القائمة إغلاق

مشروعية الاستعانة بأهل البدع في الجهاد إذا اقتضت مصلحة شرعية ذلك

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد

انتشرت في الآونة الأخيرة مقولات مغرضة ظالمة، ظاهرها الحرص على عقيدة أهل السنة والجماعة، وباطنها الدعوة إلى التخذيل عن جهاد الكافرين المعتدين، حيث رأينا البعض يطعن في صحة جهاد إخواننا في أرض فلسطين، الذين ألجأتهم ظروف نعلمها جميعاً إلى قبول بعض المساعدات من حكومة إيران ومن شايعها ممن هم على عقيدتها. ويزعم أصحاب تلك المقولات أنه لا يجوز الاستعانة بأهل البدع في أمور الجهاد. وأقول وبالله التوفيق:

  1. إننا مع تسليمنا بوجوب مجانبة أهل البدع والأهواء، ونبذ باطلهم، إلا أن الذي وجدناه بمراجعة كلام أهل العلم الثقات أن هذه المسألة ككثيرٍ من مسائل الجهاد والسياسة الشرعية، ينبني الحكم فيها على قياس المصلحة والمفسدة، فمتى احتجنا إلى التعاون مع أهل البدع في شيء من أمور الجهاد، ولم يكن في ذلك تنازل عن شيء من ثوابت عقيدتنا فإنه لا بأس بالاستعانة بهم؛ وذلك أن شريعتنا الغراء جاءت بتحقيق المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فمتى لم يمكن تحقيق المصلحة الأعلى إلا بتحمل المفسدة الأدنى جاز تحمل تلك المفسدة. ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإذا تعذر إقامة الواجبات، من العلم والجهاد وغير ذلك، إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب، مع مفسدة مرجوحة معه: خيراً من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل). [مجموع الفتاوى: 28/212]).
  2. وإذا كان كثير من أئمتنا رأوا جواز الاستعانة بالمشركين إذا دعت حاجة الجهاد إلى ذلك، وكانوا مأمونين حسني الرأي في المسلمين كما هو قول الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد [المغني: (10/447)، وكشاف القناع (4/1287) وتكملة المجموع شرح المهذب (280/19)]، ولهم أدلة منها استعارة الرسول صلى الله عليه وسلم يومَ حنينٍ أدرعاً من صفوان بن أمية، وهو يومئذ مشرك [أبو داود (3562) عن صفوان بن أمية، وصححه الألباني]. وحملوا حديث: (ارجع فلن أستعين بمشرك) [مسلم: 1817]، على حالة عدم الاحتياج إليهم أو كونهم غير مأمونين، أقول إذا كان الأمر كذلك، فكيف بأهل البدع الذين هم في الجملة أقرب إلينا من المشركين؟ وقد سئل ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة؟ فأجاب: (كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به؛ وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم؛ فإن اليهود والنصارى كفار كفراً معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام. والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له لم يكن كافرا به؛ ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذَّب الرسول صلى الله عليه وسلم). [مجموع الفتاوى 35/ 201]
  3. بل إنه يمكن والله أعلم أن نتعاون مع طائفة من الكفار، لكي نتخلص من  طائفة أخرى هم أشد ضرراً على الإسلام والمسلمين، بشرط أن لا يُفرِّط المسلمون في دينهم ولا يبدو منهم الرضا بالكفر؛ وذلك كما في حديث (ستُصالِحونَ الرُّومَ صلحًا آمِنًا؛ فتَغْزونَ أنتم وهُمْ عدُوًّا مِن ورائِكم؛ فتُنصَرون وتَغْنَمونَ وتَسْلمونَ، ثم ترجِعونَ حتَّى تَنزِلوا بمَرْجٍ ذي تُلولٍ، فيرفَعُ رجلٌ من أهلِ النصرانيَّةِ الصليبَ، فيقولُ: غلَبَ الصليبُ؛ فيغضبُ رجلٌ مِنَ المسلِمينَ فيدُقُّه؛ فعِندَ ذلك تَغْدِرُ الرُّومُ وتجمَعُ للملحمةِ). [أخرجه أبو داود (4292) وابن ماجه (4089) من حديث ذي مخمر أو ذي مخبر (رجل من أصحاب رسول الله)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود].
