريين والعلماء المستقلين، بل وأفرج أيضًا عن التكفيريين والقطبيين، وصارت المعتقلات خاويةً على عروشها، لا يسكنها إلا (الجماعة الإسلامية) ومجموعات من الجهاد، بعد أن كانت تعج بكل معارضي السادات وكل الحركات الإسلامية. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قرر مبارك أيضًا مبكرًا إنهاء الخصومة بين الدولة وبين الجماعة الإسلامية نفسها، والإفراج عن الجميع، مهما كانت الأحكام التي ستنطق بها المحاكم الثلاث التي عقدت لهم. لكن هذه النية لم تتحول إلى إجراءات عملية عاجلة، بل تأخرت؛ لا لشيء إلا لأن قاضي أكبر محكمة أطال جلساتها، وقد كان تخطيط مبارك -أو من خططوا له- أن ينتظر لحين صدور أحكام على المتهمين، الذين كان مجموعهم في الثلاث قضايا حوالي خمسمائة شخص، وبعدها يدخل في تفاوض يتم بمقتضاه إلغاء كل الأحكام والإفراج عن الجميع، في مقابل تعهد بالاكتفاء بالدعوة وكل صور العمل العلني، والبعد عن حمل السلاح على الدولة. ولأجل هذه اللحظة، ولكي تخرج بصورة مرضية للرأي العام، تم تأجيل رفع الإقامة الجبرية عن شنودة، وبقي محصورًا في دير وادي النطرون ثلاثة أعوام وعدة أشهر؛ لكي يترافق خروجه مع الإفراج عن المحاكمين من الجماعة الإسلامية، فيكون قد أرضى المسلمين وغيرهم. فإن امتعض نصراني للإفراج عن الجماعة الإسلامية وعودتها، استراح للإفراج عن البابا التابع له، والعكس بالعكس. فلما دنا أجل النطق بالأحكام في القضية الكبرى، تقدمت النيابة في القضيتين الأصغر بطلب وقف إجراءات التقاضي وحفظ الدعوة، في إشارة للمصالحة التي ستحدث بعد أيام. فإن قلت لي: ومن أين علمتم أن مصالحةً ستحدث؟ قلت: من فم مسؤول النشاط الديني بجهاز أمن الدولة اللواء فؤاد علام، الذي قال بالحرف للأخ كرم زهدي أثناء المحاكمة: «لن تكون هناك أحكام بالإعدام، وحتى لو نطق بها القاضي فسيلغيها الرئيس، وسيفرج عن الجميع، وستعودون للدعوة، في مقابل عدم استعمال السلاح ضد الدولة».فإن قلت: فلماذا لم يفرج مبارك عنكم؟ قلت: لأن رئيس مجلس شورى الجماعة وقتها – وهو الأخ كرم زهدي – رفض طلب ضابط أمن الدولة -بعد النطق بالأحكام بيوم واحد- أن يذهب للقاء اللواء فؤاد علام. ولقد رأيت الضابط مندهشًا من هذا الرفض، ورأيته وهو يلح إلحاحًا شديدًا، مؤكدًا أن هناك خيرًا كثيرًا سيعقب هذا اللقاء، لكن الأخ كرمًا وفريقًا من المجلس أصروا على الرفض. بعد سنين أربع، سمعته يقول: وددت لو أني ذهبت يومها. بعد رفض اللقاء، تأكد النظام أننا نرفض ترك السلاح مقابل الإفراج وحرية الدعوة، فتم رفع الإقامة الجبرية عن شنودة، وعاد لمنصبه، أما نحن فخلعنا الملابس البيضاء الخاصة بالمحبوسين احتياطيا، ولبسنا الملابس الزرقاء الخاصة بالمحكوم عليهم، وقد رافق ذلك صدام مع مصلحة السجون، دفعنا ثمنه!!
ورغم ذلك، فقد استطاعت قيادات جديدة خرجت من السجون -بالبراءة أو بأحكام مخففة- استطاعت بحول الله وقوته إعادة عجلة الدعوة للدوران، وبقوة، في جامعات مصر وفي مدنها وقراها. وعلى أثر هؤلاء، تحركت الجماعات الإسلامية الأخرى، وعاد الجميع لما كان عليه قبل قرارات التحفظ، كأن شيئًا لم يكن.
