بقلم: الشيخ جمال جلال

“شوف يا شيخ ، كل واحد فيكم يطلّع كل حاجة في جيبه ويحطها قدامي هنا، ومش عاوز معاندة عشان ما نزعلش من بعض”..

بهذه العبارات الحنونة الدافئة تم استقبالنا من الجنائيين في أول ليلة قضيناها في الحبس! وذلك بعد يوم طويل من التحقيقات في ما هو منسوب إلينا !!

انتهت التحقيقات في تمام الساعة الثالثة صباحا قبل الفجر، وتم اصطحابنا إلى الحجز، وما أن فُتحت أبوابه حتى لفحتنا حرارة أنفاس البشر داخل الزنازين ..

رأينا وجوها شديدة القسوة..

يا رب، أهؤلاء من البشر؟؟

رأينا عيون زائغة، ووجوه مشوهة، أجساد عارية ومقطعة! ما من موضع فيها إلا وفيه أثر جرح أو ندب من أثر السكين أو الموس، وإن وجدت رقعة خالية من الجروح والندوب فلن تسلم من الوشم!!

ارتعدت قلوبنا، واقشعرت جلودنا، وقلنا “لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين” اللهم اكفنا شرور عبادك بما شئت وكيف شئت!!

الحجز مكتظ بالبشر! لا يوجد مكان لذبابة!! كتل من اللحم المتلاصق بشكل يثير الغثيان!!

الدخان يملأ المكان، لا تكاد ترى أمامك!!

لا تستطيع التنفس! الناس ينامون على بعضهم البعض، بل وكثير منهم ينام وهو واقف على رجليه!

وللحجز زعيم قاهر، وله عصابة منتشرة في الحجز بأمره، تأخذ الإيتاوات من الناس، وتنظم دورة الجلوس والنوم بحسب من يدفع، والأكل والشرب والنوم وغيرها كلها منظمة لمن يدفع!!

تخيلوا هذه الأجواء غير الآدمية المفزعة مع هؤلاء المسجلين من القتلة والبلطجية واللصوص وتجار المخدرات!!

ياااارب، احنا إيه اللي جابنا هنا!!

اللهم لا تكلنا إليهم فنهلك!! ياااااارب، إن لم يكن بك عليّنا غضب فلا نبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لنا!!

دفعنا من فلوسنا عشان ناخد الأمان، ويفضّولنا مكان ننام فيه (تقريبا نص متر لكل واحد تحت أقدام الجالسين على المساطب!!)، لا أريد أن أخوض في التفاصيل، ولكن سأذكر لكم رحمة الله وإعجازه في تطور الإحداث..

فها هو احترام الجميع لللّحية وصاحبها!! شيء لا يصدقه عقل!! وهذه من عظمة الله تعالى، أن يكون صاحب الدين مهابا ومحترما بين هؤلاء القوم!!

ثم بدأت الأحداث تتطور..

– قال مسجل خطر: إيه يا عم الشيخ اللي جابكم هنا!! حد يجيب الناس الطاهرة دي وسط الأشكال دي !!

– بدأ بعض المسجلين خطر يتعاطفون معنا تعاطفا كبيرا، فترى أحدهم يمسك بفوطة ليهوي علينا من شدة الحر ودخان السجاير، وآخر يسخّر نفسه لخدمتنا وتعليق أمتعتنا.. ثم كانت المفاجأة بأن قام مجموعة منهم بتيسير الصلاة لنا وتخصيص مكان لنا !!

“مش عاوز أسمع صوت أنت و هوّه عشان الشيوخ هايصلوا!! اللي هاسمع صوته هاعمل فيه واسوي!!

صلينا الفجر واقفين (بغير ركوع ولا سجود) وأمامنا وخلفنا ومن حولنا أناسٌ وجوههم مخيفة!! ينظرون الي صلاتنا بإعجاب وانبهار..

مشهد عمره ما كان يخطر على بالي ولا في الأحلام!!

