الدعوة بين الحياة والموت

img


بقلم د/ أحمد زكريا عبداللطيف 
إن الدعوة دعوتان: دعوة ولدت ميتة لأنها تحمل جينات الموت منذ مهدها؛ لا غاية لها إلا تحقيق الشهوات والمطامع، ولا هدف لها إلا عبادة الذات، لذا تستمد مادة حياتها من الطين، ونرى جذورها ذابلة، فهى كخضراء الدمن؛ حسناء المظهر قبيحة المخبر، وهذه دعوة حكم على أصحابها بالفشل الدنيوي والخسران الأخروي.
ودعوة ربانية راشدة تستمد حياتها وقوتها وعزتها من أسماء وصفات صاحب الدعوة؛ فحياتها بعض فيض من اسم الله الحي، وقوتها من اسمه القوي، وعزتها مستمدة من العزيز، والأمر ملحوظ في كل صفاتها.
ولكن هناك آفة عظيمة تزرع الوهن والخور في نخاع الدعوة ينبغي على الدعاة أن يحذروا خطرها، ويسد منافذها.
إن واجبات المسلم إيزاء محاولة استئناف الحياة الإسلامية وإرجاع الإسلام إلى الهيمنة من بعد الحادث الهائل في تنحيته هى واجبات واضحة بينة، وأكثر من نراه من المسلمين المتحسرين أصحاب الأماني المتأوهين يكون عالما بها، ولا تنهض همته إليها، فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوثا، قد أسام نفسه مع الأنعام، راعيا مع الهمل، واستطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل، لا كمن رفع له علم فشمر إليه، وبورك له في تفرده في طريق طلبه، فلزمه واستقام عليه، قد أبت غلبات شوقه إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقتت نفسه الرفقاء إلا ابن السبيل يرافقه في سبيله.
ما أجمل ما فسره ابن القيم، فحقا تفعل الأشواق العجائب حين تصدق.
إن صاحبها حينئذ يأبى إلا الهجرة والانضمام إلى القافلة.
فحى هلا إن كنت ذا همة فقد
حدا بك حادي الشوق فاطو المراحل
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد
ودعه، فإن العزم يكفيك حاملا.
ولكن أزمة الدعوة الآن كما صرح بها أبو الأعلى المودودي – رحمه الله – قائلا :”من دواعي الأسف أن الذين عندهم نصيب من القوى الفكرية والقلبية من النوع الأعلى من أفراد أمتنا هم مولعون لإحراز الترقيات الدنيوية، جاهدون في سبيلها ليل نهار، ولا يقبلون في السوق إلا من يساومهم بأثمان مرتفعة، وما بلغوا من تعلقهم بالدعوة إلى الاستعداد للتضحية في سبيلها بمنافعهم، بل ولا بمجرد إمكانيات منافعهم.
فإذا كنتم ترجون، معتمدين على هذه العاطفة الباردة للتضحية، أن تتغلبوا في الحرب على أولئك المفسدين في الأرض الذين يضحون بالملايين من الجنيهات كل يوم في سبيل غاياتهم الباطلة، فما ذلك إلا حماقة.
وتلك – وربي – قاصمة الظهر التي تعاني منها دعوتنا الآن.

Please follow and like us:

Author : إدارة الموقع

إدارة الموقع

RELATED POSTS

قم بالتعليق