بل صار للأحزاب والقوى غير الإسلامية حصانة من تكرار اعتقالهم مرةً ثانيةً؛ لأن مباركًا أدرك أنه لا خوف من هؤلاء، فليتكلموا كما يشاؤون، وليفعل هو ما يريد. بل إن نوعًا من حصانة حصلت عليه كل القوى الإسلامية الأخرى، من إخوان وسلفيين وتبليغ وغيرها. وفي السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكم مبارك، انطلق الجميع يبني هياكله، ويشيد قواعده، ويجذب الأنصار لفكرته؛ لأن مظلةً عريضةً حاميةً من الطغيان فتحها خالد ورفقاؤه، فأظلت الجميع بلا استثناء.(103)
لكن الذي فعلته هذه الأحزاب والقوى السياسية والإسلامية أفقدها هذه الحصانة؛ إذ استجابت لإغراءات النظام، وانقلبت على الإنجاز الكبير الذي حققه خالد ورفقاؤه، وبدلًا من أن تحاول إرساء قاعدة في التعامل مع النظام تقول له: (إن كنت تملك أدوات بطش، فالشعب يمتلك أدوات الردع)، وإن ألف ألف خالد في انتظار من يبغي، لجأت تلك الأحزاب والقوى السياسية إلى الارتماء التدريجي في حضن النظام، وانحازت له ضد ما أطلق عليه (الإرهاب)، وظنوا -بقصر نظر فاضح- أن الحريات سترفرف عليهم إن هم أيدوا النظام ضد الجماعة التي يسمونها إرهابيةً. فتنعموا مؤقتًا ببعض مقاعد نالوها في انتخابات ذات تزوير مخفف. لكن عندما طمعوا في الحصول على مقاعد أكثر، وهددوا بالانسحاب من انتخابات 1990 البرلمانية، لم يستجب مبارك لمطالبهم، وشكل برلمانه بلا معارضة. ثم أعجبته الفكرة، فصار يقصيهم إقصاءً، ويكتفي بتعيين آحاد من الأكثر ولاءً من بينهم، فكان لرفعت السعيد من حزب التجمع -مثلًا- مقعد محجوز في مجلس الشورى -الذي هو أقل قيمةً عند القوم من مجلس الشعب- يناله بإنعام من حسني مبارك، وذلك لشدة عدائه للتيار الإسلامي برمته، وموافقته المطلقة على قمع التيار الإسلامي بلا رحمة. وهكذا تسللت القوى غير الإسلامية -من يساريين وليبراليين- لتنحاز للطاغية ضد الإسلاميين، فصارت معارضةً هامشيةً ليس لها حقوق، بل لها بعض إنعامات قد يمنحها لهم مبارك، وقد يمنعها.
ويمكننا فهم هذا الموقف المخزي من المعارضة في ضوء علمانية بعضهم (كالوفد)، وإلحاد بعضهم (كالتجمع)، وغيرتهم جميعًا من شعبية التيار الإسلامي (أذكر القارئ هنا أن المحامين اليساريين الذين جاؤوا من تلقاء أنفسهم للدفاع عن خالد ورفقائه، قالوا في اجتماع لهم -اخترقه شقيق أحد إخواننا المتهمين- إن هدفهم هو الخروج بأكبر عدد من أحكام الإعدام في هذه القضية؛ لتستمر الحرب بين النظام الرجعي والجماعات -الرجعية هي الأخرى- فيجد اليسار له متنفسًا!!!) لكن الذي يستعصي على الفهم كيف وقع الإخوان وقطاعات من السلفيين في هذه المصيدة!! ولماذا انحازوا للنظام؟ وهل خفي عليهم أن ما سيعطيهم إياه من مقاعد برلمانية (للإخوان) ومنابر علمية (للسلفيين) سيتم نزعه منهم عندما يأمن النظام جانب الجناح الأخطر في الحركة الإسلامية؟ وهذا بالفعل ما حدث؛ فبعد أن كان للإخوان عشرات المقاعد في برلماني 84 و87، وبعدما تصاعدت حظوظهم في انتخابات مجالس النقابات، قلب مبارك لهم ظهر المجن في نفس العام الذي بدأ فيه المواجهة الشاملة مع الجماعة الإسلامية، وذلك في العام 93، فأحال قيادات منهم للمحاكم العسكرية، وجمد مجالس النقابات التي فازوا في انتخاباتها، ووضع هذه النقابات تحت الحراسة، ومنعهم منعًا من الاقتراب من البرلمان، فكان يتم شطب كل مرشحيهم في أية انتخابات، حتى إنه لما غفل أمن الدولة عن مرشح فلم يعرفوا توجهه إلا بعد نجاحه ودخوله المجلس، أمر مبارك رئيس مجلس الشعب المطيع فتحي سرور بإحالة هذا العضو للتحقيق بمعرفة لجنة من المجلس، وتم فصله بلا سبب. ومن قبل ابتدع فتحي سرور أيضًا قاعدةً تقول: (إن المجلس سيد قراره)، وذلك للتهرب من حكم بعض الدوائر القضائية ببطلان عضوية نواب من الحزب الوطني، وإعلان المحكمة فوز منافسه (سواءً كان من الإخوان أو المعارضة)، فيمتنع رئيس المجلس عن تنفيذ حكم المحكمة، بدعوى مخزية تقول: إن المجلس لا يخضع لأحكام القضاء!!وفي حالات أخرى كثيرة، كان فرز الأصوات ينتهي لصالح مرشح الإخوان، لكن قرار اللجنة المشرفة كان يأتي بفوز الخاسر وخسارة الفائز، كما وقع للدكتور جمال حشمت ضد مصطفى الفقي، مرشح الحزب الوطني، في دائرة دمنهور، في انتخابات 2005. وقد اعترف مصطفى الفقي -بعد عزل مبارك- بأن النظام كان يزور الانتخابات لصالح مرشحيه. لكن يبدو أنه نسي أن يقول: وأنا ممن زورت الانتخابات لصالحه. وفي ذات الانتخابات، انتهى الفرز في دائرة الدقي لصالح حازم صلاح أبي إسماعيل، وبكت مرشحة الحزب الوطني الوزيرة آمال عثمان لخسارتها، لكن النتيجة أعلنت بفوزها، وقيل إن مبارك أرسل يقول لها: (لا تبكي يا آمال).
وهكذا تبخرت آمال الإخوان في قطعة ولو صغيرة من كعكة البرلمان، الذي هو برلمان صوري بلا قيمة أصلًا، رغم أنهم شاركوا هذا النظام حملته الإعلامية على الجماعة الإسلامية مبكرًا، وكان للمرشد العام تصريح يتصدر بعض الصحف والمجلات الحكومية في عام 1985: (أعطونا الشرعية، نقضي على التطرف). فيما بعد تطور تصنيفنا عند الإخوان إلى (الإرهاب)، وفي هذا قال رئيس كتلتهم البرلمانية مأمون الهضيبي لثلاثة من الإخوان اعترضوا على موافقة جماعتهم على مبايعة مبارك لفترة رئاسية ثانية، في الوقت الذي تقتل فيه الشرطة (إخواننا) من الجماعة الإسلامية في الشوارع.. قال فض فوه: (الجماعة دول مش إخواننا، دول إرهابيين).
