القائمة إغلاق

كلمات لها تاريخ: إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير

بقلم: فضيلة الشيخ الدكتور عبد الآخر حماد

فتح المسلمون الأندلس عام 92هـ، في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، وبعد سقوط الدولة الأموية عام 132هـ، فرَّ واحد من بني مروان وهو عبد الرحمن بن معاوية الملقب بالداخل إلى بلاد الأندلس، حيث أسس هناك خلافة أموية استمرت قرابة ثلاثة قرون. ثم انقسمت إلى دويلات وأقاليم صغيرة، يحكم كل منها ملك ممن سُموا بملوك الطوائف. وقد انشغل أولئك الحكام بمعاداة بعضهم بعضاً، ووقعت بينهم حروب ومنازعات، حتى إن بعضهم كان يستعين بالحكام الأسبان النصارى على قتال إخوانه من المسلمين. وفي عام 478 سقطت طليطلة في يد ألفونسو السادس ملك “قشتالة”، بعد أن خذلها ملوك الطوائف، ولم يهبّوا لنصرتها بسبب خوفهم من ألفونسو، وبسبب المعاهدات التي أبرموها معه. وكان من أولئك الملوك المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية الذي غَلَّتْ يدَه عن نجدة طليطلة معاهدةٌ كان قد عقدها مع القشتاليين يتعهد بمقتضاها ملك قشتالة بمعاونة المعتمد ضد جيرانه من الأمراء المسلمين، وفي المقابل يتعهد المعتمد بأن يؤدي الجزية لملك قشتالة، وأن يطلق يده في أعماله العسكرية ضد طليطلة. وبعد سقوط طليطلة بدأ ألفونسو يشتد في مطالبه المالية، ويرهق ابن عباد بالمزيد منها.

وشجعت مواقف ملوك الطوائف المخزية “ألفونسو السادس” على أن يتحرك بجيوشه في محاولة لالتهام بقية حواضر الإسلام، فتوالت غزواته، وراح يهدد مدن الأندلس. وهنا تحرك ما بقي من ضمائر ملوك الطوائف، ومنهم المعتمد بن عباد، ورأوا أن ما أصاب طليطلة سيصيبهم، ما لم يتداركوا مواقفهم، وتتحد كلمتهم. وقد اجتمعت كلمة الفقهاء والقضاة في بلاد الأندلس كما يذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان (5/ 28) على أن يكتبوا إلى المجاهد العظيم أبي يعقوب يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، وأمير دولة المرابطين يستنجدونه، وأخبروا بذلك المعتمد بن عباد، فوافقهم على أنه مصلحة، وكتب ابن عباد كتاباً إلى يوسف بن تاشفين يخبره بصورة الحال.

وقد حذر بعض ملوك الطوائف المعتمد بن عباد من مغبة استنجاده بيوسف بن تاشفين، وذكروا له أن يوسف إذا انتصر على ملك قشتالة فإنه قد يُهين المعتمد بن عباد، ويجعله تابعاً ذليلاً له.

جاء في كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار لمحمد بن عبد الله الحِميرى (ت ٩٠٠هـ) (ص288) ما نصه : (انفرد ابن عَبَّاد بتدبير ما عزم عليه من مُداخلة يوسف بن تاشفين، ورأت ملوك الطوائف بالأندلس ما عزم عليه من ذلك، فمنهم من كتب إليه، ومنهم من شافهه، كلهم يُحَذِّرُه سوءَ عاقبة ذلك، وقالوا له: المُلْك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غِمْد، فأجابهم ابن عَبَّاد بكلمته السائرة مثلًا: رعْيُ الجمال خير من رَعيِ الخنازير، أي أن كونه مأكولاً لابن تاشفين أسيراً، يرعى جماله في الصحراء خيرٌ من كونه مُمَزَّقًا لابن فرذلند أسيراً يرعى خنازيره في قشتالة.. وقال لعُذَّالِه ولُوَّامِه: يا قوم: أنا من أمري على حالين؛ حالة يقين وحالة شك، ولا بد لي من إحْداهما، أما حالةُ الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين، أو إلى ابن فرذلند، ففي الممكن أن يَفِي لي، ويُبقي عليَّ، ويمكن ألا يفعل، فهذه حالة شَكّ، وأما حالة اليقين فهي أني إن استندت إلى ابن تاشفين، فأنا أُرْضِي اللهَ، وإن استندْتُ إلى ابن فرذلند، أَسْخَطْتُ اللهَ، فإذا كانت حالةُ الشك فيها عارضة، فلأَي شيءٍ أَدَعُ ما يُرْضِي اللهَ، وآتِي ما يُسْخِطُه؟ وحينئذ أَقْصَر أصحابُه عن لَوْمِه).