ثم يسّر الله لنا بعد يومين وانتقلنا إلى مكان أفضل نسبيا من حيث نوعية المساجين، ولكن في نفس الحجز!

وما أن مر اليوم الثالث حتى بدأت رحمات الله تتجلى..

بدأت تدريجيا صلاة الجماعة، الصلاة على وقتها، مقارئ القرآن، دروس العلم، حفظ لللسان، كلمات في الوعظ والرقائق، صيام اتنين وخميس، خطب الجمعة، صلاة الفجر في جماعة ودعاء القنوت يوميا!

ثم توالت الرحمات والبركات:

(خبط على الزنزانة)

– أيوه مين؟

– قولوا للشيخ يعلي صوته في الصلاة عشان الناس بره هتصلي معاكم الفجر..

وبعدها بأيام: يا جماعة خلي حد يبلّغ ويعلي صوته، الناس اللي بره مش سامعين وعاوزين يصلوا معاكم !!

– ثم: يا شيخ عَلِّي صوتك في خطبة الجمعة عاوزين نسمع احنا كمان..

ياااالله ما أعظمك وأكرمك!

ثم توالت قصص التوبة!

التوبة من السرقة، التوبة من البودرة، التوبة من تعاطي المخدرات.. و من الإتجار فيها!!

كنت دوما ما أخبرهم في الدروس أن الله تعالى قد جاء بكل واحد منا إلى هذا المكان لهدف.. وأن السعيد من فهم عن الله تعالى الرسالة التي يريد أن يوصلها إليه!

“كل واحد فيكم لازم يطلع من المحنة دي بدرس، ولازم تفهم ربنا جابك هنا ليه، وإيه المعنى اللي المفروض يستقر في قلبك من التجربة دي”..

فمنهم من كان “معلم” بره، “عمدة”، “كبير” ماحدش يكسر له كلمة!  قلبه مليء بالكبر، فجاء الله به هنا لينكسر ويتواضع.. فتغيرت نظرته للأمور، فأحب إخوانه ورحمهم ونظر لهم نظرة شفقة ورحمة!

ومنهم الكينج تاجر السلاح، صاحب المال والنفوذ والسطوة والرجال، كان يحسب ألن يقدر عليه أحد، حتى جاء الله به فقط لكي يقول: ياااااارب!

ومنهم المستهتر، فجاء الله ليعرف قيمة الحياة وقيمة العمل والسعي في طلب الرزق!

ومنهم أنا!! أنا الذي لم أكن أعلم لماذا جيء بي إلى هنا! حتى علمت وفهمت! إنما جاء الله بك من أجل هؤلاء الصادقين! لعل الله تعالى أراد أن يسمع هؤلاء عن الله وعن رسوله فساقني الله إليهم رغم أنفي!!

أقسم بالله، بعد أن كنت أدعوا الله تعالى أن يخرجني من هذا المكان، وصلت إلى مرحلة تساءلت فيها: يا رب، هل أستحق أن أكون في مثل هذا المكان وفي مثل هذا المقام!!

لقد أنعم الله عليّ بنعمة لا أستحق عُشر معشارها!

أن تكون أنت مصدر الكلام عن الله وعن رسوله!

أن ترى قلوب هؤلاء القوم خاشعة، وأعينهم دامعة من خشية الله تعالى!

أن تتعلق أفعالهم بكلامك، وقلوبهم بدعائك!

والله إنها نعمة ما بعدها نعمة …

كل فعل أو قول يفعلونه لله لك منه نصيب إلى يوم الدين!

اللهم لا تحرمنا أبدا من شرف الدعوة إليك، ودلالة خلقك عليك ..

اللهم أتمم نعمتك علينا، وعوضنا عن كل ما فقدنا.. واهد ياااااارب عبادك العاصيين وخذ بنواصيهم إلى رياض طاعتك.. واقبل تائبهم، وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء.. آمين آمين آمين

التعليقات