وكانت النتيجة النهائية للجميع هي الخروج صفر اليدين، أما الجماعة الإسلامية فلها حكاية أخرى.(104)
لقد مرت علاقة مبارك مع الجماعة الإسلامية بأربع مراحل رئيسة: في المرحلتين الأولى والرابعة، كان مبارك يفضل المصالحة على المواجهة، وفي المرحلة الثانية لجأ للمواجهة الجزئية، التي تطورت في المرحلة الثالثة إلى مواجهة شاملة استئصالية. وقبل أن نخوض في بيان هذه المراحل الأربع، لا بد أن نشير إلى أنه سبق ذلك كله إجراء انتقامي اتخذه في بداية حكمه، وهو الحكم بالقتل على الأربعة المنفذين لواقعة الاغتيال، مع المحرض المباشر (خالد وعبد الحميد وعطا وحسين ومحمد عبد السلام رحمهم الله).أما [المرحلة الأولى]:
فكان مبارك يميل فيها لعقد مصالحة جذرية مع الجماعة الإسلامية، يكون لهم فيها حرية الدعوة كاملةً، مع إطلاق سراح جميع المعتقلين وكل المحكوم عليهم، في مقابل عدم الخروج المسلح على الدولة. وقد حكيت قصة العرض الذي قدمه اللواء/فؤاد علام للأخ كرم زهدي في مطلع عام 84، ثم رفض الأخ كرم لقائه عقب صدور الأحكام. وقد حاول فؤاد علام تجديد هذا العرض مرةً ثانيةً بعد ذلك بعام ونصف، ولم ينجح أيضًا. وهنا تنازع صانع القرار أمران: فهو من ناحية متوجس حذر؛ لأن هؤلاء رفضوا المصالحة، وهذا يفرض عليه حظر أي تواجد لهم، ومن ناحية أخرى هو لا يريد استفزازهم بقوة؛ لئلا يمتشقوا السلاح مرةً ثانيةً. ومن هذه الثغرة الضيقة بين هذين الأمرين المتناقضين، نفذ جيل جديد من قيادات الجماعة حاملًا معه راية إحياء الدعوة. هذا الجيل تشكل من الخارجين من المعتقلات، إما لعدم تحويلهم لأي محاكمة أصلًا، أو ممن ألغيت محاكماتهم في قضيتي الانتماء والأحداث (أي صغار السن)، أو ممن نالوا أحكامًا بالبراءة أو السجن لثلاث سنين في المحاكمة الكبرى، التي بدأت عام 82 وانتهت عام 84.
ولقد ظلت الدعوة إلى الله شبه متوقفة في شمال مصر وجنوبها، حتى التأم شمل هؤلاء خارج السجون، فاستجمعوا عزيمتهم، وخرقوا في جدار الصمت خرقًا لم يدخلوا منه وحدهم، بل دخلت وراءهم كل الحركات الإسلامية التي مكثت ثلاثة أعوام لا تستطيع حراكًا إلا في نطاق العمل الفردي الخجول الضعيف الحذر.
يمكننا القول في تفسير ذلك أن هؤلاء قد أعدوا أنفسهم جيدًا، ووطنوا العزم على استئناف الصحوة الإسلامية التي أوقفها السادات بقراراته وإجراءاته الغشيمة. لكن لا يمكننا مطلقًا التغافل عن عدم رغبة صانع القرار في مصر وقتها في الاصطدام مع هؤلاء. المهم أنهم خلال أشهر قليلة كانوا قد أعادوا تفجير الصحوة الإسلامية، وكان مركزها أيضًا هو الجامعات، وفي العام الدراسي 85/86، عادت الجماعة لرئاسة اتحاد طلاب جامعة أسيوط مكتسحةً، ورجعت الخطب والمحاضرات والدعوة في المدن والقرى، وإصدار المطبوعات، وتنظيم رحلات العمرة والمعسكرات والمعتكفات. وكان واضحًا أنه تم تجاوز التغرة التي أحدثها السادات في مسيرة اليقظة الإسلامية.