وقد كانت استجابة ابن تاشفين لطلب ابن عباد سريعة فعبَر البحر في جيش عرمرم، قال ابن خلكان في وفيات الأعيان (5/ 29) وهو يصف تجهيز ابن تاشفين لجنده: (فلما تكاملوا عنده أمرهم بالعبور، وعبر آخرَهم وهو في عشرة آلاف مقاتل. واجتمع بالمعتمد وقد جمع أيضا عساكره وتسامع المسلمون بذلك فخرجوا من كل البلاد طلبا للجهاد. وبلغ الأذفونش (ألفونسو) الخبر وهو بطليطلة، فخرج في أربعين ألف فارس غير ما انضم إليه، وكتب الأذفونش إلى الأمير يوسف كتاباً يتهدده وأطال الكتاب، فكتب يوسف الجواب في ظهره: “الذي يكون ستراه”، ورده إليه. فلما وقف عليه ارتاع لذلك، وقال هذا رجل عازم ثم سار الجيشان والتقيا في مكان يقال له الزلاقة من بلد بطليوس، وتصافا وانتصر المسلمون وهرب الأذفونش بعد استئصال عساكره، ولم يسلم معه سوى نفر يسير.. وهذه الواقعة من أشهر الوقائع. وثبت المعتمد في ذلك اليوم ثباتاً عظيما، وأصابه عدة جراحات في وجهه وبدنه وشهد له بالشجاعة، وغنم المسلمون دوابهم وسلاحهم).

وقد وقعت معركة الزلاقة عام 479هـ، وهي إحدى معارك الإسلام العظام، وبها كُسرت شوكة ألفونسو، ومن معه. وعاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب متوجاً بتاج النصر والفخار، وملقبًا بأمير المسلمين. وكان من نتيجة تدخله لنصرة ملوك الأندلس أن طال أمد الوجود الإسلامي في الأندلس لقرابة أربعة قرون أخرى، بعد أن كان القشتاليون قد أوشكوا على التهام حواضر الإسلام، حاضرةً بعد حاضرةً.

وقد كان لهذه الكلمة التي قالها المعتمد بن عباد (رعي الجمال خير من رعي الخنازير)، أثر عظيم في إقناع من حوله بضرورة التمسك برابطة الأخوة الإيمانية، وأن على المسلمين إذا دهمهم عدو أن يتناسوا جميع خلافاتهم ليقفوا صفاً واحداً في مواجهة عدوهم. وهذا شأن العقلاء في كل زمان ومكان.

وكأني بالمعتمد بن عباد كان يستلهم مقولته تلك من مقولة عظيمة شبيهة بها، قالها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لملك الروم، وذلك إبَّان خلاف معاوية مع عليٍّ رضي الله عنه؛ حيث ذكر المؤرخون أن ملك الروم لما رأى اشتغال معاوية بحرب علي طمع في بعض بلاد المسلمين، وتدانى إليها بجنود عظيمة، كما يذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (8/122)، فلما رأى معاوية ذلك كتب إلى ملك الروم قائلاً: (والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعينُ لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت، فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف، وبعث يطلب الهدنة) .

اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين.

عبد الآخر حماد

11 من رمضان 1445هـ – 21/3/2024م

التعليقات

موضوعات ذات صلة