ابن تيمية.. مجددٌ وإن رغمت أنوف

img

بقلم: د. عبد الآخر حماد الغنيمي


شاهدت على إحدى الفضائيات منذ فترة برنامجاً حوارياً يُسمع فيه عميد إحدى الكليات الأزهرية وهو يصرخ -في مداخلة هاتفية-معلناً براءة الأزهر من ابن تيمية وابن القيم، وقد جاءت تلك البراءة لمجرد أن أحد ضيوف تلك الحلقة وهو المدعو أحمد عبده ماهر قد اتهم الأزهر بأنه يروج لفكر ابن تيمية.
وهذا الشخص –أي أحمد ماهر- معروف بعدائه للتراث الإسلامي كله وتشكيكه في صحيح البخاري وغيره من كتب السنة، حتى إنه رفع دعوى قضائية يطالب فيها شيخ الأزهر بتنقية صحيح البخاري من الأحاديث المدسوسة التي يزعم أنها تبلغ الآلاف. وبدلاً من أن ينتفض هذا العميد دفاعاً عن ثوابت الدين التي يريد أحمد ماهر وأمثاله أن يهدموها، نراه يهتم أكثر ما يهتم بإثبات براءة الأزهر من ابن تيمية وابن القيم، وأن كتبهما لا تدرس في الأزهر، وكأنَّ كتب ابن تيمية وابن القيم وباءٌ أو طاعونٌ يلزم الفرار منه.
ومثل موقف هذا العميد مواقف عدة لبعض من يظهرون في الفضائيات ممن يدَّعون التنوير والتجديد، فقد رأينا بعضهم يردد افتراءات لا أساس لها من الصحة حول تشدد ابن تيمية وآرائه المتطرفة. وقد شاهدت منذ فترة مقطعاً للشيخ علي جمعة يقول فيه عن ابن تيمية إنه كان متطرفاً، وإنه لو كان ابن تيمية “عايش وقعدنا معاه كنا هديناه ولو بقشة” بحسب تعبيره هداه الله. وكأنه لا يدري أن عشراتٍ من مناوئي ابن تيمية ومخالفيه، ممن كانوا معاصرين له، قد ناقشوه بالفعل، في مثل هذه المسائل التي يعتقد علي جمعة أن ابن تيمية قد ضلَّ فيها، فعُقدت بينه وبينهم المناظرة تلو المناظرة. وفي كل مرة ٍ كانت ساقيتهم تلاطم بحراً، كما هو تعبير الإمام ابن كثير رحمه الله. ومن ذلك ما أورده في البداية والنهاية (14/ 39) عن المناظرة التي عقدت بين ابن تيمية وبينهم بخصوص رسالته (العقيدة الواسطية)، وأنه ناظره فيها الشيخ صفي الدين الهندي، ثم الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، ثم قال ابن كثير: (ثم انفصل الحال على قبول العقيدة، وعاد الشيخ إلى منزله معظماً مكرماً، وبلغني أن العامة حملوا له الشمع من باب النصر إلى القصاعين على جاري عادتهم في أمثال هذه الأشياء). ولكن هؤلاء الخصوم لما لم يستطيعوا أن يصمدوا أمام بحر ابن تيمية المتلاطم، ما كان منهم إلا أن استعْدَوا ذوي السلطان عليه، واستغلوا ما كانوا يتمتعون به من المناصب في الزج به في السجن، بل حرض بعضُهم على قتله، تماماً كما يفعل علي جمعة الآن من التحريض على خصومه ومخالفيه.
ومن المهم أن نذكر هنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد واتته الفرصة بعد ذلك للانتقام من هؤلاء المشايخ الذين آذوه وحرضوا السلاطين عليه، إلا أنه عفا عنهم، ورفض رفضاً تاماً أن يتسبب في إيذاء أحد منهم؛ وذلك حين استفتاه السلطان الناصر محمد بن قلاوون يوماً في قتل أولئك القضاة والمشايخ، لكن ابن تيمية لم يستجب لمطلب السلطان، بل أخذ في تعظيم أولئك القضاة والعلماء وقال للسلطان: (إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم)، ولما قال له السلطان: (إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مراراً)، قال الشيخ: (من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي). وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح، ولذا كان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: (ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا). [البداية والنهاية: 14/56]..
ثم إني أريد أن أعود هنا إلى تلك الأسطوانة المشروخة التي لا يمل أولئك القوم من ترديدها، وهي ادعاء أن ابن تيمية كان متطرفاً أو متشدداً؟
فأقول: لقد ظلت الفتوى الرسمية في الأزهر لعدة قرون على أن الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع طلاقاً بائناً بينونة كبرى، وكان ابن تيمية يفتي بأنها تقع طلقة واحدة فقط، وقد تعرض من أجل ذلك للإيذاء والحبس، هو وبعض تلاميذه. وكانت بعض الكتب المقررة في الأزهر تتهم ابن تيمية بسبب تلك الفتوى بأنه ضال مضل [كما في الشرح الصغير للشيخ الدردير: 2/ 537]. لكن قانون الأحوال الشخصية الصادر في مصر سنة 1929م، والذي وافق عليه الأزهر، قرر الأخذ برأي ابن تيمية، وصارت فتوى ابن تيمية هي الفتوى الرسمية المعمول بها في دار الإفتاء المصرية، وكان من مبررات الأخذ بتلك الفتوى أن ذلك من باب التيسير، ومراعاة ظروف الناس وأحوالهم، حتى صرح الشيخ أحمد الطيب مؤخراً بأن ذلك القول -أي قول ابن تيمية- هو الذي يلائم الواقع المعاصر، رغم أنه مخالف للمذاهب الأربعة، وكذلك صار القانون المصري يأخذ بقول ابن تيمية في مسألة الطلاق المعلق، وأن من علَّق طلاق امرأته على شيء -كأن يقول لامرأته إن فعلتِ كذا فأنت طالق– فإنه لا يقع طلاقه إنْ فعلت ذلك إلا إذا كان يقصد إيقاع الطلاق حقيقة، وأما إذا قصد مجرد التهديد أو الحمل على فعل شيء أو تركه فإنه لا يقع بذلك طلاق وصارت هذه هي الفتوى المعتمدة في دار الإفتاء المصرية، وكان من ضمن مبررات الأخذ بها أنها الأيسر مع كونها بالطبع لا تخالف نصاً صريحاً من الكتاب والسنة.