  4. ثم هل وَجَد أولئك المجاهدون عوناً من حكومات بلاد أهل السنة فرفضوه، وفضلوا التعاون مع أهل التشيع؟ أم أن حكومات تلك البلاد، هي التي خذلتهم وتخلت عنهم، وكثيرٌ منها أعان على حصارهم والتضييق عليهم؟ فلم يبقَ لهم إلا قبول المعونة من أي أحدٍ، حتى لو كان كافراً.
  5. وعلى هذا الفهم الصحيح لقضايا الجهاد سار أهل العلم والدين من قديم. فها هو التاريخ يحدثنا كما يذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (12/ 274) أنه لما داهم الفرنجة الديار المصرية في عصر العاضد آخر خلفاء العبيديين (الفاطميين)، حتى وصلوا إلى بعض أبواب القاهرة، فإن العاضد قد استغاث بالسلطان العادل نور الدين محمود زنكي، وأرسل له بشعور نسائه يقول: أدركني واستنقذ نسائي من أيدي الفرنج. وقد استجاب له نور الدين رحمه الله فأرسل جيشاً بقيادة أسد الدين شيركوه، ومعه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي لمقاتلة الفرنجة. ومعلومٌ ضلال أولئك العبيديين، وأنهم كانوا من الشيعة الإسماعيلية الذين هم أكثر بدعة وضلالة من الشيعة الاثني عشرية، بل حَكَم أهل العلم بأنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام، وأن قتالهم كان جائزاً كما في مجموع فتاوى شيخ الإسلام (28/636)، لكن لما كانت مصلحة الدفاع عن بلاد المسلمين تقتضي نصرتهم والتعاون معهم، لم يتردد نور الدين رحمه الله في إعانتهم. وقد كان نور الدين عالماً فقيهاً على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث وأسمعه كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (12/ 299)، ونقل عن ابن الأثير أنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز مثل الملك نور الدين، ولا أكثر تحرياً للعدل والإنصاف منه. وصحيح أن تلك المساعدة من نور الدين قد أدت فيما بعد إلى زوال حكم العبيديين، ولكنَّ الجيوش توجهت إلى مصر أولاً بغرض حمايتها من الصليبيين، ثم إن زوال حكم العبيديين لم يتم دفعة واحدة، بل ظلت مصر كما هي تحت حكم العاضد يُخطب له على المنابر، وصار صلاح الدين وزيراً للعاضد بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه، إلى أن استحوذ صلاح الدين بالأمر وصار يخطب للخليفة العباسي.
  6. ومن أجل ذلك أيضاً رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم يُثنون على جهاد السلطان محمود بن سُبُكْتِكِين الغَزنوي، وتحطيمه لأصنام بلاد الهند، مع كونه على معتقد الكرَّامية كما ذكر الذهبي في السير (17/486) وابن كثير في البداية والنهاية (12/32)، والكرامية هم أتباع عبد الله بن كرَّام، وهم فرقة من الفرق الكلامية التي تخالف مذهب سلف الأمة في بعض الأصول، ومنها كونهم مُرجئةً في باب الإيمان. لكن السلطان محمود الغزنوي كان مع كرَّاميَّته مجاهداً في سبيل الله، دَيِّناً فاضلاً، محارباً لبدع الروافض والجهمية، ومن أجل ذلك أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه. فمن ذلك قوله في مجموع الفتاوى (4/ 22): (ولما كانت مملكة محمود بن سُبُكتكين من أحسن ممالك بني جنسه كان الإسلام والسنة في مملكته أعز، فإنه غزا المشركين من أهل الهند، ونشر من العدل ما لم ينشره مثله، فكانت السنة في أيامه ظاهرة والبدع في أيامه مقموعة).
  7. ومن أجل ذلك أيضاً رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية يقاتل التتارَ تحت راية المماليك، مع ما كان في المماليك من الظلم والبغي، بل مع مخالفته لهم في بعض أمور الاعتقاد، وكونهم سجنوه مراراً لأجل معتقده السلفي.
  8. وفي العصر الحديث رأينا كبار علماء الأمة يؤيدون الجهاد الأفغاني ضد الروس مع ما كان معلوما من انتشار كثير من البدع والشركيات بين بعض المجاهدين الأفغان. وكان الشيخ ابن باز رحمه الله ينصح الشباب بالذهاب إلى أفغانستان ومشاركة الأفغان جهادَهم، مع تعليمهم السنة وتحذيرهم من البدعة.

هذا والله أعلى وأعلم.

عبد الآخر حماد

20/5/1445هـ – 4/12/2023م

التعليقات

موضوعات ذات صلة