بعد عام ونصف، ومع مجيء وزير الداخلية زكي بدر، بدأت [المرحلة الثانية]، وهي المواجهة الجزئية، والتي كان يريدها زكي بدر مواجهةً شاملةً، وذلك بدافع من طبيعته الإجرامية، ولرغبته في الثأر مما فعلته الجماعة عام 81 أثناء توليه مساعد وزير الداخلية لشمال الصعيد. لكن رغبته في تصعيد المواجهة اصطدمت بحذر مبارك. وقد ظهر ذلك جليا في حادثة مقتل الأخ شعبان راشد بأسيوط، وقد قتله مخبر يدعى (طه)، وهو يحاول منعه من تعليق ملصق عن محاضرة لفضيلة الشيخ عمر عبد الرحمن، وتطور الأمر لمشاجرة أحس المخبر أنه سيهزم فيها ويبطش به، فأخرج سلاحه وأطلق رصاصةً في الرأس أسقطت الشاب أقرب للموت منه للحياة. هنا انتفضت جامعة أسيوط، وانتفض أيضًا مبارك، فأرسل طائرةً رئاسيةً مجهزةً لنقل الأخ شعبان لمستشفى المعادي العسكري (رغم أنه ميت إكلينيكيا)، وسافر معه على متنها وفد من أطباء الجماعة الإسلامية بجامعة أسيوط، ولم يسمح مبارك لأطباء مستشفى المعادي بإعلان وفاته إلا بعد أسبوعين، واستقبل مبارك والد الشاب وعزاه، واشتكى له من الشيخ عمر عبد الرحمن وتأثيره على الشباب، وأمر بترتيب زيارة لبيت الله الحرام له ولزوجته!! وأحالت النيابة المخبر للمحاكمة، وحكم عليه بالسجن سبع سنين، ولما أحالته مصلحة السجون بعد مدة لسجن محافظته ليقضي بقية العقوبة، رفض مأمور سجن أسيوط بشدة؛ لأن الجماعة ستقتص منه، فأعادوه للقاهرة، وقضى حكمه كاملًا بلا تخفيف، ومع ذلك كله تم القصاص منه بمجرد خروجه. لكن زكي بدر، الذي لم يعجبه تعامل مبارك مع هذه الحادثة، لم ييأس، واستمر يلح على مبارك أن يطلق يده في القمع، وشيئًا فشيئًا لان مبارك، واعتمد زكي بدر سياسة الضرب بالرصاص (في عين سويداء القلب)، كما كان يقول، وكان يردد في أيامه الأخيرة بالوزارة أن الجماعة الإسلامية (كالطير يرقص مذبوحًا من الألم). فلما بلغ عدد القتلى على يديه ثلاثون، وبلغ التعذيب في عصره منتهاه، وصارت أبواب المعتقلات تفتح للداخلين فقط بلا خروج، اتخذ القرار بالتخلص منه، وبالتخلص أيضًا من كل جهاز أمن الدولة بالوزارة (بلاظوغلي)!!
(105)
جاء هذا القرار الخطير بعد ثلاثة أعوام ونصف من تولي زكي بدر الوزارة، لم يترك خلالها معارضًا لنظام مبارك إلا مارس عليه أصنافًا من البلطجة، مستخدمًا أدوات البطش المتشوقة للظلم دائمًا، ومستخدمًا أيضًا لسانًا بذيا لا يتوقف عن الطعن في الأعراض وسب الأحياء والأموات. فلم يسلم منه لا الوفد ولا الناصريون ولا الإخوان، الذين كانوا لا يزالون يحلمون بفترة وردية بعد مبايعة مبارك عام 87، فأقض زكي بدر مضاجعهم، لكن دون أن يصل الأمر لاعتقال أو محاكمة أي قيادة لا من الأحزاب ولا من الإخوان ولا من السلفيين، إنما كان الأذى بما هو دون ذلك. لكن عمومًا نال زكي بدر كراهة الجميع، فجاءت محاولة اغتياله مريحةً للجميع، وإن كانت المحاولة فشلت، إلا أن عزله من الوزارة جاء بعدها بأسابيع؛ ليرضي الجميع، حتى داخل أروقة الحكم، وذلك بعد أن طال لسانه وزراء مقربين من مبارك، كوزيري الثقافة والزراعة، اللذين وجه لهم اتهامات جنسيةً، بل وصل الأمر للتهكم علانيةً على وزير الدفاع. وكان مما قاله:
(أنا وزير الداخلية… مش وزير الدفاع اللي عاملين له تمثال). (كفاية كل حاجة نقول وزير الدفاع… البلد لها وزارة داخلية).