عندما تبرع محافظ أسوان لمسجد الرحمن

img

بقلم: الأستاذ عصام عز

مسجد الرحمن الكائن بمنطقة النفق بقلب مدينة أسوان كان هو مركز النشاط الرئيسي للجماعة الإسلامية بالمدينة الجنوبية الهادئة تنطلق منه قوافل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ذات الوقت الذي تنطلق منه المساعدات العينية للأيتام والفقراء والمحتاجين.

بدأ النشاط الاجتماعي للمسجد يتسع في حقبة الثمانينات عقب اجتياح السيول الجارفة شرق المدينة فانهارت البيوت وغرقت.. فانتفض شباب الجماعة الإسلامية في حملة لجمع التبرعات العينية من بقوليات وأرز وفرش وغطاء وغيره لتوزيعها على الأسر المتضررة وأمتلأ المسجد بتلال منها، ليس هذا فحسب بل قاموا بتجهيز ورشة أمام المسجد لتصنيع أسرة من الحديد لإعطائها للمتضررين، واستنفروا من يجيد البناء لبناء البيوت التي تهدمت من جديد وكان ذلك في أيام معدودة قبل حتى أن تتحرك الدولة وعندما بدأت أجهزة الدولة بالتحرك أقامت خياماً للإيواء بنادي كيما على ما أذكر لم يذهب إليها إلا القليل!! وكان مقرراً أن تأت حرم الرئيس مبارك وقتها لتوزيع بعض المساعدات المالية للأسر المتضررة إلا أن مسارعة الجماعة الإسلامية للوقوف مع المتضررين والمنكوبين أثارت حفيظة الأجهزة الأمنية وقتها، فقامت باقتحام مسجد الرحمن ليلاً، وألقت القبض على عدد من الشباب الذين كان يبيتون بالمسجد لحراسة التبرعات، وصادرت الأجهزة الأمنية كل التبرعات التي تم تجميعها واخبرني احد الذين ألقي القبض عليهم أنه رأى المخبرين وبعض الشاويشية يتسللون بأكياس من البقوليات التي تم جمعها من التبرعات يأخذونها لبيوتهم. مما ولد غضباً عارماً وحنقاً شديداً في نفوس الأسوانيين تجاه هذا التصرف باقتحام المسجد ومصادرة التبرعات، فترتب على ذلك إلغاء زيارة حرم الرئيس مبارك لأسوان لتوزيع المساعدات بناء على توصيات أمنية..

ومن وقتها بدأ النشاط الاجتماعي للجماعة الإسلامية في أسوان يأخذ بعداً أخر ودعماً كبيراً من المجتمع الأسواني وخاصة من أصحاب الأعمال للجماعة في مساعدة الفقراء ولما رأت الجماعة هذا الأقبال الكبير على التبرع بالمسجد لمساعدة الفقراء قامت الجماعة بعمل نظام تكافل اجتماعي مبتكر تمثل في تأسيس اللجنة الاجتماعية من كبار الشخصيات التي لها وزناها من خلال خطين متوازيين خط المصالحات وخط التبرعات اختصت اللجنة في حل المشكلات التي تنشأ بين العائلات أو مشكلات الورث أو مشكلات الزواج والطلاق.

واتسعت هذه اللجنة لتشمل المحافظة بكاملها حتى أنه في مدينة كوم أمبو إذا حدثت سرقة بين الأهالي بدلاً من الذهاب إلى مركز الشرطة يذهبون إلى مسجد عبود مقر الجماعة هناك وقتها، والغريب أن أعضاء الجماعة كانوا يستطيعون التوصل للصوص وإرجاع المسروقات إلى أصحابها مما أثار حفيظة مأمور مركز الشرطة وقتها فقال بغضب كوم أمبو فيها إثنين مأمور أنا ومحمد سيد ـ مسؤول الجماعة في كوم أمبو آنذاك ـ مما زاد من التفاف الشعب الأسواني حول الجماعة وأنشطتها سواءً الدعوية أو الاجتماعية.

وعلى الجانب الآخر قامت الجماعة بمأسسة لجنة التبرعات وأدارتها بأسلوب علمي وعملي مستفيدة من طلبة معهد خدمة المنتمين إليها في عمل أبحاث اجتماعية للمناطق المختلفة وصارت لدى الجماعة قاعدة بيانات عن الأسر الفقيرة والمحتاجة في كل مناطق أسوان تقريباً وتم تقسيم الفئات المتبرعة وتعيين مسئول عن كل فئة مثلاً مسئول الجزارين يطوف بهم مرة كل أسبوع ليأخذ من كل واحد منهم حوالي كيلو من اللحم تبرعاً لصالح الفقراء وكذلك مسئول البقالين يجمع من كل محل بقالة كيلو أرز أو سكر وكذلك محلات الغلال يجمع منهم الفول والعدس وكان يتم توزيع كل ذلك وعمل شنطة تصل لمنزل الأسرة الفقيرة أسبوعيا تحتوي على ما يكفيهم خلال الأسبوع.

