القائمة إغلاق

وقفـــات مع الجيل الفريد – بقلم: الأستاذ شهاب فاروق

أبو عبيدة بن الجراح كان من أعظم الفاتحين وصار واليا ، فجاءه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يوما ليزوره وعندما دخل إلى بيته رآه دون أثاث وفرش ، غرفة واحدة لا يوجد فيها إلا سيف ومعلق عليه كيس من شعير فقال له عمر: أنا ضيفك اليوم أكرمني بضيافتك فبحث أبو عبيدة في بيته ولم يجد إلا كسرة خبز وماء،سأله عمر: أهذا طعامك؟

فرد عليه أبو عبيدة وقال: يا أمير المؤمنين إنما هي أيام ونمضي، فبكى عمر وقال : كلنا غيرتنا الدنيا إلا أنت يا أبا عبيدة…

الحدث ينم علي اصالة المبدا و يبرز جانبا فريدا من جوانب الشخصيه المسلمه و يؤرخ لقيمة الأخلاق في حياة الرجال و يضع عنوانًا عريضا لحقيقة الطريق و قيمة الاكابر العظماء…

و من عبق التاريخ لنا وقفات علي الطريق مع الجيل الفريد ..في صفحات التاريخ رجال لا تقاس عظمتهم بما ملكوا، بل بما تركوا من آثر في النفوس ..

كان المساء قد أرخى سدوله على المدينةحين مضى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بيت رجل لم يكن كغيره من الرجال؛ رجل فتحت على يديه الأمصار وارتجت لخطوات جيوشه حصون الروم وسارت باسمه الركبان في الآفاق كان متجها إلى بيت أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أمين هذه الأمة وقائد من أعظم قادتها…

توقع الداخل أن يرى آثار الولاية ومظاهر القيادة وأن يجد شيئا من متاع الدنيا الذي يليق برجل دانت له البلاد لكن المفاجأة كانت أعظم من كل تصور ! دخل عمر فإذا المكان يكسوه السكون والجدران تشهد على حياة من الزهد والتجرد فلا أثاث فاخر ولا زينة تخطف الأبصار ولا متاع يروي ظمأ النفس إلى الترف.

كانت غرفة صغيرة تختصر قصة عمر كامل من الإيمان سيف معلق يذكر بمواطن الجهاد وكيس من شعير يروي حكاية القناعة وكسرة خبز وماء يعلنان أن صاحب هذا البيت قد اختار طريقا آخر غير الطريق الذي تتزاحم عليه القلوب…

جلس عمر يتأمل المشهد وكأن التاريخ كله يقف أمامه في صورة رجل انتصر على نفسه قبل أن ينتصر على أعدائه ثم قال: أنا ضيفك اليوم فأكرمني بضيافتك فبحث أبو عبيدة في بيته، فلم يجد إلا ما يسد الرمق ويحفظ الحياة…

نظر إليه عمر متعجبا وسأله: أهذا طعامك؟

فأجابه أبو عبيدة بكلمات خرجت من قلب عرف الله حق المعرفة ومن روح أدركت حقيقة الدنيا فقال: “إنما هي أيام ونمضي”

كانت كلمات قليلة لكنها حملت من المعاني ما تعجز عن حملة الخطب الطويلة كلمات اختزلت فلسفة المؤمن في هذه الحياة وأعلنت أن الدنيا مهما اتسعت فهي ضيقة أمام الآخرة، ومهما طالت فهي قصيرة أمام الحياه الأبدية..

بكى عمر ولم يكن بكاؤه حزنا على أبي عبيدة بل كان بكاء الموقن الذي رأى نموذجا نادرا من الرجال الذين لم تغيرهم المناصب ولم تفتنهم الدنيا ولم تسلبهم الأضواء صفاء قلوبهم…

ومن هنا تتجلى أعظم المفاهيم الإيمانية التي صنعت الجيل الأول فالقصة تعلمنا أن الزهد ليس فقرا وإنما تحرر من عبودية المتاع وتعلمنا أن القناعة ليست عجزا عن الكسب وإنما امتلاء القلب بالرضا وتعلمنا أن عظمة الإنسان لا تقاس بما يملك؛ بل بما يملك من إيمان ومبادئ وثبات…

لقد كان أبو عبيدة واليا وقائدا لكنه لم يسمح للمنصب أن يصنع بينه وبين الله حجابا ولم يجعل السلطة سلما إلى الترف بل جعلها أمانة ومسؤولية ومعبرا إلى رضوان الله…

و ما اروع تعليق صاحب الظلال رحمه الله عليه عندما يقول: “إن استصغار الدنيا والزهد فيها لم يكن مجرد حرمان، بل كان قوة تحرر هائلة جعلت هؤلاء الرجال أسياداً على أنفسهم وعلى العالم”

وعندما نتأمل واقع المسلمين اليوم نجد أن كثيرا من القلوب أصبحت أسيرة للمظاهر وأصبح الميزان عند بعض الناس هو المال والشهرة والصورة الخارجية حتى غابت معاني البساطة والقناعة وضعف الشعور بأن الدنيا دار عبور لا دار قرار…..

إن الأمة لم تضعف يوم قل مالها وإنما ضعفت حين ضعفت صلتها بالله ولم تتراجع يوم اشتد عليها أعداؤها؛وإنما تراجعت حين تسلل حب الدنيا إلى بعض النفوس فبردت حرارة الإيمان وخَفَتَ بريق الرسالة..

لقد صنع أبو عبيدة مجدا لأنه عرف حقيقة نفسه وعرف حقيقة الدنيا وعرف حقيقة الطريق إلى الله ولذلك بقي اسمه حيا في صفحات التاريخ بينما طويت أسماء كثير من أصحاب القصور والثروات…

إن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى استعادة هذه المعاني الربانية؛ معاني الإخلاص والتجرد والقناعة واليقين،إنهم أحوج ما يكونون إلى رجال يحملون الرسالة قبل أن يحملوا المناصب ويبحثون عن رضوان الله قبل أن يبحثوا عن حطام الدنيا…

فيا أبناء الإسلام اقرأوا سيرة أبي عبيدة بعين المتأمل لا بعين القارئ العابر وتأملوا كيف جمع بين القوة والزهد وبين القيادة والتواضع وبين الفتح والتجرد.. إن هذه القصة ليست حكاية منسية في بطون الكتب بل هي مرآة تكشف الفرق الهائل بين جيل صنعته العقيدة وجيل تكاد تصنعه الشاشات والإعلانات وأوهام المظاهر لقد كان أولئك الرجال يرون الدنيا جسرا يعبرون عليه إلى الله بينما أصبح كثير من الناس اليوم يتخذونها وطنا دائما ومعبودا خفيا تدور حوله الأمنيات والطموحات..

ازرعوا في قلوبكم يقين الآخرة، واجعلوا الدنيا في أيديكم لا في قلوبكم وربوا أبناءكم على أن قيمة الإنسان فيما يحمله من إيمان لا فيما يملكه من متاع

اقتفوا أثر أبي عبيدة بن الجراح واهتدوا بنوره وتمسكوا بالمفاهيم التي عاش لها ومات عليها، فبمثل هذه النماذج تنهض الأمم وبمثل هذا الإيمان تستعاد العزة وبمثل هذا الصدق يعود للمسلمين مجدهم الذي أضاء الدنيا قرونا طويلة……

ـــــــــــــــــــــــــــــ

شهــــاب فــــاروق

التعليقات

موضوعات ذات صلة