وقتها توقع الأخ عبود الزمر أن هذا لن يمر بدون عواقب، وبالفعل جاء عزل زكي بدر بعدها بأيام، كان ذلك في يناير 90. لكني كنت متأكدًا آنئذ أن تهور زكي بدر في تعامله مع الجماعة الإسلامية، مما دفعها للعودة لامتشاق السلاح بعد ثمانية أعوام كاملة على حادثة المنصة.. أقول: كنت متأكدًا أن ذلك كان أحد دوافع مبارك لعزله. وقد أكد لي هذا المعنى قيام نيابة أمن الدولة العليا بحفظ التحقيق مع كل المشاركين في عمليتي محاولة اغتيال الوزير ومحاولة تفجير مقر أمن الدولة بالوزارة بالقاهرة، وقيام وزارة الداخلية بإطلاق سراحهم جميعًا، دون أن تفكر في اعتقالهم، كما تعتقل مئات وآلافًا من الدعاة من نفس الجماعة لسنين وسنين بلا محاكمة!! وواضح -عندي على الأقل- أن إطلاق سراح هؤلاء ليس قرارًا أمنيا ولا قضائيا، بل توجيه سياسي صريح. ويؤكد ذلك أن الوزير الجديد للداخلية عبد الحليم موسى، في أول تصريحاته عقب تولي الوزارة، قال: إنه يؤمن بالحوار مع الجماعة الإسلامية. نعم، قام بسحب تصريحه بعدها بيوم، لكن ذلك كان مؤشرًا على أن اتجاه زكي بدر للدفع بالأمور نحو المواجهة الشاملة قد تم تعطيله، ولو مؤقتًا. لكن شيئًا ما لم أتبينه بالتحديد قد طرأ خلال أشهر، فعادت الوزارة لسياسة التصفية الجسدية، بل تصاعدت الأمور بشدة، باغتيال الأخ علاء محيي الدين، المتحدث الرسمي للجماعة بالهرم، بيد ضباط من أمن الدولة، وقد ردت الجماعة وقتها باغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب، والحقيقة أن المقصود بالاغتيال كان وزير الداخلية، لكن تشابه موكبه مع موكب المحجوب، وسلوك موكب الآخر مسار موكب الوزير، أدى لاغتيال هذا مكان ذاك. لكن الرسالة وصلت على أي حال، وأوقفت الوزارة سياسة الاغتيالات عامًا كاملًا. ولكنها توسعت في سياسة الاعتقال بلا محاكمة وبلا سقف زمني، فضلًا عن التعذيب والمطاردة وغيرها من الانتهاكات، التي وصلت لتعذيب النساء وتعليقهن ك الذبائح بأمن الدولة، فانزلقت الأمور نحو:
[المرحلة الثالثة]:
وهي مرحلة المواجهة الشاملة، التي سقطت فيها كل الخطوط الحمراء، فاستهدفت الجماعة مبارك بالاغتيال عدة مرات، كان أشهرها في أديس أبابا، واستهدفت عددًا من الوزراء، واستهدفت السياحة كورقة ضغط، وليس بهدف قتل السياح (وإن كانت الأمور تطورت خارج السياق فيما بعد)، واستهدفت البنوك للضغط أيضًا، وحدث استهداف نادر للكنائس، واستهدفت أيضًا وبكثافة ضباطًا وصف ضباط، خاصةً في أمن الدولة وقطاع السجون والأمن المركزي. وفي المقابل، أعمل النظام كامل أدواته المتوحشة في القتل في الطرقات والمساجد والبيوت، وفي مقار أمن الدولة، وأحال كثيرا من المدنيين للمحاكم العسكرية، ونفذ أحكام إعدام بلا هوادة، مع تسخير كل أجهزة الدولة وإمكاناتها في هذه المواجهة، التي تدخل فيها الجيش عدة مرات لحسم معارك استعصت على الشرطة. وامتدت السياسة الاستئصالية لداخل السجون، التي استقبلت كل قيادات الجماعة ودعاتها بل وأفرادها، حتى ضاقت زنازينها، فشرعت الحكومة في بناء معتقلات في الصحاري وأطراف المدن، وتعرض الجميع لأشرس حملة تعذيب لا يمكن تخيلها لفرط وحشيتها وطول أمدها.
وبعد خمسة أعوام من المواجهات، التي لم تقتصر على صعيد مصر، بل امتدت للقاهرة وغيرها، ووصلت إلى خارج مصر، اتجهت الأمور نحو:[المرحلة الرابعة]:
وهي مرحلة المصالحة، وقد بدأها قيادات الجماعة المحكومون في أحداث عام 81، بإطلاق (مبادرة وقف الأعمال القتالية)، كان ذلك في يوليو من العام 97، وقد وافق عليها حسني مبارك، وأرسل لنا وفدًا من قيادات أمن الدولة لاستطلاع الأمور، وأرسل معهم عدة كاميرات تجسس؛ لإطلاع بقية الأجهزة الأمنية وغيرها على ما يدور؛ للتأكد من حقيقة الأمور.
لكن حادثًا مزلزلًا خارجًا عن السياق في الأقصر خرب كل شيء.
(يتبع إن شاء الله)