ليس هذا فحسب بل كانت كثير من الصيدليات في محيط المدينة تتبرع بصرف روشتة أسبوعياً لمريض فقير يأخذ المريض خطاب من المسجد فيذهب به إلى الصيدلية فتصرف له العلاج مجاناً وكذلك الكثير من الأطباء أصحاب العيادات الخاصة كانوا يتبرعون بكشفين أو ثلاثة مجاناً للفقراء عن طريق المسجد.

وكانت الجماعة الإسلامية تنتهز فرصة شهر رمضان المبارك لتجمع أكبر تبرعات ممكنة لصالح الأيتام والفقراء وفي ليلة العيد تخرج مسيرة ضخمة من المسجد تطوف الشوارع والأسواق بالتكبير ومعهم صناديق لزكاة الفطر وللتبرعات تمتلئ عن آخرها عند عودتهم إلى المسجد ، ليس هذا فحسب بل ابتكرت الجماعة منحة المدارس حيث يتم الذهاب إلى المدرسة وجمع كل الطلبة الغير قادرين على دفع الرسوم المدرسية فيتم دفعها لهم جميعاً بما فيهم من مسلمين وغير مسلمين وكانت الجماعة تصر أن يذهب المتبرع بنفسه إلى المدرسة لدفع رسوم الفقراء بنفسه بعد أن تعطيه كشفاً بهم وكان المتبرعون من رجال الأعمال أو أصحاب المحلات الكبيرة.

وكان يتم أيضاً شراء مرايل وشنط لتوزيعها على الأسر التي بها طلبة كما ابتكرت الجماعة منحة الجامعة كذلك للطلبة الفقراء وأقامت معارض لبيع الملابس بأسعار مخفضة قبل مواسم الدراسة أو الأعياد وكذلك ذبيحة الفقراء واتسع نطاق العمل الاجتماعي بطريقة مدهشة مما دعى محافظ أسوان وقتها اللواء قدري عثمان رحمه الله أن يرسل إلى المسجد تبرعات عينية من شنط وملابس ومرايل للطلبة بكميات كبيرة وكان قبل موعد منحة المدارس يرسل ابنه محمد ـ إن لم أكن نسيت اسمه ـ فيقف أمام المسجد بسيارته السوداء لإنزال التبرعات التي أرسلها والده .. وبعد وفاة والده المحافظ فوجئت به يأتي إلى المسجد ليتبرع بملابس والده من بدل وقمصان لصالح الفقراء صدقة على روح والده..

ثم يأت من بعده اللواء صلاح مصباح محافظاً لأسوان ليحدث في عهده وفي مثل هذه الأيام من شهر رمضان 1413 هـ – مارس 1993 م اقتحام مسجد الرحمن بالرصاص الحي أثناء صلاة العشاء فيلقى 9 من المصلين ربهم شهداء منهم طفل لم يتجاوز 15 سنه من عمره ويصاب 35 بجراح ويعتقل العشرات

ليتوقف بعد هذه المذبحة الأليمة نشاط المسجد تماماً فتقوم جماعة أنصار السنة بأسوان ـ بعد تغييب عناصر الجماعة الإسلامية بالمعتقلات ـ بالقيام بذات الدور في مساعدة الأيتام والفقراء وطورت عليه بإنشاء حضانة المسلم الصغير ومدرسة القرآن ومدرسة التدبر وإنشاء مستشفى حفصة مؤخراً وبعد خروج أعضاء الجماعة الإسلامية من المعتقلات بعد أن مكثوا فيها مدة قاربت الـ 15 سنة أنشئت الجماعة الإسلامية موقعها على الإنترنت وكان وقتها تحت إشراف د. ناجح إبراهيم وشرفت بإجراء حوار للموقع مع فضيلة الشيخ يوسف سليمان رئيس جمعية أنصار السنة بأسوان السابق قبل وفاته رحمه الله قال فيه: ولا يفوتني أن أذكر إن إخوة الجماعة الإسلامية كانوا في الماضي يتسابقون في إعداد شنط رمضان.. وإقامة موائد الإفطار وتوزيع الأغذية على الفقراء والمساكين من خلال مسجد الرحمن.. وأيضاً كانوا يوزعون بعض الملابس على فقراء المسلمين وأيتماهم.

فهل بعد هذه المحنة الطويلة للجماعة الإسلامية تستطيع القيام بدورها من جديد في تطوير العمل الدعوى والخيري والاجتماعي خاصة في ظل هذه الأجواء التي يعيشها المجتمع المصري وهل يفسح لها المجال للقيام بدورها في هذا الجانب؟ هذا ما تجيب عنه الأيام القادمة.

Author : الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

RELATED POSTS

قم بالتعليق