فيا قوم مالكم كيف تحكمون؟ أو ليس في رجوعكم لقول هذا الرجل إقرارٌ منكم بسعة علمه وصحة اجتهاده، وأنه كان مصلحاً مجدداً، لا متشدداً جامداً؟
إن الباحث في تراث ابن تيمية سيجد الكثير والكثير مما يدل على ميله للتيسير ما لم يخالف ذلك دليلاً شرعياً صحيحاً. ومن ذلك أنه كان يستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك بعض المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فِعلِ ذلك، فكان مثلاً يرى أن يجهر الإمام بالبسملة عند قراءة الفاتحة إذا كان المأمومون على مذهب من يرى الجهر بها، وذلك رغم أن الراجح عنده عدم الجهر بها، ولكنه كان يفتي بذلك تأليفاً للقلوب ودرءاً للفتنة والاختلاف
وفي وقعة شقحب -وكانت وقعة فاصلة بين المسلمين والتتار- في رمضان سنة 702هـ أفتى الجند بالفطر، وأفطر هو أيضاً، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده، ليعلمهم أن إفطارهم ليتقووا على القتال أفضل فيأكل الناس. [البداية والنهاية 14/ 27]
وكل ذلك يسقط دعاوى البعض حول تشدد ابن تيميه وتعنته. ولذلك رأينا المنصفين من رجالات الأزهر في الجيل الماضي يعترفون بقدر شيخ الإسلام ابن تيمية، ويرجعون إلى آرائه وفتاواه، منهم الشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد الخضر حسين وغيرهم.
وأكتفي هنا بذكر موقف واحد لواحد من شيوخ الأزهر الكبار، وهو الشيخ الجليل عبد المجيد سليم رحمه الله (المتوفى سنة 1374هـ – 1954م). والذي كان مفتياً للديار المصرية، ثم شيخاً للأزهر في بداية الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي. وقد كان له موقف حكاه الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، في مقال نشره في عدد ربيع الأول 1374هـ من مجلة الهدي النبوي، حيث ذكر أنه زار الشيخَ عبدَ المجيد يوماً، وعنده أحد مشايخه، وأن الشيخ عبد المجيد سأله عما قرأ من كتب ابن تيمية وابن القيم، فأخذ الشيخ حامد يسرد عليه ما قرأه من كتبهما، وهنا غضب الشيخ الزائر، وقال في حدة: أنت يا شيخ عبد المجيد تقرأ كتب ابن تيمية الضال المضل؟!. قال الشيخ حامد الفقي: (فأجابه الشيخ رحمه الله رحمة واسعة، في رفق وأناة وابتسامة لطيفة لا أنساها: نعم يا سيدنا الشيخ، وأكثر من ذلك أقول لك: إني كلما أردت شرح صدري، وتنشيط نفسي وإنعاشها قرأت كتب ابن تيمية وابن القيم، فلن يعتريني كسل ولا خمول أبداً… وما ذلك إلا لأن كتب ابن تيمية وتلميذه يشرق منها نور الهدى والإيمان؛ لأن لها أوثق الصلة بالقرآن والسنة، فغضب الشيخ الكبير غضبة عنيفة، وقام في غيظ شديد، مقسماً أنه لن يزور الشيخ عبد المجيد إلا إذا أعلن توبته، ورجوعه عن كتب ابن تيمية وابن القيم، ومقاطعته لحامد الفقي). ولكن الشيخ كما يذكر الشيخ الفقي لم يرجع، وظل إلى أن لقي ربه على العقيدة السلفية، عقيدة التوحيد الخالص، والاتباع الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد: فإن ابن تيمية ليس معصوماً من الخطأ، ولا حرج على من شاء من أهل العلم أن يخالفه في بعض ما ذهب إليه، لكن الواجب أن يكون ذلك في حدود أدب الإسلام، وبالطريقة العلمية الصحيحة لا بالتهجم والتطاول. وما أحسن ما قاله عنه تلميذه ابن كثير في البداية والنهاية (14/145): (وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء، وممن يخطئ ويصيب، ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطؤه أيضاً مغفور له كما في صحيح البخاري: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) …). أ. هـ

ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلُّها ** كفى المرءَ نبلاً أن تُعدَّ معايبُه

د. عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
20 / 9/ 1441هـ – 13/ 5/ 2020م

Author : الجماعة الإسلامية

الجماعة الإسلامية

RELATED POSTS

قم بالتعليق